قضية فلسطين: قراءة أخرى

بوابة الهدف- محمد صالح التومي - المعروفي
15-05-2020
نكبة أم مَظلمة؟
من عام إلى آخر ومع حلول الخامس عشر من شهر ماي/أيار، بل ومن عقد إلى آخر، تعود الذكرى الأليمة التي تم الاصطلاح على الإشارة إليها بذكرى "النكبة"؛ يؤلمني شخصيًا هذا المصطلح لأنه ولئن كان هدفه التعبير عن المصيبة ذات الهول التي حلت حقًا بكياننا الجمعي كقومية عربية ذات أرض معروفة ولسان موحد وخصائص نفسية وثقافية مميزة، فهو يَشي في بعض جوانبه باستبطاننا مسبقًا لدرجة من الاستسلام ومن الهزيمة، والحال أن الحديث عن نكبة بالمفهوم الدقيق للكلمة غير جائز بالمرة ما دام هناك ومنذ البدايات فعل رافض ومقاوم؛ فنحن هنا وبكل تأكيد أمام حرب مصطلحات، وهي حرب مستعرة على الدوام، وأعداؤنا يتقنونها لأنهم يعتبرونها جزءًا من الحرب النفسية التي يخوضونها ضدنا، وقد يسقطوننا - بوعي منا أو بدون وعي – في أحابيلها ومطباتها، فمن هنا يتوجب الانتباه عند استعمال المصطلحات أو صياغتها أو توليدها حتى لا نتوه في الدروب المركبة والمعقدة لأحداث الحياة.
إن ما وقع حقًا يوم 15 ماي / أيار 1948، هو فقط إعلان عن مَظلمة متمثلة في قيام دولة للصهاينة تجسيدًا بواسطة العنف والإرهاب والتقتيل والتهجير لقرار التقسيم غير المشروع ل فلسطين المتخذ قبل أشهر قليلة من ذلك وتحديدًا يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، ذلك القرار الحامل لعدد 181 والصادر عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة! هو الذي يجب اعتباره مربط الفرس في حقيقة الأمر؛ لأنه هو الذي توج بقوة "القانون الدولي" (ترى ما معنى القانون الدولي هنا !) ... مرحلة كاملة من مراحل مخطط قديم وسري ومتواصل يرمي إلى سرقة فلسطين، نعم ... سرقة فلسطين لا أكثر ولا أقل ... وافتكاكها من أهلها ونهبها.
وقد تجسم هذا المخطط عند النهاية – ويا للعجب العجاب – على مرأى ومسمع من "الجميع"، بل وبتزكية من هؤلاء "الجميع" تقريبا (1)، وذلك إذا ما وقفنا عند أسماء الدول التي شاركت من موقع متقدم في عملية اختلاس الأرض وسرقتها من أهلها، ألا وهي: بريطانيا (حولها ملاحظة خاصة في الهامش عدد 1) وأمريكا وفرنسا، وثلاثتها دول استعمارية معروفة، ولكنها فعلت ذلك بالتوافق التام – ويا للأسف الشديد – مع دولة الاتحاد السوفييتي وهي دولة تعتبر سياساتها من حيث المبدأ مغايرة لسياسات تلك الدول، لأنها كانت تمثل النقيض الداخلي صلب الحضارة الأوروبية القائدة... بل إن وقوع هذا "الأمرالعجاب" لا يقف عند حدود دور الاتحاد السوفييتي وحده فيه، إذ يتعداه إلى دور أغلبية دول العالم المستقلة آنذاك، والتي وافقت هي الأخرى عند التصويت على قرار التقسيم؛ والمهم أن الدول التي في المقدمة، أي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، هي التي انتصرت آنذاك مثلما هو معلوم في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية، لكنها انصاعت (ونحن نستعمل هنا عبارة الانصياع عن قصد) للدخول تحت مظلة "سيناريوهات" محكمة نورامبارغ(2 ) التي رسمت "المحرقة" أو "الشو- وا " أو "الهولوكوست" في المخيال الجماعي العالمي كما أراد أن يرسمها "القائمون على شؤون" فئة فقط من ضحايا هذه الحرب الإجرامية الماحقة، ونعني بهذه الفئة من الضحايا من يسمون بصغار اليهود، في حين نعني بالقائمين على شؤونهم؛ من يسمون أنفسهم بكبار اليهود(3) وهم الصهاينة بمعنى آخر، الذين استغلوا ما وقع لليهود الصغار (وهذا الاسم يطلقه عليهم هؤلاء الكبار وليس غيرهم )... من مآس لا يجب ولا يمكن نكرانها من قبل أي شخص عادل وناشد للإنصاف، فنفخوا في بعض تفاصيلها وأعملوا فيها زيادة ونقصانًا حتى باتت الحرب العالمية الثانية عنوانًا يكاد يكون حصريًا لتلك المآسي وحدها وكيفما حاولوا هم رسمها زيادة على ذلك في محكمة نورامبارغ بغاية إعطائها طابعًا قانونيًا نهائيًا، والحال أن هذه الحرب الظالمة قد خلَّفت في الحقيقة كوارث أخرى، لعل أكثرها فظاعة – نوعيًا- ما وقع في هيروشيما وناقازاكي باليابان، أين جرب بعض المجرمين القنبلة النووية لأول مرة في التاريخ البشري تاركين مئات الآلاف من الضحايا من الأطفال والأمهات والشيوخ والمدنيين الأبرياء يتحللون ويتحولون إلى هباءات محروقة.. ولا من مغيث، أما- كميًا - فلقد كانت كوارث هذه الحرب عديدة، بل إنها لا تحصى ولا تعد، فيكون من الظلم أن يقع حصرها في "ضحايا الهولوكوست" وحدهم.
وما دمنا في هذا النطاق، فإننا حتى إذا سلمنا بصحة رقم الستة ملايين ضحية يهودية الذي أقرته محكمة نورامبارغ، وهو رقم أصبح موضع شك بل موضع مراجعة من قبل جمهور المؤرخين الموضوعيين ومنهم حتى بعض المؤرخين اليهود الخارجين عن الفكر الصهيوني... وذلك لأن هؤلاء المؤرخين كلهم وجدوا في هذا الرقم نزوعًا نحو المبالغة والتضخيم، فأقدموا على هذه المراجعة رغم أنه تم تجريمها من قبل التشريعات الجزائية بألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهو تجريم كثير الغرابة، حيث إنه لا دخل مبدئيًا لقانون العقوبات الجزائية في ميدان حرية البحث التاريخي والأكاديمي، وخاصة في البلدان التي ترفع عاليًا يافطة حقوق الإنسان وتنسب إلى نفسها الريادة والقيادة في هذا المجال!
قلنا، وحتى إذا سلمنا بصحة هذا الرقم فإنه من المعروف أن ضحايا تلك الحرب - التي تبقى أسبابها العميقة والحقيقية غامضة وتستحق إلى البحث عنها بعناية – كانوا ( أي الضحايا ) بعشرات الملايين من كل شعوب الأرض التي دارت فوق أرضها رحى الحرب، ومن ضمنهم أكثر من عشرين مليونًا بالاتحاد السوفييتي وحده (أي بروسيا وملحقاتها القيصرية كما تشكلت بعد الثورة البلشفية).. وهؤلاء العشرون مليونًا وأكثرهم الذين تصدوا ببسالة نادرة كما هو معلوم للدفاع عن روسيا وعن الاتحاد السوفييتي... وهم الذين ستبقى معركة ستالينغراد (4) شاهدة أبدية على بطولاتهم وتضحياتهم؛ فلماذا لم يقع الحديث عن "هولوكوست" في شأن كل هذه العشرات من الملايين من غير اليهود؟ أليسوا آدميين مثل غيرهم؟
إن كل بشر ولو كان فردًا واحدًا سقط في الحرب الكونية الجائرة يعتبر ضحية، ولا فرق بينه وبين غيره أكان يهوديًا أم مسلمًا أم بوذيًا أم مسيحيًا أم ملحدًا أم منتميًا لغير ذلك من المعتقدات، وإن التفريق بين الضحايا على أساس اللون أو المعتقد أو المذهب الفلسفي أو الانتماء القومي أو القبلي أو الأثني لا يمكن التعامل معه؛ إلا كعمل تشوبه لوثة العنصرية والتمييز.
