النصر المؤجل: نحو تغيير قواعد الصراع وتجديد إدارته وأدواته/ نضال عبد العال

بوابة الهدف الإخبارية
10-07-2021
تحيل المقولة الأشهر للاستراتيجي الفذ؛ كارل فون كلاوتزفتز: إن الحرب هي ممارسة السياسة بوسائل أخرى، إلى الاستنتاج بأن الأهداف السياسية الرامية إلى اخضاع العدو ومنعه من تحقيق أهدافه أو حتى القضاء عليه وفق المعادلة الصفرية، خاصة في حالة صراعنا الوجودي مع الكيان الصهيوني؛ فالأهداف موجودة وثابتة لأن الصراع قائم وإن بأشكال مختلفة، أما الحرب العسكرية كتدخل عنيف في حركة الصراع وفي وسائل تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتوخاة منها، فهي تصعيد في وسائل تحقيق هذه الأهداف.
إن توقف المعركة العسكرية، لا يعني وقف الحرب العسكرية، وإن كانت توصف بعبارة ملتبسة: "خفض التصعيد"؛ العبارة السمجة التي تهدف الى إضاعة الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه، ربما كانت تخفيضاً من ناحية الكلفة المادية، وبالأخص الخسائر في أرواح البشر وتدمير وسائل حياتهم ومعيشتهم ورفاههم؛ غير أن هذا التخفيض للكلفة المادية ليس بالضرورة أن يكون تخفيضاً للكلفة السياسية، في حال جاءت حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر، ذلك أن الحرب مستمرة لأن العدوان مستمر بمعناه الشامل، لأننا في نهاية الأمر أمام المشروع الصهيوني، والذي هو مشروع استعماري استيطاني ويمثل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني كجزء من المشروع القومي العربي.
في ظروف صراعنا المُركّب مع الكيان الصهيوني، كصراع تاريخي وشامل ومفتوح على مصراعيه؛ تاريخياً لأنه على مساحة الماضي والحاضر في الواقع والخيال في العقول والقلوب، وشاملاً لأنه يذهب في كل الاتجاهات لا يستثني قطراً دون آخر ولا طائفة دون أخرى، وأيديولوجيا معينة، ويغوص عميقاً ويتمدد أبعاداً ويفرخ فصولاً وفروعاً، ومفتوحاً لأنه مرتبط بالمقدمات التي أنتجته وليس بالنهايات التي وصل إليها، لذلك يستدرج الكثير من النقاش في كل تفصيل، ويبدأ الصراع حكماً من الوعي من منظومة المفاهيم والتعابير والمصطلحات وهو ما يؤكد أنه صراع وجودي. لذلك إن الانتصار كفكرة في الوعي مرتبطة بالإرادة القادرة على تحقيقه، وموضوعية الصراع تفرخ أسباب استمراره فلا يستطيع أحد إنهاءه دون تحقيق نصر نهائي. لذلك سيبقى يحافظ على ديمومته كصراع إرادات، تتجسد بالنسبة لنا في المقاومة كوعي ومنهج وممارسة.
خطوة جدية نحو اختراق المستحيل
إن النصر المؤجل بالنسبة للفلسطيني؛ يعني نصراً يستدعي تغييراً جدياً لقواعد الصراع من جهة، ولإدارة الصراع من جهة أخرى، أي تجاوز المرحلة السابقة، وتأكيد هذا النصر يتم من خلال تغيير المشهد السياسي البائس والمتشائم والمتشظي والعاجز والمُستجدي والمتنافس على سلطة سياسية مسلوبة الإرادة، هذا المشهد هو نتيجة طبيعية لفكفكة وبعثرة عوامل القوة ورمزيات الهوية وكان آخرها قضم القدس برمزيتها وحساسيتها قطعة وراء قطعة، وكاد أن يسمح بابتلاعها وهضمها نهائياً، من خلال تفكيك وتهجير تجمعات سكنية وازنة تشكل أحزمة سكانية تحمي المدينة القديمة والمقدسات، من ساحة باب العامود إلى الشيخ جراح إلى سلوان وبطن الهوا.. الخ.
