المقاومة تعيد فلسطين إلى جغرافيتها وتاريخها

د. وسام الفقعاوي
23-06-2021
يرجع العمق الزمني لما حدث سنة 1948، في حده الأدنى لسنتي 1916-1917، أي لاتفاقية سايكس – بيكو وتصريح بلفور، حيث هدفت اتفاقية سايكس بيكو إلى إخراج فلسطين (سوريا الجنوبية)؛ من حيزها الجغرافي الطبيعي من خلال عملية تفكيك وتقسيم الجغرافيا العربية، على طريق تفكيك وتقسيم الجغرافيا الفلسطينية، والذي كان حيزه الأكبر ما جرى من تطهير عرقي ومجازر وجرائم وتدمير للبنية المادية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية عام 1948، حيث جرى تدمير 530 قرية فلسطينية واقتلاع ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من ثلاثة أرباع وطنهم الأصلي وطردهم إلى مواقع اللجوء والشتات في مختلف أصقاع العالم. أما تصريح بلفور، ومن خلال الوعد الذي حمله؛ بإقامة "وطن قومي لليهود"، فقد أراد إخراج فلسطين من التاريخ إلى غير رجعة، وتجسد ذلك بإقامة "إسرائيل" والاعتراف الدولي الذي حصلت عليه، بما يعني نفي وإلغاء، ليس فقط لاسم المكان، بل ولشعبه الذي اُقتلع من جذوره التاريخية الممتدة في حيزه الجغرافي الطبيعي.

مع هزيمة 1948 وما ترتب عليها من نتائج؛ أصبحت إسرائيل وانتصارها حقيقة مادية، حيث حاول رعاة المشروع الصهيوني؛ من الدول الغربية الاستعمارية والتابعين من الرجعية العربية؛ تعميم وكأن ما حصل هو الحقيقة الكاملة أو نهاية التاريخ؛ فمن جهة كان هذا نصف الحقيقة ونصفها الآخر هو عدم تسليم الشعب الفلسطيني بهذه الحقيقة/الهزيمة، كما لم يكن ما حصل نهاية التاريخ، حيث فتحت صفحة جديدة عنوانها المقاومة والمجابهة والممانعة التي أبداها الشعب الفلسطيني وعمقه الشعبي العربي، قبل وبعد قيام "إسرائيل". لقد راهن كثيرون على حصول "ثنائية" هوية وتعايش بين المُستجَد/المُستعمِر والأصيل/المُستعمَر، بما يعني الاندماج والمزاوجة، والذي كان يعني في الحقيقة؛ الاحتواء أو الابتلاع على طريق الإلغاء، لكن ما جرى تاريخيًا وبحسب الوقائع المحققة، عكس ذلك تمامًا، حيث بقي الأصيل/المُستعمَر؛ متحفزًا لحفظ وجوده، بخزين هائل من القدرة على الانبعاث والتجدد؛ يشكل قوة دفع أساسية للمقاومة والمجابهة والممانعة الطبيعية التي تغذيها باستمرار العناصر المادية والمعنوية المسببة للصراع التاريخي والشامل مع العدو الصهيوني، ولم يكن مشروع التسوية أو الاستسلام بكلمة أدق – مهما تم تمويهه بمسميات تجميلية - الذي شقت مساره بكل مقدماته ونتائجه الكارثية؛ النظم الرسمية العربية وشقت له مسارًا فلسطينيًا خاصًا، سوى محاولة لقطع السياق الطبيعي لمقاومة وممانعة الشعب الفلسطيني والأمة العربية التي جسدتها قوى وأحزاب التحرر العربي والثورة الفلسطينية بانطلاقتها المعاصرة والانتفاضات والهبات الشعبية التي خاضها، ومنها معركة "سيف القدس " التي خيضت؛ دفاعًا عن القدس وحي الشيخ جراح، في وجه اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه المستمرة في خلق وقائع وتقسيمات زمانية ومكانية؛ وتطهيرية تهويدية في القدس وأقصاها وأحيائها، إلا أن هذه المعركة فرضت وقائع جديدة؛ تجسدت في حالة المقاومة والاشتباك على كامل الجغرافيا/الأرض الفلسطينية؛ بتناغم قل نظيره مع التجمعات الفلسطينية في مواقع اللجوء، وتعميق حضور فلسطين وسط شعوبها العربية التي أكد جزءًا منها ذلك عبر الاحتشاد في الميادين من جهة، وعلى حدود فلسطين مع دولها من جهة أخرى، وكأني بها تقول أن كل مسار الاستسلام الرسمي العربي وما جسده من مخاطر، لم يكن أكثر من مرحلة عابرة مؤقتة - دون أي تقليل أو استخفاف من حجم العبء الكبير والمصاعب الذي كرسها - لكن الثابت فيها أن المقاومة كانت في اللحظات الحاسمة هي المعادل الموضوعي لوجود الاحتلال وإفرازاته وأهدافه التصفوية، وهي من يعيد فلسطين إلى جغرافيتها وتاريخها؛ ماديًا ومعنويًا من جهة، ولبعدها وعمقها القومي العربي والأممي والإنساني من جهة أخرى.

إن الجديد الذي يفرض نفسه وبقوة هذه المرة عن ما عداها يمكن أن نوجزه في السؤال التالي: هل يمكن أن نكتفي في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني وأهدافه التصفوية، بالتحليل والتشخيص وإشهار المظلومية والاستجداء والركون لما يسمى بالمجتمع الدولي وقراراته أو الاستسلام له وصولًا إلى القبول باستمرار وجود إسرائيل فوق جغرافيتنا وعلى حساب تاريخنا؟

يمكن القول ومن واقع مسيرتنا وسيرتنا المحققة أن الفشل السياسي كان شبه دائم الحضور في الحالة الفلسطينية، مقابل النجاح في مجال المقاومة والفعل الكفاحي إجمالًا، وهذا في أحد مضامينه يعبر عن تناقض تأسيسي بين قدرة الشعب الفلسطيني العالية على المقاومة والمجابهة والممانعة، ودفع تضحيات وأثمان باهظة لقاء ذلك، وبين انقسام وتشرذم وفقدان الرؤية الواضحة والشاملة الموحدة لدى حركته الوطنية، وبالتالي قدرتها على إدارة الصراع والاستثمار والإنجاز السياسي وتركيم عناصر التقدم وتقليص الفجوة والمسافة بيننا وبين العدو؛ تمهيدًا لتحقيق انتصارات كبيرة أو فرضها على طريق هزيمة المشروع الصهيوني ودولة احتلاله والقوى الإمبريالية والرجعية العميلة التي تقف خلفه وتراكم قوته وتمده بسبل البقاء والاستمرارية.

إن ما سبق يفرض أن تُقرأ المعطيات الواقعية والظروف المستجدة التي فرضتها معركة سيف القدس، أي مقاومة الشعب الفلسطيني في سياق أنها إحدى الجولات المهمة التي استطاعت فيها المقاومة أن ترسم ملامح مرحلة جديدة، قد تفتح لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على قاعدة ترتكز لمشروع التحرر الوطني والتخلص من الاحتلال وذيوله؛ بما يتجاوز كل الحلول المرحلية والتجزيئية التي يحاول من خلالها العدو إعادة إنتاج نفسه وامتلاك زمام المبادرة في استمرار تقدم مشروعه المعادي، وهذا ما لا يجب أن يُعطى للعدو، بل إبقاء الأبواب مشرعة لمواصلة الصراع، بما يحقق خطوات عملية باتجاه الاقتراب من تحقيق كامل الأهداف والحقوق الوطنية والتاريخية لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.




التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1