فيبقى السؤال عند النهاية : لماذا ركزت محكمة "نورامبارغ" إذن على الضحايا اليهود بصورة أساسية وتجاهلت غيرهم؟
فلعله يمكن أن يكون واضحًا للجميع هنا وجوابًا على هذا السؤال: أن الأمر تم فقط من أجل خلق أسطورة جديدة تجبر ما يسمى بالضمير الأوروبي على المساهمة في *سرقة فلسطين* وتقديمها نهبًا إلى"الصهاينة" أي إلى كبار اليهود الذين سيحصلون عليها نيابة عن الضحايا الفعليين من صغار اليهود، تكفيرًا عن الذنب الذي "ارتكب" في حق هؤلاء الصغار... من طرف النازيين ما يعني أنه لم يرتكبه طبعًا أهل فلسطين... فكيف تعين على أهل فلسطين إذن بمقتضى ما يسمى بالقانون الدولي أن يكونوا هم من يدفع الثمن؟ هذا هو السؤال.
وبطبيعة الحال فإنه لا يهم البتة في هذا السياق الأسطوري: من هو الذي ارتكب ذلك الذنب تخطيطًا وتنفيذًا، أو بأي هدف خفي أو ظاهر قد يكون ارتكبه؟ فهذا لم يكن من مشمولات محكمة نورامبارغ التي لو كانت هيئة قضائية نزيهة ومستقلة؛ لكان هدفها البحث عن الحقيقة في كامل تجلياتها وعدم الاكتفاء برواية بعض "الغالبين"...ولكنها لم تكن أبدًا كذلك ومنذ إعلان تأسيسها.
وهكذا فإن هذه المحكمة التي كانت مفتقرة إلى عنصري الاستقلالية والنزاهة لم يكن لها هدف غير الوصول إلى الغايات المرسومة لها بصورة مسبقة؛ فمن رسم تلك الأهداف؟ وأين يا ترى وكيف رسمت؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن يفكر فيها وأن يجيب عليها كل عقل نزيه وحر!
وبهذه الصفة، فإنه حال انتهاء هذه المحكمة غير المستقلة من أعمالها في تشرين الأول 1946 تم استصدار القرار "الأممي" القاضي بتقسيم فلسطين في تشرين الثاني 1947... فذلك هو المبتغى، ثم تطبيقه بسرعة فائقة وبدون انتظار على أرض الواقع بواسطة الإرهاب الفظيع يوم 15 ماي 1948، وذلك بإعلان قيام الكيان الصهيوني على حساب شعب آمن ظل يعيش في تلك الأرض زمانه، وعليها شيد في التاريخ عمرانه، وهناك زرع زيتونه وبرتقاله وتفاحه ورمانه، وأبدع في رحابها أدبه وأشعاره و ألحانه، ألا وهو الشعب العربي الكنعاني- الفلسطيني، الذي تم ظلمه بهذه الصفة ظلمًا لن يتأتى لكل الكلمات في كل اللغات حتى مجرد وصفه وبيانه.
2.خطة جديدة أم قديمة؟
إن الإشارة من طرفنا إلى أننا إزاء مخطط قديم وسري ومتواصل كما سبق القول أعلى هذا هي إشارة من شأنها أن تجبرنا على العودة لتفسير مفرداتها إلى عهد ابراهيم بن تارح في المسمى العبراني أو ابراهيم بن آزر في المسمى العربي (5) وهو الذي سنتابعه ... هنا... من خلال القصص التوراتي:
ذلك القصص الذي بما فيه وما عليه، ورغم مؤاخذات كثير من المؤرخين على ما جاء به هو الذي صاغ ولا زال وعي العبرانيين وحدد بعض ملامحهم الثقافية والنفسية؛ أما نحن فإذ نعتمد على تلك القصص هنا... فذلك ليس موافقة منا على ما جاء فيها لأنها تبقى خاضعة لتمحيص علم التاريخ وحده حول صحتها من عدم صحتها، وإنما نفعل ذلك فقط بغاية متابعة رواية التوراة، في محاولة للإجابة من دواخل نصها القديم زمنًا على السؤال المطروح: هل نحن إزاء خطة جديدة أم قديمة؟
وهنا فإننا يكاد يكون متفقًا عليه بين الكثيرين ممن تصدوا لمثل هذه المواضيع:
– أولا- أن التوراة قد كتبت سنوات عديدة وهناك من يقول قرونًا بعد وفاة موسى (تضطرب الروايات حول زمن وجوده بالضبط قبل الميلاد)، ويرجح غالبًا أن تكون هذه الكتابة زمن السبي البابلي (يقال إن هذا السبي وقع في نهاية القرن السادس قبل الميلاد)، وأن من تصدوا لكتابتها هم بعض الكتبة اليهود والحاخامات الذين أدخلوا على الأحداث المروية وعلى التعاليم الموسوية (الوصايا العشرة على الأقل!)، انطباعاتهم وتصوراتهم وحتى أهدافهم الخاصة التي رأوها ضرورية مع تطور الأزمان وتبدل أحداث التاريخ، وهو ما جعل مؤرخين موضوعيين يتزايد عددهم يومًا بعد آخر يُخضعون تلك التعاليم وتلك الأحداث إلى الجدل المبني على ما تنطق به الآثار والوثائق التي يصادف أحيانًا كثيرة أن تكون متناقضة تمام التناقض مع ما هو "مكتوب" من طرف هؤلاء الكتبة... بل إنها في الأغلب لكذلك.
وما دمنا عند هذه النقطة ألا يحق لنا بمناسبتها التساؤل: لماذا يتهافت البعض في أيامنا هذه على تدمير الآثار وعلى سرقتها وعلى بيعها وعلى شرائها مثلما شاهد العالم كله ذلك في العراق وفي سوريا، كما على إتلاف وإخفاء الوثائق المتعلقة بالمنطقة العربية أو تغييرها أوتزييفها أو تأويلها في غير اتجاهها حسب الأحوال؟
نوشك أن نرى الأمور مرتبطة ببعضها، بل يبدو لنا ترجيحًا أنها كذلك، فيصبح الهدف من وراء ما أشرنا إليه والحال ما ذكرهو التعمية على عملية نهب فلسطين وإزالة كل ما يربطها بالكنعانيين وبالعرب ولو اقتضى الأمر خلق تاريخ آخر للمنطقة غير تاريخها الحقيقي.
أما بعد هذا: فإنه يكاد يكون متفقًا عليه هنا أيضًا:
وثانيا هذه المرة- أن التوراة (وهي على الحالة التي ذكرنا) قد انضافت إليها كتب "الأبوكريف"، أي الكتب التي تحتوي على الانتحالات والهرطقات، تلك التي تنضاف بدورها إلى" التلمود"، وهذا الأخير لئن يبقى كتابًا غير معروف المحتوى على نطاق واسع وبالكامل، فإن المقاطع المسربة منه، والتي لم يقع تكذيبها تفوح منها – والحق يقال – مشاعر الاستعلاء على الشعوب وحتى احتقارها وكراهيتها، ونورد هذا المقطع مثلاً مع كامل الاحتراز، والذي جاء به:
"اليهود بشر لهم إنسانيتهم، أما الشعوب الأخرى فهي عبارة عن حيوانات"...
[وستقرأون هنا فيما بعد على لسان موزاس هاس وهو أحد أقطاب الصهاينة ما يشبه هذا الكلام تماما ]؛
ونحن نورد هذا المقطع ونكتفي بذلك للتدليل فقط على فداحة المعاني المسربة من هذا الكتاب... والذي تبقى غير معروفة بدقة كل محتوياته.
إذن لقد انزلق الكتبة في هذه المناحي التي ذكرنا وذلك:
أولاً، تطويرًا من قبلهم لفكرة "الشعب المختار" الخاطئة من أساسها أو المفهومة على الأقل بصورة خاطئة... لأنه يمكن مثلاً أن يكون اليهود الأوائل قد فهموا أن الإله قد اختارهم ليخصهم وحدهم بكتاب معين- حسب اعتقادهم - هو التوراة، وهذا يختلف تمامًا عن الفكرة التي رسخها الكتبة نتيجة "محنة الأسر" التي لحقت بعد ذلك، والقائلة إنه اختارهم ليكونوا "أفضل"... مخلوقاته جميعًا...
وثانيًا، ترسيخًا للإعتقاد غير المعقول وغير المستساغ منطقيًا بوجود عقد خاص قد انبرم بين الخالق الذي برمج كل الأكوان وخلق كل البشر وبين المنتمين إلى ديانة من ديانات الإنسان فوق كوكب الأرض، ألا وهي الديانة اليهودية، وبمقتضى هذا العقد يكون هذا الخالق رب اليهود وحدهم ويكونون هم شعبه وحدهم، فذلك ما ثارت عليه كل من المسيحية والإسلام كديانتين لئن انبثقتا من الجذر اليهودي، فإنهما أعلنتا أن الله يجب أن يكون "رب العالمين" و "إله الناس أجمعين"... أو إنه لا يكون...