أما بالنسبة للعدو فهو يخوض صراعاً وجودياً أيضاً؛ فسيظل يعمل جاهداً لإجهاض كل بارقة أمل؛ فيتحول المنتصر إلى مهزوم عند إعادته إلى قواعد الصراع ذاتها وإدارة الصراع المعتادة السابقة، بما يسمح له استمرار تمرير سياسته الاستيطانية والتهويدية التهجيرية على مساحة فلسطين التاريخية، وهذا يعني أن التموضع السياسي الفلسطيني بإدارته السياسية الرسمية وأدواته السلطوية وقيود الاتفاقات المهينة؛ ستبقيه رهينة المؤثرات الإقليمية والدولية المهيمنة والمناسبة جداً لتنفيذ كامل المشاريع التبعية والتطبيعية.
ما يعنيه هذا الاستنتاج هو أن ما تحقق بفضل المقاومة من مقدمات تسمح بتجاوز قواعد الصراع السابقة، وتعمل على تأسيس عقد اجتماعي جديد؛ يرمم المشروع الوطني الفلسطيني، ويبني مفهوماً جديداً للوطنية الفلسطينية كقوة تحررية ضد الكيان الصهيوني وليس معه أو بوجوده، بل ومعسكر الأعداء بشكل عام، لأن الذي أثبتته معركة سيف القدس أن الكيان جزء أصيل ورأس حربة في مشروع استعماري رجعي معادي؛ عناصر القوة لديه الكامنة والظاهرة والمتشابكة على مستوى الإقليم هي عوامل الكبح لأي محاولات نهوض وطني وقومي. وما يؤشر إلى صحة هذا الاستنتاج هي "الفزعة" إن صح القول، التي استنهضت الحكومات البعيدة والقريبة في المحور الآخر، لاستدراك ما حصل وبذل كل الجهود للعودة للوضع السابق.
إن الإدارة الحقيقية للصراع هي القدرة على تحقيق التحالف والتقاطع والتكامل بين المنفرد على الصعيد الوطني والخاص على صعيد الأمة العربية والإسلامية والعام على الصعيد الأممي والإنساني، أي كيفية الاستفادة من الفرص المتاحة وتقليل الخسائر وتجنب تشتيت الجهد والامكانيات وكيفية التعامل مع التحديات، هذا ما يسمح بتطور العامل الذاتي، الذي جعل من هذه المعركة لحظة ثورية لفرض معطيات جديدة، هو ما يجب أن نسلط الضوء عليه باعتباره موضوع للمراجعة، وهو ما يمكن البناء عليه في المستقبل لمواصلة مراكمة القوة الذاتية، مما يسمح ببناء قدرات أكبر في التصدي للتحديات التي ستتفاقم حكماً؛ بسبب شعور معسكر العدو بكل أبعاده (الكيان الصهيوني والراعي الإمبريالي والاتباع من أنظمة عربية) بازدياد المخاطر بتطور قوة المقاومة واتساع محورها.
اختبار الانتصار تكشفه قدرات المقاومة في المعركة القادمة
دائماً ما يكون الرجوع لمتابعة تحقيق الأهداف الموضوعة مسبقاً قبل تصعيد الوسائل واللجوء للحرب، من احتواء فكرة النصر لدى الخصم، إما لإجهاض انتصاره أو لتأكيد هزيمته، فلا يتم الاكتفاء بإثارة موجة من التشكيك بالنتائج، بل بجدوى التصدي للعدوان أصلاً، في عملية تهويل الخسائر في المواقع الحيوية والعسكرية وآثارها على بنية المقاومة وحساب أعداد الشهداء والجرحى، بحيث تكون النتيجة البسيطة والسهلة جداً، بأن الوضعية الأفضل لتقليل الخسائر هي الاستسلام الكامل والعيش كالعبيد.
