"قوارب التنين"... أهم مهرجان تقليدي في الصين/ علي أبو مريحيل

العربي الجديد
15-07-2021
يو ليانغ، امرأة خمسينية، تملك متجراً في العاصمة الصينية بكين، لبيع لفائف الأرز الخاص بعيد دوان وو، أو ما يعرف بـ "مهرجان قوارب التنين" وهو عيد تقليدي يحتفل به الصينيون في اليوم الخامس من الشهر الخامس وفق التقويم القمري.
منذ منتصف شهر مايو/أيار الماضي، بدأت يو وزوجها بينغ، في جمع أوراق قصب الخيزران لصنع اللفائف المحشوة بالأرز والبيض واللحوم والمكسرات والفواكه المجففة، وذلك استعداداً لفعاليات المهرجان الذي يصادف هذا العام، الرابع عشر من يونيو/ حزيران الجاري. فيقبل الصينيون على شراء هذا النوع من الطعام، إما من أجل تناوله، أو رميه في النهر لتأكله الأسماك.
ويرجع سبب ذلك إلى قصة ترويها يو ليانغ، بحماسة وشغف في حديث لـ"العربي الجديد": "قبل أكثر من ألفي عام، وبالتحديد أثناء فترة الممالك المتحاربة في الصين (1027 ق.م إلى 278 ق.م) ظهر شاعر اسمه تشو يوان، كان يدعو في قصائده إلى الوحدة والتلاحم بين الممالك المختلفة، كما كان يطالب بالإصلاح في فترة استشرى فيها الفساد، ولأن صوته كان مؤثراً ومسموعاً، تم نفيه خارج بلدته الواقعة في مقاطعة خوبي وسط البلاد، فلم يحتمل ذلك، وقرر أن ينتحر، فألقى نفسه في نهر مي لو".
تتابع أنّه عندما علم سكان القرية المحيطة بالنهر بأمر انتحاره، هرعوا إلى المكان لإنقاذه، أو على الأقل لاستعادة جثته، وبدأوا بإلقاء لفائف الأرز في قاع النهر لدرء خطر الأسماك الجائعة عنه، وشرعوا في قرع الطبول وافتعال الضجيج والأصوات الصاخبة لطرد الأرواح الشريرة من المكان، غير أنّ محاولاتهم المتكررة لم تفلح في استعادة شاعرهم، لتخلّد ذكراه في ما بعد، ويصبح أيقونة شعبية لمقاومة الفساد والظلم.
تضيف يو ليانغ، أنّه رغم أنّ البعض ينظر إلى قصة الشاعر تشو يوان، على أنّها مجرد أسطورة، فإنّ الصينيين ما زالوا يؤمنون بحقيقة وجوده، بل إنّ بعضهم يظن أنّه ما زال حياً في مكان ما، لذلك يستمرون في قرع الطبول كلّ عام، ويتبارون في سباقات القوارب بحثاً عنه، ويرمون لفائف الأرز في الأنهار لصرف الأسماك الجائعة عن نهش لحمه. وعن طبيعة عملها، وعوائده المادية، تقول يو ليانغ، إنّها كانت في الماضي تصنع خلال فترة المهرجان ما لا يقل عن خمسة آلاف قطعة في اليوم الواحد من لفائف الأرز التي تشتهر في الصين باسم "تسونغ زي" لكن خلال السنوات الأخيرة بدأ الكثير من المطاعم والمتاجر الكبيرة يتخصص في هذه الصناعة نظراً للتوجه نحو التصدير خارج البلاد، كما أصبحت اللفائف تباع طوال أيام العام وليس فقط أثناء المهرجان. تضيف أنّها لا تشعر بالغبن إزاء ذلك، باعتبار أنّ عمليات التسويق الواسعة تساهم في نشر الثقافة الصينية في العالم، وتعرّف المجتمعات الأخرى بالتراث والإرث الصيني القديم.
على صعيد آخر، يقول داو بين، وهو شاب عشريني، لطالما شارك في مسابقات قوارب التنين، إنّه بسبب الإجراءات الاحترازية الخاصة بتفشي فيروس كورونا، لن تنظم هذا العام فعاليات كبيرة لإحياء المهرجان، وسيقتصر ذلك على بعض المناطق التي لم تسجل فيها إصابات كثيرة، حيث اعتادت فرق التجذيف الصينية على المشاركة كلّ عام في مسابقات على مستوى الدولة وسط حشود شعبية كبيرة وتغطية واسعة في وسائل الإعلام المحلية.
عن تأثير المهرجان في حياة وثقافة المجتمع الصيني، تقول الباحثة الاجتماعية إيمي تان، إنّ عيد دوان وو، ينطوي على العديد من الخرافات، فهناك اعتقاد سائد بأنّ الأرواح الشريرة تتحرر في اليوم الخامس من الشهر القمري الخامس، فتجلب معها الآفات والأمراض والأوبئة والكوراث، وتضاعف من محن الناس، لذلك يعمدون في هذا اليوم إلى إحداث ضجيج لإخافة الأرواح المتناثرة، وطردها من المكان، كما يلصقون صوراً على جدران منازلهم لبعض الزواحف والحشرات السامة مثل: العقارب والأفاعي والعناكب، للغرض نفسه. تضيف إيمي لـ"العربي الجديد" أنّ العديد من الصينيين يحجمون عن الزواج أو الإنجاب في هذا الشهر، لتجنب سوء الطالع، وتشير إلى أنّ الإقبال الشديد من الناس على تشجيع فرق التجذيف وقارعي الطبول في سباقات قوارب التنين، تنطلق من تلك المخاوف، لإيمانهم بأنّه بقدر ما يتم إحداث ضجيج وضوضاء في المكان، تنسحب الأرواح الشريرة وتعود أدراجها إلى غير رجعة.
بعيداً عن أسطورة المهرجان، يعتقد آخرون من جيل الشباب بأنه فرصة لكسر روتين الحياة العملية في الصين، بسبب الإجازة الطويلة التي يحظى بها الموظفون والعمّال (ثلاثة أيام)، ويقول بعضهم إنّه بغض النظر عن مدى صحة قصة الشاعر تشو يوان الذي دفع حياته احتجاجاً على الفساد والظلم، فإنّ إحياء المهرجان واستمرار الحفاظ على تلك التقاليد رغم مرور أكثر من ألفي عام، يؤكد معاني القيم الإنسانية في تاريخ وحضارة الشعب الصيني، والتي تتصل بالوفاء والإخلاص للأسلاف الذين تركوا هذا الإرث الكبير.
في المقابل، هناك وجهات نظر أخرى تقول إنّ الهالة الأسطورية التي أحيط بها الشاعر تشو يوان، هي غاية مقصودة هدفت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى إحياء شخصية قومية من التراث الصيني، لإثارة المشاعر الوطنية عند جيل الشباب، خصوصاً بعد انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية عام 1949. يشار إلى أنّ منظمة الأمم المتحدة للعلم والثقافة (يونسكو) أدرجت مهرجان قوارب التنين في قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي، وذلك في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول 2009.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1