علمًا هنا أنه هناك يهودًا بالفطرة يتوجهون مثل هذا التوجه؛ لأن اليهودية تبقى في أصلها جوابًا إيمانيًا حول معضلة الوجود، ولكن أغلب هؤلاء اليهود بالفطرة يطلق عليهم "الكبار" اسم "صغار اليهود"، ويعتبرونهم أكانوا من الفلاشا (يهود أثيوبيا) أوالسيفارديم (اليهود العرب) أومن أشكناز الطبقات السفلى مجرد حطب للفكرة الصهيونية ومجرد وقود لها... والأشكناز هم يهود أوروبا الشرقية تخصيصًا كما هو معلوم.
إن العودة إلى الزمن الإبراهيمي – كما رسمته التوراة طبعًا، تلك التي وُضعت حسب أرجح الروايات زمن السبي البابلي – تبدو ضرورة لا بد منها، لأنه لا يمكن للقارئ أن يمر دون شعور بالاستغراب حول وقائع الرحلة العجيبة التي حملت "أبرام" أو " ابراهيم" (6) هو وزوجته وقريبته "سارة" وقطيع حيواناته من مشارف أرمينيا إلى "أور" البابلية، وصولاً حتى مصر، ومرورًا بفلسطين التي فوجئ هذا العابر بوفرة خيراتها حتى إنه أسماها "أرض العسل واللبن"... ما يعني أنها كانت معمورة ويوجد بها سكانها من الكنعانيين منذ ذلك الزمن ، ولكن" يهوه " إله اليهود وحدهم كما يزعمون، سيظهر لأبرام بن تارح في تلك البقاع بالذات ليقول له:
"لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر (النيل) إلى النهر الكبير(الفرات):أرض القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين..." (7). أو كما جاء في موقع آخر من نفس السفر:
"وأعطي لك ومن بعدك لنسلك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكًا أبديًا وأكون إلهكم" .
(ترى بماذا تشعر أيها القارئ الموضوعي الآن وأنت تقرأ مثل هذا الكلام مهما كان انتماؤك... وحتى لو كنت يهوديًا بالولادة؟؟؟)؛ لأنه واضح بعد هذه القراءة للنص التوراتي كما كتبوه، أن فلسطين كانت مأهولة عند صدور هذا "الوعد" المسمى "إلهيا"، والذي يشبه تمامًا وعد "بلفور" اللاحق بعد قرون طويلة... ما يعني أنه ولئن كان صدر في ظروف زمنية أخرى تمامًا، فإنه صادر عن نفس العقلية الاستحواذية؛ فعند هذا الحد لا يمكن للذين يحملون صورة ناصعة عن العدل الإلهي، إلا أن تصدمهم صورة "هذا الرب" الذي يتجرأ كما جاء بالنص التوراتي على إهداء أرض يسكنها أهلها ويعمرونها لمجرد عابر لها يدرك جيدًا أنها ليست أرضه، بل هي فقط "أرض غربته"... وذلك لأن هذا العابر أعجب بخيراتها وبلبنها وبعسلها... فمهما كانت نوعية العلاقة التي نسجها النص التوراتي بين هذا العابر لأرض الغير وبين "هذا الرب"؛ فإنه من المفترض أن يكون هذا الأخير بصفته كما يفرضه المنطق "رب الناس أجمعين" عادلاً بين كافة مخلوقاته، فلا يتدخل بصورة فيها حيف ضد بعض عباده وهم الفلسطينيون الكنعانيون بمعية غيرهم من الشعوب المجاورة لهم، والمذكورة في نص الوصية من حثيين ويبوسيين وأموريين وغيرهم... مفضلاً عليهم جميعًا شخصًا عابرًا وغريبًا بمعية نسله من بعده، وهو النسل الذي لا يمكن وبالضرورة؛ إلا أن يكون مثله من العابرين...
فذلك الاسم أي اسم "العابرون"، هو ما أسماهم به الشاعر محمود درويش في رائعته الشعرية التي عنوانها: "يا أيها العابرون بين الكلمات العابرة"... فيبقى اسم " العبرانيون" الذي يسمون به أنفسهم على شبهه بمعاني العبور أيضًا، هو نسبة فقط إلى لسانهم الذي أخذوه من لغات منطقة "الغربة " التي مر بها أجدادهم، وهي اللغات السريانية والآرامية والعربية، تلك اللغات التي تفاعلوا معها ثم إنهم طوروها وطبعوها بطابعهم الخاص فقط... وخاصة في لكنة نطقها، ولعل علم الألسنية هنا يبقى له رأيه في حتى في قلب حروف الكلمات في هذا الاسم لأن جذر كل من كلمتي عربي وعبري هو جذر مشترك مع قلب مواقع الحروف فقط... ولكن هذا ليس موضوعنا، لأنه متروك لأهل الاختصاص؛ ولا يقف بنا الأمر عند الزمن الابراهيمي، إذ أن الذاكرة تحملنا حتمًا بعد ذلك إلى واقعة خروج موسى من مصر على خلفية مشاحنات وصدامات وقعت بين المصريين، وبين الأقلية العبرانية الساكنة إلى جوارهم منذ "زمن ابراهيم"، معلوم وبحسب "الرواية" أن ابراهيم بعد مروره بأرض كنعان قد كان استقر بمصر هو وزوجته وقريبته سارة التي لم تكن تلد، فتزوج امرأة ثانية مصرية اسمها هاجر أنجبت له ولدًا أولاً أسماه إسماعيل، ولكن زوجته الأولى سارة أنجبت له بعد ذلك... وبعد أن تقدم به السن... ابنًا ثانيًا أسماه إسحاق... فلما أصبح لسارة ذلك الولد طلبت من زوجها تهجير هاجر وابنها اسماعيل إلى مكة بالحجاز وتركهما هناك، لأنها لم تعد تحتمل ـ حسب الرواية التوراتية دائمًا ـ وجودهما إلى جانبها... فذلك ما فعله ابراهيم نزولا عند رغبتها، وهكذا أصبح نسل إبراهيم وحسب التوراة دائمًا منحصرًا في ذرية اسحاق وحده الذي سينجب يعقوب، وهذا الأخير سينجب أبناء كثيرين منهم يوسف وأشقاءه طبعًا... ويوسف هذا وحسب الرواية التوراتية دائمًا، هو الذي بعد نجاته من واقعة البئر كما هو معروف، أصبح من فرط ذكائه وزيرًا للمال لدى أحد فراعنة مصر فمن ثم استقدم أهله، وهم رعاة، فأسكنهم إلى جواره أين استقروا وتكاثروا... وهكذا ومع هذا التكاثر تصل بنا التوراة إلى "زمن موسى" مقصد حديثنا، وإلى الصدامات التي وقعت أثناء زمنه هذا بين نسل إبراهيم من إسحاق وبين المصريين... وهي صدامات طبيعية من وجهة نظر علم التاريخ الاجتماعي وتقع دائمًا بين المستقرين بأرض ما، وبين الوافدين عليهم، إذا تكاثر الأخيرون وأصبحوا يهددون الموازنة القائمة بين الأغلبية والأقلية الساكنة في ذلك المكان... وخاصة إذا أحرزت الأقلية الوافدة على شيء من النفوذ المالي والسياسي وأصبحت قريبة من أصحاب القرار مثلما هو الحال في رواية هذه الأحداث...