ومن لا يذكر أن ذات النقاش حول ما الذي تحقق؟ هل هو انتصار؟ وما هي طبيعته؟ كان قد اشتعل يوم اندحر العدو الصهيوني من جنوب لبنان في أيار ٢٠٠٠، وهو ذات النقاش في آذار ٢٠٠٥ يوم اندحر العدو الصهيوني من غزة، وأيضاً بعد عدوان تموز ٢٠٠٦، وهناك من لا يريد أن يعترف حتى الآن بأن سوريا قد تعرضت لعدوان كوني وانتصرت.
إن الدليل القاطع على أن اندحار العدو الصهيوني من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ هو انتصار حاسم لا يقبل الشك؛ تلك المعطيات الجديدة التي فرضها ذاك الإنجاز التاريخي، والتي سمحت بتجاوز قواعد الصراع السابقة، بحيث تحولت المقاومة في لبنان إلى لاعب إقليمي وسند قوي للشعب الفلسطيني، ومن يذكر خطاب السيد حسن نصر الله في مهرجان جماهيري في تشرين عام ٢٠٠٠ الموجه للشعب الفلسطيني في انتفاضة الأقصى، يفهم تماماً بقية القصة، بأن المقاومة في لبنان كانت سنداً حقيقياً للشعب الفلسطيني، كما قال يومها السيد نصر الله. كان نصراً مؤجلاً بأبعاده الاستراتيجية بعيدة المدى على مستوى المنطقة، مما وفر بيئة معنوية بالحد الأدنى لتطور فعل انتفاضة الأقصى، وقد أدى لاحقاً إلى اندحار العدو من غزة وفكفكة ١٧ مستوطنة.
أما الدليل القاطع على أن الاندحار الصهيوني من قطاع غزة هو انتصار حاسم لا يقبل الشك، هو تحول غزة إلى أرض محررة، وقد وفر ذلك هامش لإعداد بنية مقاومة فعالة؛ قابلة للتطور خارج قبضة العدو. رغم الرفض القاطع والمبدئي لفكرة الاقتتال الداخلي والتي أدت إلى الانقسام، والتي هي مشروع هدر للطاقات وتبديد لعناصر القوة واستنزاف لفعل المقاومة وبيئتها، ولكن بالمقابل، لقد كان خروج غزة من القبضة الأمنية لمنظومة أوسلو فائدة عظيمة مكنتها من القيام بمهمة وطنية أبعد من الانقسام، ويظل السؤال ماذا لو انتهى الانقسام بتواطؤ إيجابي؟ يتيح للضفة أن تسقط القيود الأمنية وتتكامل مع غزة؟ أي أن يكون ذلك ضمن رؤية استراتيجية جديدة للصراع بمنظومة جديدة لإدارة الصراع، كتعبير عن وحدة تخترق اللغة والقواعد السائدة نحو إدارة جديدة للصراع؛ بمضمونه التحرري والمقاوم.
أما الدليل القاطع على انتصار المقاومة في لبنان في حرب تموز ٢٠٠٦، هو قدرتها على مساندة سوريا في التصدي للعدوان العالمي الذي تعرضت له وانتصرت عليه، وهي مهمة ذات أبعاد استراتيجية كبيرة لحماية عمق المقاومة وإحدى أهم ركائزها. ومن يستطيع أن ينكر دور المقاومة في لبنان في مساندة المقاومة الفلسطينية على كل الأصعدة والمستويات منذ ما قبل ٢٠٠٦ وحتى اليوم، وتوفير مقومات التصدي للعدوان على غزة في الحروب المتكررة، عام ٢٠٠٩ وفي عام ٢٠١٢ وفي عام ٢٠١٤، ويعود الفضل لانتصار المقاومة في لبنان وقد تحولت إلى لاعب إقليمي أساسي، يحسب حسابه من القوى الدولية والإقليمية والمحلية على حد سواء. والاختبار الجدي لانتصار الشعب الفلسطيني في معركة سيف القدس تكشفه قدرات المقاومة في المعركة القادمة، والمحطة الأولى لهذا الاختبار هي خوض المعركة السياسية الحالية بنفس الجدارة وبهمة وإرادة المنتصر لتثبيت ركائز النصر القادم، وهو امتحان حقيقي لكل فصيل فلسطيني وعربي؛ فالعبرة هي في مراجعة الدروس والاستفادة من التجارب ومراكمة القدرات.