فتلك الصدامات التي وقعت زمن موسى جعلت هذا الأخير (أي موسى) يقتل أحد المصريين، ثم يهرب إلى "مدين" خوفًا من العقاب فهناك تزوج، ثم عاد بعد مضي ردح من الزمن لينظم نزوح العبرانيين نحو فلسطين... أرض العسل واللبن دائمًا... ولكنه بقي أربعين عامًا متريثًا على مشارفها دون أن يدخلها (باتفاق تام هنا بين النص القرآني والنص التوراتي حول المدة)... لأن بها "قومًا جبارين" كما جاء بالنص القرآني ... ما يعني دائما أنها مأهولة... أفكان موسى بعدم الصدام مع هؤلاء القوم الجبارين يهدف إلى عرض التعايش السلمي معهم أم إنه كان يقدر فقط فداحة نتائج الصدام إن وقع...؟
سوف يحدثنا القرآن لماما فقط عن هذا الأمر وذلك عند إشارته إلى إحجام قوم موسى عن القتال إذ كانوا يقولون له: "اذهب أنت وربك فقاتلا(...)"، وقد اكتفى النص القرآني بالتركيز على سرد واقعة الخروج من مصر مستخلصًا كما هي عادته العبرة من الوقائع... لأن النص القرآني يهتم بالعبرة من كل الأحداث على الدوام، والعبرة التي أبرزها هنا هي غضب الله على قوم موسى لأنهم اتخذوا عجلاً جسداً له خوار يعبدونه (عجل ذهبي حسب التوراة) ... ولم يستجيبوا لأوامر موسى... فكان حسب النص القرآني هذه المرة أن ... قال الله: "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض"... فماذا وقع بعد تلك السنوات الأربعين من الانتظار أو من التيه؟
لا شيء في النص القرآني يفيدنا بذلك... فيبقى أن النص التوراتي هو الذي سيحكي لنا بالتفصيل عن شخص اسمه يشوع بن نون (أشار إليه القرآن فقط إشارة تكاد لا تذكر واصفًا إياه بأنه خادم موسى، ولم يعط له اسما معينًا، ولم ينبئ بأية تفاصيل أخرى عن وقائع وجوده)، وهذا اليشوع بن نون هو الذي قالت عنه التوراة إنه تلميذ موسى، بل وأسندت له صفة النبوة، ثم روت بالتفاصيل المريعة كيف دخل بعد موت موسى إلى فلسطين، وكيف أعمل قتلاً فظيعًا وتنكيلاً في رجالها، وسبيًا في نسائها، ونهبًا في خيراتها... ما كان منطلقًا لتأسيس دويلة لم تدم طويلاً واختلف الرواة حول مدة دوامها؛ فمن قائل إنها دامت عقودًا، ومن قائل إنها دامت قرونا... ولكنها سرعان ما عرفت الانقسام بين دويلتين هما دويلتي يهودا والسامرة وإلى الآن لا تزال هناك نسختان مختلفتان من التوراة تُنسبان إلى كل واحدة من هاتين الدويلتين؛ ويُروى على كل حال أنه حصل من قيادات العبرانيين في تلك الأثناء إزعاج كبير للأجوار ما دفع بالحاكم العراقي آنذاك المسمى نبوخذ نصر أو بختنصر إلى التدخل مرتين (597 ق م و586 ق م) معرضًا قوم تلك الدويلة المنقسمة إلى ما أسمته كتب التاريخ ب" محنة الأسر البابلي"... وهي المحنة التي استغلها "الكتبة"، فيما يبدو لمحاولة إعادة صياغة الوعي اليهودي الجماعي في اتجاه نحت صورة "الضحية" وتأبيدها، كما إنها – وعلى ما يُروى أيضا - هي التي جعلت هؤلاء "الكتبة" وهم ما زالوا يغادرون الدويلتين كأسرى... يلتفت بعضهم إلى جبل "صهيون"(8 ) ويقسمون:
"إن أنساك ياجبل صهيون ، فلتنساني يميني"، فمعنى ذلك أن هذا القسم كان سابقًا لمجهود إعادة صياغة الوعي الجماعي، الذي سيقوم به الكتبة أثناء السبي ... بل يبدو أنه كان باعثًا عليه. وبالتثبت في هذا القسم نجده يشبه تمامًا ما ورد بالمزمور 137 من سفر المزامير المنسوبة إلى داوود والذي جاء به:
"على أنهار بابل هناك جلسنا وبكينا عندما تذكرنا صهيون"... فيصبح واضحًا من خلال هذا المزمور وضوحًا تامًا وبما لا يدع أي مجال للشك أنه كتب أثناء السبي البابلي، ولا يمكن أن يكون كتب قبل ذلك... في حين أنه جزء من كتاب التوراة.
إن القَسَم الذي ذكرنا... قد يكون في بعض جوانبه خرافيًا، ولكنه يمكن اعتباره قسمًا متوارثًا ومؤسسًا للفكر الصهيوني بأشكاله القديمة والحديثة، وذلك لأننا أصبحنا منذ أدائه أمام مجموعة متشكلة من كبار الكتبة والحاخامات الذين قد لا يمثلون كل اليهود، ولكنهم سيحتكمون فيما بينهم إلى قسم سري لا شك أنه ستتفرع عنه "جمعيات سرية"، فتلك المجموعة من "الكبار" ستحاول من خلال تلك الجمعيات التدخل في تفاصيل حياة من ينتمون إلى تلك الديانة في كافة معازل وغيتوات وجودهم، وأن تفرض عليهم قراءتها للنصوص، كما ستعمل على توجيههم بواسطة الفتاوي التلمودية، إلى كيفية أداء الطقوس، وإلى طرق التصرف في الحياة، أكان ذلك في يوم السبت أو في غيره من الأيام... فكأنها ستكون بمثابة نواة مركزية لأهل تلك الديانة، وستتصل هذه النواة بفضل مزايا التجارة التي سيتقنونها شيئًا فشيئًا تأثرًا بأهل الشام بكل الغيتوات أو الحارات أو المعازل التي اختار أهل تلك الديانة أن يعيشوا ضمنها في كل مكان حفاظًا على مميزاتهم.
ولعلنا رأينا في التاريخ صورة من تلك النواة، فيما يسمى بالسنهدرين الذي كان موجودًا حين ظهر النبي عيسى بن مريم، فهذا السنهدرين هو الذي ينسب إليه بعد التوافق مع "الحاكم الروماني العام"؛ اقتراح الحكم بصلب عيسى على ما يبدو، وتضطرب الروايات حول كيفية تنفيذ الحكم وحول من نفذه، فالنص القرآني يقول: خُيل لهم أنهم صلبوه، وأهل الديانة اليهودية يتبرأون من عملية الصلب التي يتهمهم بها كثير من المسيحيين، والمجمع الكنسي الكاثوليكي برَأ اليهود نهائيًا في القرن العشرين من دم المسيح؛ وما يهمنا نحن قوله هو إن هذه النواة هي التي سنرى صورة منها أيضًا في تجمع اليهود بيثرب- المدينة (لما هاجر الرسول عند أخواله)... وذلك حين التقى "كبار اليهود" الموجودون هناك مع النبي محمدًا وكتبوا معه "الصحيفة" في مرحلة أولى قبل أن يتصادم الطرفان في مرحلة لاحقة، ولقد كان الصدام بينهما صدامًا مريرًا في خيبر؛ لأن النبي محمدًا خشي من تأثيرهم سلبًا على الدولة الذي كان بصدد إقامة ركائزها في نطاق دعوته الجديدة تمكينًا للقبائل العربية من الخروج من حالة الشتات والضعف التي ظلوا يعيشون عليها منذ أفول حضاراتهم السابقة، والتي جعلت أبرهة الحبشي يحاول الاعتداء عليهم، والفرس والروم يحاولون إخضاعهم نتيجة انفلاتهم وعدم وجود ناظم لحياتهم.
أما بعد هذا فإنه لا مناص لنا من أن نمر على واقعة انبثاق المسيحية كديانة رأت النور هي الأخرى في فلسطين، وهي عقيدة لئن ولدت في تناقض مع التعاليم اليهودية التي وجدتها أمامها واعتبرتها محرفة، فإن الجذر المشترك أي "الناموس" (9) بقي موجودًا صلبها؛ ويجدر بنا الوقوف بالخصوص عند الدور الذي لعبه "بولس الرسول" في تطوير هذه الديانة، فقد كان بولس حاخامًا يهوديًا وشارك بصفة نشيطة في قمع المسيحيين الأوائل قمعًا شديدًا، ولكنه بعد ذلك "رجع إلى الرب" كما قال (والرب هنا كما جاء على لسانه هو المسيح) ، وأصبح الشخصية الأكثر تأثيرًا في توجهات هذه الديانة الجديدة، ولعله إليه يعود تخمينًا ذلك الدمج في "الكتاب المقدس" المسيحي بين العهد القديم وهو التوراة، وبين العهد الجديد وهو الإنجيل، علمًا هنا بأن الإنجيل يتكون في الحقيقة من أربعة أناجيل تعود إلى أهم رواة الواقعة المسيحية، وهم أربعة حواريين اسمهم: مرقس ومتَى ولوقا ويوحنا، كل حواري منهم يروي تلك الواقعة بأسلوبه، ويحاول استعادة ما كرز (10) وبشر به عيسى، ولكن المؤمن المسيحي يجد بعد هذه الروايات الأربعة المكونة للإنجيل رسائل تتمم متنه، وتعتبر جزءًا لا ينفصل عنه، وأهمها 14 رسالة كتبها بولس الرسول هذا، واسمه الحقيقي شاول الطرسوسي، ويرجح أن يكون بدأ كتابتها سنة 52 أو 53 بعد ميلاد المسيح... أي ثمانية أو تسعة سنوات بعد انبعاث المحفل الماسوني، الذي يقال في بعض الروايات إنه تأسس سنة 44 ميلادية.