أما انتصار سوريا فله تقييم مختلف، فهو انتصار وولادة محور كامل تبلورت ملامحه في مواجهة العدوان لتدمير دور سوريا الرئيسي فيه؛ انتصرت سوريا بفضل محور المقاومة وتشكل محور المقاومة بفضل صمود سوريا، ولو هذا النصر لما كان كل هذا الذي جرى من تراكم قوة ومنجزات.
إذا أردت أن تدرك قيمة وأهمية ما هو موجود؛ فكر في غيابه، ماذا لو انتصر العدوان التركي القطري السعودي الإماراتي بأدوات داعش وجبهة النصرة ومن لف لفيفها من مجموعات وفصائل تكفيرية متطرفة في سوريا وتمددت كما كان مخططاً إلى لبنان ودخل حزب الله وبيئته الحاضنة في آتون التهديد والصدام مع هذه القوى؟ هل سنكون أمام محور تبلورت ملامحه وقدراته وامتداداته ويحقق اليوم انتصاراته؟
ومن الضروري ربما التأكيد أن المراجعة لا تشمل فقط الخيارات السياسية، بل أن تراجع المقاومة ذاتها ايضاً، وتتعلم من تجربتها وتجربة غيرها، وهناك محطات عديدة لا بد من التوقف عندها مثل، تحرر غزة من قيود أوسلو الأمنية، أو صمود سوريا وانتصارها مع محور المقاومة. وهناك سؤال كبير يجب التوقف عنده فقط لاستخلاص الدروس والعبر، ماذا لو انتصر الحلف المعادي في سوريا؟ لكانت حماس أصبحت في الموقع الآخر، جزء من منظومة لا تستطيع أن تتفلت من تشابكاتها والتزاماتها الإقليمية والدولية؛ منظومة قد تسمح لها بإدامة حضورها فقط كمعارضة سياسية في أحسن تقدير، أما أن تكون مقاومة قادرة على بناء قدرات استراتيجية لتشكيل قاعدة ردع، وتسعى لتطوير هذه القدرات لفرض معطيات لتغيير قواعد إدارة الصراع، فهذا يحتاج إلى محور مبني على فهم مشترك لطبيعة العدو وطبيعة الصراع معه، وعودة حماس إلى تمتين تشابكها مع محور المقاومة هو تأكيد على صحة هذه الفرضية.
هل انتصر الفلسطيني؟
غالباً ما يجري الحديث عن أن قواعد الاشتباك بين الأطراف المتصارعة تفرضها موازين قوى، هي في حقيقة الأمر تموضع سياسي استراتيجي، أي علاقات تحالفية تربط بين عدد من الأطراف ذات الرؤى والمصالح المشتركة، وتتشكل على أساس هذه الرؤى والمصالح منظومة قواعد إدارة الصراع مع قوى تربطها تحالفات ومصالح ورؤى أخرى، ولأننا نعتقد أن الشعب الفلسطيني قد حقق انجازاً في المعركة الأخيرة، فإن السؤال المطروح، ما هو هذا الإنجاز؟ وهل بالإمكان البناء عليه؟
تمنح الخطابات الانتصارية؛ فرصة اللعب على مضامينه الواسعة والمتعددة الجوانب؛ فتضيع الفوارق بين النصر في الذهنية "العنترية" والنصر في ذهنية "الإنجاز"، أي ثقافة القدرة على تحقيق النصر، لذلك نقول إن ما تحقق هو إنجاز فرض معطيات جديدة؛ تسمح بشكل مشروط البناء عليها، بحيث يمكن تغيير قواعد إدارة الصراع السالفة الذكر، من وضعية الفلسطيني الضعيف والمرتهن لرؤى ومصالح الآخرين، إلى الفلسطيني القوي الذي يشكل القضية المركزية والتي على أساسها تتحدد معايير قواعد إدارة الصراع، ليصبح الفلسطيني في موقع التهديد الوجودي للكيان الصهيوني.