إن الجمع بين التوراة والإنجيل صلب متن واحد قد جعل المسيحية قابلة للتفاعل المستمر مع النص التوراتي، وهي التي بدأت رحلتها راغبة في إحداث درجة من القطيعة مع ما اعتبرته انحرافات بصلبه وذلك ما تجسم في: رفضها مقولة الشعب المختار التي وصلت لدى طائفة الأورثودوكس فيما بعد، إلى حد إلغاء الوعد التوراتي الذي قطعه يهوه بأن تكون أرض فلسطين لأبرام ولنسله، كما تجسمت في إلغاء أكل "كل ذي ظفر" و أكل لحم الخنزير، ثم برزت في إلغاء الركون إلى الراحة يوم السبت فأصبح العمل يوم السبت متاحًا، وفي عدم التقيد بالختان الذي تعتبره اليهودية داخلاً في الميثاق الذي يجمع بين "يهوه" وشعبه العبري.
كما برزت بوضوح تام في رفض الجمع بين عبادة المال وعبادة الله، فأصبح من يفضل جمع المال يعتبر بعيدًا عن موجبات التقوى... فالمسيح يقول: من يعبد الله لا يعبد المال، ومن يعبد المال لا يعبد الله، محتجًا بذلك على تصرفات التجار والمرابين اليهود أمام المعبد، وقد رآهم لا يقسطون، فقلب هو وأنصاره في مظاهرة غاضبة طاولات تجارتهم... ما أثار غضبهم ضده.
وإذا استثنينا الأورثودوكس الذين نشأ مذهبهم بالشام التي منها وفيها فلسطين إلى جانب الأردن وسوريا ولبنان طبعًا... قبل انتشار هذا المذهب في روسيا واليونان، والذين رفض بعضهم مقولة "أرض الميعاد"؛ لأن قبولهم بذلك يعني تنازلهم عن أرض فلسطين لغيرهم... فإن أهل الديانتين المسيحية واليهودية أصبحوا رغم الفروق بينهما مجتمعين على تقديس فلسطين كأرض للميعاد، لأنه زيادة على أن المسيح ولد ببيت لحم ومرَ بالناصرة (وهما مكانان مقدسان لدى النصارى)، فكونه كرز وبشَر بدعوته بأورشليم (أي القدس في المسمى العربي- الإسلامي)، فإن محبة هذا المكان قد أصبحت فريضة واجبة على أهل الديانتين، بل إن المسيحيين من غير الأورثودوكس قد تبنوا هنا كما أشرنا مقولة "أرض الميعاد"، وعاضدوا "اليهود" حتى في ضرورة إعادة بناء "هيكل سليمان"!، فذلك ما سهل انبعاث طائفة بأكملها تسمى طائفة المسيحيين الصهاينة، والتي منها على سبيل المثال جورج بوش الابن في ما يسمى بأمريكا، والتي هي القارة الآريماندية لسكانها الأصليين من إينكا ومايا وآزتاك؛ فهذا المسيحي الصهيوني هو الذي جهز الجيوش مثلاً سنة 2003 لاحتلال العراق، ولاغتيال حاكمه صدام حسين... تحقيقًا لأغراض لوبيات النفط والسلاح... كما انتقامًا توراتيًا خفيًا من "بابل المجرمة"؛ لأن أحد حكامها سابقًا عرض اليهود إلى محنة السبي ... مثلما أتينا على هذا.
فدعنا بعد هذا إذن وما دمنا نتكلم عن المسيحية، نقفز مباشرة إلى واقعة " الحروب الصليبية "، ولنا أن نتساءل: هل كان المؤمنون المسيحيون – مهما كان ذلك لأسباب اقتصادية واضحة لا تخفى لدى ملوكهم – مدفوعين بتعاليم "العهد القديم"، أم بتعاليم " العهد الجديد" لما هاجموا أرض العرب بحماسة "إيمان الفحامين" (وهذه العبارة هي المرادف لإيمان العجائز لدى المسلمين)، ودنسوا المسجد الأقصى تحديدًا، وحولوه إلى اسطبلات وخمارات وبيوت دعارة لمدة فاقت القرنين (نعم! لمدة فاقت القرنين)، وذلك قبل أن تتحرر القدس من هذا الرجس من طرف القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي بمعية الأبطال الذين شاركوه في الدفاع عن الأرض والعرض في نطاق "الحلف القديم"، الذي نجح الإسلام في إقامته بين العرب وأجوارهم من كرد وفرس وأتراك على وجه الخصوص، رغم ما شاب هذا الحلف من تناقضات داخلية... وهو الحلف الذي سارع الغرب بعد نهضته وانتصاره إلى تحطيمه بدون هوادة في القرون الأخيرة التي ما زلنا نعيش على وقعها؛ علمًا هنا بأن بعض النصرانيين العرب في زمن الحروب الصليبية قد انحازوا جهارًا إلى الأرض ودافعوا عنها وفسروا تعاليم المسيح بما يتناسب مع ذلك، مثلما أتينا على هذا أعلاه عندما ذكرنا ما فعله بعض الأورثودوكس في هذا النطاق. ومع الوصول إلى هذا الحد نجد أن الضرورة تدعونا أيضًا إلى المرور على لحظة ظهور الإسلام، وقد جاء بسورة البقرة وبالآية 62: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون"... ما يبرز منه أن هذه الديانة الإسلامية الجديدة تفاعلت مع الديانات السابقة لها من صابئة ومن حنفية (ولقد كان عبد المطلب جد النبي حنفيًا وموحدًا ومؤمنًا بالله )، ومن نصرانية، (والنصرانية تفهم هنا كاجتهاد خاص داخل المسيحية، يرفض التثليث ولا يقول بربوبية السيد المسيح، وقد كانت خديجة نصرانية قبل دخولها في الإسلام)، وكذلك من يهودية إلى حد أن القبلة الأولى للإسلام كانت القدس ولم تكن مكة هذه التي لم تصبح قبلة؛ إلا في مرحلة ثانية من مراحل الدعوة المحمدية، فكان في الرجوع إليها كقبلة ما طمأن بعض عرب الجزيرة وجعلهم يقبلون على الدين الجديد، ويدخلون فيه أفواجًا دون خشية على مركز مكة في حياتهم الجمعية اقتصاديًا وروحيًا وثقافيًا؛ لأنها كانت منطلق قوافلهم التجارية ومركز حجهم وعباداتهم القديمة وملتقى خطبائهم وشعرائهم.
قلنا- إن الضرورة تدعونا أيضًا إلى المرور على واقعة ظهور الديانة الإسلامية، فهذا ما يقتضي منا في علاقة بموضوعنا التوقف لزومًا عند سورة المائدة التي جاء فيها عند الحديث حول اللحظة الموسوية ما يلي بالضبط: "وإذ قال موسى لقومه (...) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا عن أدباركم فتنقلبوا خاسرين [الآية 21] قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون [الآية 22]..."، كما يقتضي منا في نفس الوقت الوقوف عند كون الإسلام قد بارك القدس وخلدها كأولى القبلتين، وقد جاء بسورة الإسراء في هذا الخصوص بالضبط ما يلي: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"، وقد اضطرب المفسرون هنا حول "الأرض المقدسة التي كتب الله" لقوم موسى... وبمراجعة الطبري وفخر الرازي وابن كثير قالوا إنها قد تكون أرض طور بمصر أو قد تكون الشام، كما قال بعضهم إنها قد تكون فلسطين...
ومن المعلوم أنه تم فتح بلاد الشام بما فيها القدس وفلسطين في ولاية عمر بن الخطاب فأصبحت تحت سيطرة الدولة العربية الوليدة، ولكن ذلك كان على أساس العهدة العمرية - وهي العهدة التي عقدها هذا الخليفة مع اليهود والنصارى... وهذه العهدة تبقى نصًا تاريخيًا فيه حديث طويل بسبب ما تزخر به الروايات حولها من تضارب كبير، فلا يسعنا مجال الحديث هنا كي نفرز صحيحها من باطلها، ثم إن هذه العهدة وفي كل الأحوال ليست ذات تأثير كبير على مجريات الحديث في موضوعنا بعد إتياننا على أهم ما يمكن ذكره في علاقة الديانة الإسلامية بموضوع حديثنا؛ لأنه إذ يتجلى من كل المعطيات ارتباط الديانة الإسلامية بالتقليد التوحيدي كما برز وتجسم بمنطقة انبعاثه، أي بالخليج وبالشرق الأوسط، وهو التقليد الذي نرى أمثلة له في الصابئة التي يذكرها القرآن (ولا يعرف لها تاريخ مضبوط بدقة ولكنها من ضمن أول المعتقدات التوحيدية)، والزرادشتية (القرن السادس أو السابع قبل الميلاد على مايقال؟)، فإن ارتباط هذه الديانة الإسلامية الجديدة بالديانتين اليهودية والنصرانية على وجه التخصيص هو الأكثر بروزًا ووضوحًا، وذلك رغم احتجاجها طبعًا بصورة صريحة على ما رأته في هاتين الديانتين من انحرافات في الشأن العقائدي فتعلقت همتها بإصلاح ذلك.