بالعودة للإجابة عن السؤال المطروح ونبدأ بالشطر الأول من السؤال، ما هو الإنجاز الذي تحقق؟
لقد وضع اتفاق أوسلو الطرف الفلسطيني في تموضع استراتيجي، أي تشابك المصالح والرؤى الإقليمية والدولية، وفرض على الفلسطيني الالتزام بقواعد إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني من موقع الضعيف المرتهن، أي أن القضية الفلسطينية ليست هي المركز المحدد لمعايير إدارة الصراع، بل التابع لهوامش مصالح هذه القوى الدولية والإقليمية، وأتاح ذلك للعدو تحقيق اختراقات كبيرة، حيث فصل وفكك الجغرافيا الفلسطينية والشعب الفلسطيني وجعل لكل منهم ملهاة على شكل قضية خاصة، فسيقت على أنها قضايا ذات طابع اغاثي في موضوع اللاجئين، إنساني تنموي في غزة والضفة، أو بحدها الأقصى هي قضية عدالة ومساواة في المناطق المحتلة عام ٤٨. إن الكيان الصهيوني تمكن من تدمير عناصر القوة الفلسطينية، فقد فكك الشعب الفلسطيني بعد أن تفككت وتدمرت منظومة تحالفاته العربية الإقليمية والدولية، وأنتج ذلك وضعاً فلسطينياً ضعيفاً جداً، بحيث لم يعد الفلسطيني مصدر تهديد وجودي للكيان الصهيوني.


إذن، المعطى الأول؛ أهمية غزة أن تكون "هانوي الفلسطينية"، التي كان يحلم بها جورج حبش أن تكون للثورة هانوي عربية، ولكن المنظومة التسووية العربية لم تسمح بإقامتها. دون إغفال أنها لم تكن يتيمة، فهي ضمن استراتيجية عمل شاملة وفق خصوصياتها الجيوبولوتيكية. هنا يجب الإشارة إلى أن حصار غزة من جهات عدة، لتدجينها ووضعها في النظام السلطوي الأمني، وما الانتخابات المؤجلة إلا محاولة لإعادتها إلى قفص السلطة لتجديد مكانتها ووظيفتها وشرعيتها وفق معايير ما يسمى المجتمع الدولي.
المعطى الثاني، إن الهدف الجامع يستحق التضحية من الجميع، وخاصة إذا كان هدفاً وطنياً خارج حدود السلطة ومصلحة الفصيل وعابراً للأيديولوجيا، هذا يفسر استيقاظ الروح الوطنية الجامعة والاستعادة المعنوية لوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته، ونشير هنا إلى أنه لا يمكن أن تشكل أي قوة مهما بلغت إمكاناتها وقدراتها، تهديد وجودي للكيان الصهيوني، إن كانت فصيل أو دولة أو محور، بدون أن يكون الشعب الفلسطيني بقواه وطاقاته هو مركز هذه القوة.
لقد خلق هذا المعطى تفاعل شرائح وفئات وتجمعات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وفي كل أماكن تواجده، واستنهاض طاقاته وزجها في المعركة بشكل مبدع وخلاق، وهي مؤشر لاستعادة تجسيد للوطنية الفلسطينية كهوية ومشروع مواجهة شاملة.
المعطى الثالث، دور الفصائل الفلسطينية العامة والمقاومة خاصة، بالمساهمة في صناعة الحدث، بعد أن كانت تعتبر خارجه أو متفرجاً أو طرف مقصى من مؤسسة القرار الرسمي وهيكليته، وخاضعة للتفرد الفئوي في القرار؛ بسبب من تشوهات اتفاق أوسلو على مستوى البنى التنظيمية، وتهمش حضورها بحيث تحولت إلى معارضة سياسية سلبية تسجل موقفها للتاريخ، لذلك أي انتصار يستكمل ببناء جبهة مقاومة وطنية موحدة أوسع من غرفة عمليات مشتركة؛ تتناول سبل توحيد استثمار عناصر الاشتباك التاريخي الذي أسس له هذا النصر.