وهكذا فبعد مرورنا على لحظة انبثاق الإسلام وبعد إتياننا قبل ذلك على فترة الحروب الصليبية بدون مراعاة للترتيب الزمني بينهما... فإنه يجدر بنا الآن أن نمر ومباشرة إلى فترة الثورة البورجوازية الفرنسية التي اندلعت سنة 1789 متوجة لإرهاصات وقعت قبلها ببريطانيا و"أمريكا"، وانتهت إلى القضاء بعنف على النظام الإقطاعي لتحل محله النظام الرأسمالي نظام التجارة والصناعة والصيرفة الذي فرضه سكان الحواضر، ولكن مسارها لم يخلُ من الاضطرابات والارتدادات ولعل من أهمها الملابسات التي أفضت إلى بروز نابليون بونابرت، ذلك العسكري الذي ألغى الجمهورية الوليدة ونصَب نفسه امبراطورًا سنة 1804 وحمله طموحه (كأنه يحاكي الأسكندر المقدوني)، إلى إرادة التوسع على الأراضي العربية والروسية، قبل أن تتحطم أحلامه في البداية على أسوار عكا بفلسطين التي استبسل أهلها في الدفاع عنها، وقبل أن يهزمه الثلج الروسي في نهاية ذلك المطاف... (ولقد كان الثلج مدافعًا شرسًا إلى جانب الشعب الروسي على الدوام على أراضي الأمة الروسية منذ الأسكندر المقدوني إلى أدولف هتلر مرورًا بنابليون بونابرت)؛ وإذ انتهى هذا العسكري الطموح والمغامر مهزومًا وذليلاً ومنفيًا في جزيرة سانت هيلانة، فإنه أثناء مغامرته المشار إليها – وبتنسيق مع آل روتشيلد الذين مولوا حملته على مصر- وجد نفسه يغازل الأقلية اليهودية بفرنسا، ويكتب رسالته الشهيرة التي يقول فيها وهو يخاطبهم ما يلي:
"يا ورثة فلسطين الشرعيين إن الأمة الفرنسية تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء"؛ وبالنظر إلى أن كلمة إسرائيل تتكون من كلمتين هما "إسرا" و"إيل " ، ومعنى " إسرا " هو العبد وهي تشبه كلمة الأسير باللغة العربية،،، أما معنى "إيل" فهو الله... وقد سمي باللغات الشرقية القديمة "بعل" ومنها حنبعل وصدربعل مثلاً، كما سمي" إيل" ومنها عزرائيل وجبرائيل فإن هذا الإمبراطور سنجده يضيف في رسالته مايلي:
"إن الإسرائيليين (ويعني بهم عبيد الله) سيعودون إلى صهيون، وسوف تغمرهم السعادة حين يستعيدون دون خوف مملكتهم" (11)...
ولاشك أنكم لاحظتم وجود كلمة "صهيون" بالرسالة، كما لاحظتم "كلمة " الدخلاء" وهذه الكلمة الأخيرة يشير بها في تدليس صارخ للتاريخ... إلى السكان الأصليين لفلسطين، أي العرب الكنعانيين... فأموال روتشيلد الذي مول حملته، قد تمكنت من قلب الحقائق لديه بصورة مجافية للحقيقة تمامًا.
ومع وصولنا إلى هذا الحد فإنه أصبح من واجبنا أن نتساءل وبوضوح تام: هل ظهرت الصهيونية إذن كحلم مع تيودور هرتزل أثناء مؤتمر بازل بسويسرا سنة 1897 كما هو شائع؟ أم إنها حلم سابق معشش في أذهان كبار اليهود منذ القديم، وقد عملوا في كل مرة على تجسيمه ظلمًا بكل الطرق الممكنة.. فلم يتمكنوا من ذلك... ولكنهم لم يتخلوا عنه رغم ذلك أبدًا؟
علمًا هنا بأن تيودور هرتزل مثلاً، والذي ينسب له تأسيس الصهيونية كان مجرد صحفي نمساوي من صغار اليهود ينادي في مقالاته باندماج اليهود بالبلدان التي يعيشون فيها باعتبار أن الثورات البورجوازية وتشريعاتها قد مكنتهم من كافة حقوقهم الاقتصادية والسياسية، والتي منها الحقوق الانتخابية تصويتًا وترشحًا، فهي تتيح لهم هذا الاندماج بسهولة، ولكنه حال دعوته من قبل "روتشيلد" للقائه على مائدة عشاء انقلب تمامًا بين عشية وضحاها، وأصبح مدافعًا شرسًا عن قيام الدولة اليهودية، بل وأصبح من كبار القوم جاهًا ومالاً، إلى حد أن جماعة ما يمكن تسميته ب "نادي الكبار" بعثوا به رسولاً من طرفهم إلى عبد الحميد آخر خلفاء امبراطورية بني عثمان (الرجل المريض)، وذلك لمطالبته بتسليمهم سلميًا وبدون حرب... "سنجق عكا"، والمقصود به أرض فلسطين، مقابل امتيازات مالية مغرية وجزيلة ل تركيا دون غيرها من ملحقاتها، ولكن تلك المحاولة لم تثمر ما هو مرجو منها في تلك المناسبة، فتم الانتقال إلى تنفيذها بالخطط الأخرى مثلما لا يخفى على كل متابع دقيق لوقائع التاريخ.
فماذا بقي لنا بعد هذا أن نقول؟
بقي لنا أن نقول إن فكرة الصهيونية فكرة قديمة، ولكنها أخذت فقط شكلها الحديث والفعال مع ميلاد النظام الرأسمالي وتطوره.
ولعله من واجبنا هنا أن نتوقف لحظة وجيزة ودعمًا لقولنا أمام الفيلسوف اليهودي الفرنسي موزاس هاس، الذي ولد سنة 1812 وتوفي سنة 1875، وقد كان هذا الفيلسوف صديقًا مقربًا من كل من كارل ماركس وفريدريك أنقلز، إلى حد أنه فكر معهما، بل وعمل معهما بصورة حثيثة على تأسيس الأممية الأولى التي انبعثت سنة 1864، ولكن الرجلان فارقاه عندما أوغل في اتجاهه الصهيوني المفضوح مثلما ضمن ذلك بكتابه الذي أسماه "روما والقدس"؛ صدر كتابه هذا بباريس سنة 1862 (قبل 35 عامًا من انعقاد أول مؤتمر صهيوني)، وقد دافع فيه عن صهيونية ذات منحى اشتراكي، وله تعود مثلاً فكرة "الكيبوتزيم" (12) ( شكل من أشكال التعاضديات) التي أسسها الصهاينة الأوائل عند اقتحامهم لفلسطين بمباركة "الكتب البيضاء" للانتداب البريطاني، وهي الكتب التي كانت تصدر لفائدتهم وتسمح بدخولهم إلى الأراضي الفلسطينية، ولكنهم تخلوا عن هذه الكيبوتزات بعد ذلك لفائدة الاقتصاد الليبرالي الذي وجدوه أكثر تناسبًا مع أهدافهم الأصلية؛ فهم بالأساس تجار وصيارفة وحرفيون، فلا يمكن أن ينتعشوا إلا داخل البنيان الليبرالي.
ويقال عن موزاس هاس: إنه كان شيوعيًا قبل ماركس (لأنه هو من أوحى لماركس مثلاً بكلمة الشيوعية، لما وجده ينادي بإنصاف الكادحين والمحرومين )، بمثل ما يقال عنه إنه كان صهيونيًا قبل هرتزل، وله نتيجة لهذا قبر بالأرض المحتلة يزوره المنخرطون في المنظومة الصهيونية.
وما دام هذا الرجل صهيونيًا قبل هرتزل، وهذا ما يهمنا في سياق حديثنا، فدعنا إذن نعيد بدرجة عالية من اليقين تأكيدنا القائل: إن الحلم الصهيوني كحلم استراتيجي، قد تأسس مع القسم الذي أشرنا إليه في البداية، ووجد ومنذ البداية في انبعاث "المحفل الماسوني" أداة تعمل وفق خطط تكتيكية متغيرة ومتلائمة مع الظروف على إنجازه.