المعطى الرابع، إن استراتيجية عمل للمقاومة في فلسطين تبقى قاصرة إن لم تكن جزءاً من كل؛ من استراتيجية شاملة للمقاومة في المنطقة، يشكلها اليوم محور المقاومة بمعنى "محور فلسطين"، بكل ما تعنيه من دعم فصائل المقاومة الفلسطينية وشكل رافعة لدورها ولتراكم قدراتها، وبالتالي صارت جزءاً من منظومة إدارة صراع بديلة، وللمرة الأولى ربما في تاريخ القضية الفلسطينية يتشكل محور يضم عدد من الأطراف؛ دولاً وفصائلاً، يتشاركون في فهم مشترك للصراع مع الكيان الصهيوني كصراع وجودي، وبالتالي رفض التعايش معه، ويجمعون في السعي لإزالته من الوجود، وهذا ما سمح بتشكل قواعد جديدة لإدارة الصراع وتراكم القدرات لدى كل الأطراف في المحور بدون أي تحفظ أو حسابات، بل ويتم إزالة العقبات وتسهيل تبادل الخبرات بحيث يتم البناء على كل انجاز في أي موقع لصالح المحور مجتمعاً، ويزيد هذا الأمر من القدرات الخاصة لكل طرف، والقدرات العامة لمجموع المحور بشكل مضاعف مرات عدة.
المعطى الخامس، لقد برز بشكل واضح حجم التضامن الشعبي على كل المستويات العربية والإقليمية والدولية، بما يؤسس لعزل الكيان الصهيوني عالمياً كنظام استعماري إجلائي وعنصري معاكس لحركة التاريخ، وما يلفت الأنظار أن هذا التضامن لم يكن تضامن مع الضعيف، بل مع صاحب الحق القوي كضحية تتمسك بحقها في المقاومة، الذي يرد على الاعتداء ويوجع، وهذا ما يؤشر أن هذا الحجم من التفاعل والتضامن كان بفعل دور إيجابي لنهوض فلسطيني شامل؛ أسهم في إيصال الرسالة وحث الجمهور على التفاعل والتضامن.
وبعد عرض المعطيات التي تحققت، نأتي على الإجابة عن الشطر الثاني من السؤال، هل يمكن البناء على ما تحقق؟
إن ما يجعل هذه المعطيات صالحة للبناء عليها، هو التقاطها والمراكمة عليها باعتبارها وقائع تحققت بفضل التضحيات وجهود مختلف قوى وشرائح الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن المطلوب هو الاستمرار في مراكمة القدرات وبذل الجهود لترسيخ هذه الاختراقات وتعميق مفاعيلها، وهذا ما يجعل منها انجازاً حقيقياً فعالاً ومقدمات لتحقيق الانتصار.
بهذا المعنى؛ نحن معنيون بدفع المعطيات التي عرضناها إلى الأمام لكي تتدحرج وتكبر كرة الثلج، وخصوصاً أن الجهود الدولية والعربية والإقليمية، كلها مستنفرة لاحتواء هذه المعطيات ومنعها من أن تكون مقدمات يمكن البناء عليها، وانطلاقاً من ما يشكله العامل الفلسطيني باجتماع تشتته واستعادته للوطنية الفلسطينية كهوية ومشروع تحرري، تشكل تهديداً وجودياً للكيان الصهيوني، وخصوصاً في ظل تبلور محور المقاومة الذي تتوفر فيه المواصفات المذكورة آنفاً. لذلك إن المعضلة الأساسية هي في العامل الفلسطيني، الذي تتركز عليه جل الضغوط والجهود، لأنه المعطى الأساس الذي تبزغ منه ملامح المرحلة القادمة، والخطورة تكمن في أن الجهود الدولية والإقليمية والعربية تدفع باتجاه إعادة إنتاج أوسلو بنسخة جديدة، لأن هذا الاتفاق كان له الفضل في تمزيق الوطنية الفلسطينية والعبث بمكونات الشعب الفلسطيني وبعثرة طاقاته وتدمير قواه، فهو الوصفة السحرية لإعادة نشر الأوهام.
إعادة اعمار غزة ما هو الثمن السياسي؟
أي إعادة اعمار تتم قبل اعمار البيت السياسي الفلسطيني، هي رمي الطعم نحو السلطة الفلسطينية لتأجيج المصالح والغايات وللتفريط بالمعطى الأول والذي برهنت غزة حقيقة "هانوي" وأن دورها كرافعة مرهون بتعزيز هذه الميزة، وغير مشروط من الجهات الداعمة لمنع استثمار الدمار في اجهاض الانتصار.
الحوارات الفلسطينية برعاية مصرية: ما هو السقف السياسي للوحدة الوطنية؟
كل وحدة تحت سقف التزامات أوسلو هي تفريط بالمعطى الثاني، المرتبط ببروز الوطنية الفلسطينية الشاملة كهوية؛ ندرك أن ما جرى يأتي في سياق التفاعل والحماس لشرائح شبابية فلسطينية في مختلف أماكن وتجمعات الشعب الفلسطيني، وهي مجرد ارهاصات بحاجة لتعزيز وتركيم حتى يتم خلخلة هذه الوقائع العنيدة التي ترسخت في كل واقع فلسطيني، وأن تجاوز هذه الوقائع لا يتم فقط عبر مواجهة العدو، بل أيضاً عبر تجاوز التشكيلات التقليدية التي تكيفت مع الواقع القائم، وبالتالي من واجب القوى صاحبة المصلحة في تجاوز قواعد إدارة الصراع السابقة الدفع لانضاج هذه المقدمات حتى تصلح للبناء عليها إعادة صياغة المشروع الوطني، بما يلحظ عدم إدارة الظهر للملايين التي تفاعلت وعبرت عن فلسطينيتها في المناطق المحتلة عام ٤٨ والشتات، وعدم الرضوخ لقواعد إدارة الصراع السابقة المحكومة ببيئة الإقليمية والدولية.
إن البداية الصحيحة لأي حوار جدي ويراعي ما تحقق في هذا المعطى هو الانطلاق من إعادة بناء وتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، على أساس برنامج وطني فلسطيني شامل، أما موضوع السلطة فيأتي موضوعها تالياً كانعكاس لنضوج وضع المنظمة وبرنامجها السياسي الوطني الشامل.
تغيير قواعد وإدارة وأدوات الصراع
ثمة قول أن مرحلة كاملة قد سقطت، غير أنه ما زال هناك رفض ومعاندة للإقرار بذلك خوفاً من أن تطوي المرحلة الجديدة بالسقوف الهابطة والسياسات الرخوة والاتفاقات المذلة والمصالح الشخصية والفئوية والسلطوية من وراء ما جنته؛ جراء دورها التابع والمقيد بشروط أوسلو، ورفضها المطلق للقبول بالمعطيات التي استجدت، بل وهنا من يعتبر أن ما جرى قد أعطى رسالة قوية للقاصي والداني أن البديل عنه فلسطينياً؛ يشكل خطراً جدياً ليس على الكيان الصهيوني وحده، بل على منظومة كاملة عربية وإقليمية ودولية؛ فالخوف جدي من السعي إلى تأبيد وقوننة الانقسام وفصل المقاومة عن محورها، حيث عناصر قوتها وحدتها الشعبية الوطنية والعربية والأممية، وسنرى محاولات لاستخدام العصا والجزرة، وخصوصاً في الحاجة للإعمار وتخفيف الأعباء المعيشية والاغاثية في غزة.
النصر المؤجل، حتى لا نستعجل القطاف، فالرحلة شاقة وطويلة ومن ينتظر تحقيق المصالحة والوحدة سوف ينتظر طويلاً، فما زال السؤال مطروحاً عن وطنية الوحدة، وكيف نستثمر الوطنية الفلسطينية الناهضة، داخل المشروع الوطني الفلسطيني وليس خارجه أو على حسابه.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1