تأسس هذا المحفل سنة 44 بعد ميلاد المسيح، أي تقريبًا بصفة موازية مع انطلاق النبي عيسى في الدعوة إلى دينه الجديد (من الواضح هنا أن عيسى لا يمكن أن تبدأ دعوته مع لحظة ميلاده فوجبت مقارنة التواريخ)، وهذا المحفل هدف إلى اختراق المجتمعات المسيحية في البداية... فهل كان بولس الرسول الذي ذكرناه أعلى هذا وهو الذي "عاد إلى الرب" سنة 52 ميلادية، أي بعد ثمانية سنوات من انبعاث المحفل على علم بانبعاث هذا المحفل أو له علاقة بشكل أو بآخر معه؟
هذا موضوع شائك، لا يمكن أن يجيب عنه بصرامة إلا للبحث التاريخي المعمق. ثم إن هذا المحفل صار هدفه الانتشار بعد ذلك – تحت مختلف المسوغات أو الأشكال أو العناوين الممكنة مع انتشار الدائنين باليهودية في أرض البشر كلهم – وكان ذلك دائمًا تحقيقًا للهدف الخرافي الرامي إلى تمكين "شعب الله المختار" من التفوق على غيره من الشعوب الأخرى، ومن التملَك ب"أرض الميعاد"، أي فلسطين وما جاورها من البلدان دون اعتبار للسكان الأصليين الذين يعمرونها...
وحين نقول ونكرر إن هذا الهدف الخرافي قد صاغه "كبار اليهود"، وحاولوا فرضه بشتى الطرق على " صغارهم"، فنحن نريد أن نشير بوضوح إلى أنه يجب التفريق على الدوام وبدون كلل بين اليهودية والصهيونية، وذلك لأنه هناك يهودًا تمسكوا بإيمانهم الديني ورفضوا الانخراط في هذا المشروع العنصري، ولعل أشهرهم هؤلاء المنتمين إلى مذهب " ناطورا كارتا"، وكلمة "ناطورا" كما هو واضح مأخوذة من الناطور، وهي كلمة آرامية وعربية، وتعني الحراس أو النواطير أما "كارتا" فمعناها القرية أو المدينة، وهي أيضًا كلمة آرامية وفينيقية، مثلما نجدها في عبارة قارطا حدشت أوقارطا حدثت، وهي أصل كلمة قرطاج ومعناها القرية أو المدينة الحديثة، فمن هنا يكون معنى "ناطورا كارتا" هو حراس المدينة،أما مذهبهم فهو مذهب أورثودوكسي يهودي موجود اليوم بالقدس وبلندن وبنيويورك وأصحابه معادون للصهيونية، بل ينادون بإزالة الكيان الصهيوني سلميًا، وهم يتعرضون نتيجة ذلك إلى القمع الشديد من قبل الصهاينة، وخاصة حينما يقومون بحرق أعلام الكيان في مناسبات متفق عليها بينهم، وهم يتمسكون طبعًا بالتوراة، ولكن يقرأونها قراءة خاصة بهم، ويشكلون حسب فهمنا ردَة فعل داخل صغار اليهود على التعاليم الخانقة التي فرضها كبار اليهود من أرباب المال والصيرفة وأصحاب التجارة والصناعة الكبرى والحاخامات على غيرهم من اليهود.
3. حول المسألة اليهودية:
لقد أدلى مفكرون أوروبيون كثيرون بدلوهم في النقاش، الذي شمل كل هذه المعطيات التي نحن بصددها، ومن اللافت للانتباه أن جلهم قد كتبوا مساهماتهم تحت نفس العنوان، فكل من دوستويفسكي الروسي وباور الألماني وكارل ماركس الأممي على سبيل المثال؛ جاءت كتاباتهم تحت نفس المسمى وهو: "المسألة اليهودية". ولا يتسع المجال للوقوف عند ما كتبه كل واحد منهم، لكننا نرى من المفيد التوقف عند ما تركه المفكر الثوري الأممي المعروف: كارل ماركس حول هذا الموضوع، وإنه يمكننا اعتبار كتابه حول المسألة اليهودية كتابًا مغمورًا، وذلك لأن كتاباته الاقتصادية والفلسفية والحقوقية هي التي نالت الشهرة لهذا السبب أو الآخر، ولكنه (أي كتابه هذا) لا يخلو أبدًا من الأهمية؛ لأنه أورد به جملة من الأفكار التي من شأنها أن تضيء سياق حديثنا بأضواء قد تثير الدهشة، بل الاستغراب لدى الكثيرين ممن لم يطلعوا عليه أو لم يفهموه كما ينبغي؛ فهذا المفكر قد فرق بين "اليهودية النظرية"، وبين "اليهودية العملية"، وقد فهمت شخصيًا أنه يلتقي بتفريقه هذا مع التفريق بين اليهودية كجواب إيماني على معضلة الوجود وكعبادة، وبين الصهيونية كممارسة سياسية واقتصادية، وهو التفريق الذي أصبح معتمدًا وشائعًا منذ ما نسميه هنا بالتقسيم غير المشروع لفلسطين ... وانبعاث الكيان الصهيوني.
فاليهودية النظرية عند ماركس تتناسب مع المعتقد اليهودي الإيماني، أما اليهودية العملية، فهي تتناسب عنده تمامًا مع مصطلح الصهيونية كما أصبح شائعًا على أيامنا هذه؛ وبمتابعة هذا المفكر نجده يقول في إحدى فقرات كتابه: "إن إله اسرائيل الذي لا يجب أن يبقى معه أي إله آخر هو: المال" (13)، مواصلاً: إن المال هو "إله اسرائيل الذي أصبح دنيويًا واكتسب صفة الإله العالمي" (14)، ثم إن هذا المفكر انطلاقًا من هذه المعاينة يفاجؤنا بالاستنتاج الذي يقول فيه: "إنه من عمق المجتمع البورجوازي تتكرر دون توقف ولادة اليهودي" (15)؛ لأن "الحس العملي والأنانية هما مبدأ المجتمع البورجوازي" (16)، في حين أن "قاعدة الديانة اليهودية هي الحس العملي والأنانية" (17)؛ وما دام الطرفان ( البورجوازية واليهودية) يلتقيان فوق نفس الأرضية حسب استنتاجاته، فإن ذلك سمح لهذا المفكر – وهو في القرن التاسع عشر – أن يقول: "إن اليهودي قد أصبح سيدًا لسوق النقد الدولي" (18) مواصلاً في باب المعاينة من جديد: "إن سيادة اليهودية على العالم المسيحي أخذت في أمريكا الشمالية طابعًا شديد الوضوح"(19)، وإن اليهودي أصبح زيادة على ذلك: "يقرر مصير أوروبا"(20)... فلا ندري ماذا ترك لنا هذا المفكر لنقوله ونحن في القرن الواحد والعشرين ؟!
ولكن لعله صار من السهل علينا من خلال ما قاله أن نفهم كيف تمكن "اليهود الكبار" من التداخل في النسيج الاقتصادي والسياسي والمالي والثقافي وحتى العسكري، في مراكز الحضارة القائدة في عصرنا، حتى أصبحوا مكونًا هامًا في جميع المجالات؛ مسخرين وضعهم هذا لإنجاز درجة من كبيرة من " التفوق"، وصولاً إلى تجسيم الحلم الخرافي الذي يعتبرون بمقتضاه: أن الإله قد قيد باسمهم في دفتر خانته، أي في سجله العقاري [!!!!!] ( هكذا يقول بعضهم حرفيًا) كامل الأرض التي من الفرات إلى النيل... وهم بالمناسبة ـ ولمن لا يعرفون هذا ـ ما زالوا إلى اليوم يكتبون فوق باب الكنيست ( أي برلمانهم): "أرضك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل". ولذلك يرفضون رسم حدود معينة لمغتصباتهم... فمشروعهم حسب معتقدهم مازال في طور الإنجاز.
إن اندراج "اليهود الكبار" واندماجهم بصورة طاغية وسط عناصر الأوليغارشيا (الطغمة) المالية العالمية، قد حقق لهم بكامل اليسر هدفين اثنين داخليين وهدفًا ثالثًا خارجيًا:
أول الهدفين الداخليين هو ممارسة جاذبية وإغراء على اليهود الصغار من السيفارديم، ومن الفلاشا، ولكن كذلك من الفئات الدنيا من الأشكناز، وذلك لجعلهم مشاركين لهم – طوعًا أو كرهًا- في الحلم الصهيوني الذي ما انفكوا يغذونه على امتداد التاريخ، ولا يهم هنا إذا كان السيفارديم والفلاشا على وجه الخصوص، سيجدون أنفسهم منقوصي الحقوق داخل الكيان بعد أن زينوا لهم المجيء إليه، إذا لم نقل إنهم سيجدون أنفسهم مسحوقين تمامًا وغير متمتعين بمزايا " الديمقراطية" التي يتشدق بها حكامهم.
وثاني هذين الهدفين هو عزل كافة الرؤى الأخرى التي تتناقض مع القراءة الصهيونية على غرار رؤية ناطورا كارتا، وذلك بقمعها وشراء ذمم بعض أفرادها وتغييبها من تحت الأضواء قدر الإمكان؛ فالصهاينة يمارسون في واقع الأمر وانطلاقًا من قوتهم المالية ديكتاتورية مختلفة الأشكال على كل من يمكن أن يقف أمام حلمهم الذهبي، كما على كل من يجب تسخيرهم لإنجاز هذا الحلم من المنتمين إلى نفس ديانتهم أو من غير المنتمين.
أما الهدف الثالث وهو الهدف ذو الطابع الخارجي، فهو التفاعل مع نظرائهم من الأوليغارشيا المالية من مختلف الجنسيات تبادلاً للمنافع والمصالح والخدمات، وهذا أمر ليس بالهين كما يمكن أن يبدو للبعض؛ لأنه يفتح لهم على مصراعيها أبواب التمكين والتمكن، بل حتى السطوة والفاعلية.
وإذ لاحظ كارل ماركس - وهو في القرن التاسع عشر – "أن اليهودية تتمتع في الواقع بنفوذ عظيم" (21)، و"لكنها تفتقر نظريًا إلى الحقوق السياسية" (22)، فإنه يمكن القول إنها خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين قد حققت تقريبًا كل الحقوق السياسية التي كانت تطمح إليها، وذلك بتوسيع تأثيرها على دوائر القرار بأغلب الدول المتنفذة عالميًا، ولكن كذلك باحتلالها لفلسطين، حيث أصبحت لها (أي الصهيونية)، كلمة نافذة في المجال الديبلوماسي وقدرة على ربط العلاقات العلنية، والظاهرة مع الأطراف التي ترغب في إقامة العلاقات معها، والانتصاب في مقرات معلومة، هي سفاراتها بمختلف العواصم؛ إنه لذلك بالضبط تطارحوا بشدة فكرة الحصول على "دولة " منذ القرن التاسع عشر، ومن المهم هنا أن نعرف أنهم كانوا يفكرون في إقامتها في عدة أماكن منها أوغندا بإفريقيا السوداء، أو الماندشوري بآسيا قرب الصين، أوالأرجنتين بجنوب أمريكا (وذلك ظرفيًا بطبيعة الحال)، ولكنهم حسموا أمرهم عند النهاية ووجدوا أن فلسطين هي الكفيلة وحدها بتمكينهم من استجلاب فائض بشري متمثل في صغار اليهود يسهل استغلاله وتجييشه باسم المشترك العقائدي، كما يجعلهم في تناغم أمام أنفسهم مع تلك التحاريف والتخاريف التي اجتهدوا في المحافظة عليها، رغم أنهم ـ وهم من الأشكناز في أغلبهم ـ يحوم شك كبير حول انتمائهم للأسباط، بمعنى القبائل الاثني عشر من نسل يعقوب ابن اسحاق ابن ابراهيم الذين تتحدث عنهم التوراة، والذين ذكرهم القرآن، وهناك دراسات تاريخية وحتى جينية تذهب بشدة في اتجاه دعم هذا الشك، ولعل أكبرمن أعطى مصداقية لمثل هذا الطرح هو بنيامين فريدمان (23)، الذي يعتبر من حيث سعة معرفته ومقدار ثروته من كبار اليهود، بل لقد كان عنصرًا فاعلاً في الدوائر الصهيونية ، ومقربا من اللوبي الصهيوني، ومن مراكز القرار الكبرى بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن صدق معدنه قاده بعد التقصي إلى أن يعلن أن الأشكناز منحدرون من القوقاز ومن قبائل الخزر بالذات ولا يمتون رغم تهودهم المتأخر بأية صلة إلى الأسباط، أي القبائل اليهودية الاثني عشرة من ذرية يعقوب، والتي كانت لها صلة إلى هذا الحد أو الآخر بأبرام ( ابراهيم) وبعلاقته العابرة أو المؤقتة بأرض غربته، أي فلسطين التي نجم عن افتتانه بعسلها وبلبنها وعد "يهوه" بأن يعطيها له ولنسله من بعده، ولذلك فإن هذا المفكر قد أطلق على هؤلاء الأشكناز اسم القبيلة رقم 13.
وفي كل الأحوال لقد كان مؤتمر بازل هو لحظة الحسم بالنسبة إلى هؤلاء الأشكناز، والذين يقف وراءهم كما أصبح معلومًا كبار الصيارفة من آل روتشيلد وأمثالهم من العائلات الشبيهة بهم، فهكذا سارعوا – وكما سلف القول- بإرسال هرتزل إلى السلطان العثماني لتحقيق حلمهم سلميًا وبدون أي شكل من أشكال الحرب اعتمادًا على قوتهم المالية، فلما فشلوا ركزوا على بريطانيا وسرعان ما حصلوا منها على وعد بلفور في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، وقد جاء هذا الوعد في شكل رسالة كتبها "السير آرثر جيمس بلفور"، الذي كان وزير خارجية عندئذ إلى من يا ترى؟ إلى "اللورد ليونال وولت دي روتشيلد"، وذلك قبل عام بالضبط من انتهاء الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918، ولكن عامًا ونصف العام أيضًا بعد اتفاقية سايكس – بيكو التي انبرمت في ماي/ أيار 1916 ووقع بمقتضاها تقسيم "كعكة" المشرق العربي، الذي كان خاضعًا للإمبراطورية العثمانية، تلك الإمبراطورية التي كان يقع الإجهاز عليها شيئًا فشيئًا عندئذ بواسطة الحرب العالمية الأولى... علمًا هنا بأن وثائق التاريخ تذكر بصورة غريبة أن تيودور هرتزل هو أول من استعمل كلمة الحرب العالمية، وذلك في تصريحه الصحفي بعد أن خرج فاشلاً من مقابلته مع السلطان العثماني ، ولم يحقق هدفه... فبدا له وهو يتحدث في أواخر القرن التاسع عشر أن يطرح احتمال حرب عالمية لتحقيق ذلك الهدف... وهي الحرب التي اندلعت فعلاً بعد ذلك سنة 1914.
قسمت اتفاقية سايكس ـ بيكو تلك الكعكة، وحصل عجوزا الاستعمار المباشر فرنسا وأنجلترة كل على نصيبه من منطقة الشام التاريخية، فأسندت سوريا ولبنان إلى فرنسا، وحصلت بريطانيا على الأردن ووُضعت فلسطين ظاهريًا فقط تحت إدارة دولية، ولكنها ستؤول عمليًا بعد تلك المخادعة إلى انتداب الدولة التي أصدرت الوعد ألا وهي بريطانيا؛ وهذه الأخيرة هي التي ستمكن عصابات الصهاينة المسلحين (الهاجاناه والإرغون وشتيرن) من التنظيم، ومن التسلل إلى فلسطين، كما ستحمي الكيبوتزات الأولى التي تجمع فيها الصهاينة الأشكناز... إلى أن كانت الحرب العالمية الثانية التي ستنتهي بانعقاد محكمة نورمبارغ، ثم ببعث منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عُصبة الأمم، ثم بالتقسيم غير المشروع لفلسطين من قبل المنتصرين في الحرب... أي تقسيمها بين أهلها سليلي العرب والكنعانيين، وبين الذين قال عنهم جورج عدة – وهو تونسي ولد بعائلة يهودية ويعتبر أحد الوجوه الكبرى للنضال الوطني ببلاده -... إنهم مجرد عصابات لصوص قدموا من كل أنحاء الدنيا.
وهكذا سيقع العمل بعد كل هذا - بكل الطرق – ولئن كان ذلك حسب مراحل على جلب السيفارديم (يهود المنطقة العربية)، ثم الفلاشا ( يهود الحبشة)، ثم ما يسمى اليهود الروس، الذين كانوا بالاتحاد السوفييتي... لإشراكهم كيد عاملة وكحرفيين وكمقدمي خدمات في عملية النهب، مهما كان ذلك في درجات دنيا من التراتبية الاجتماعية.
ومن الغريب هنا أن اليهود وهم الذين كانوا يشتكون من محنة الشتات، سنراهم يُعرضون شعبًا آخر لم يقم بإيذائهم بالمرة، بل كان يتعايش مع أقليتهم في أطيب الظروف – هو الشعب الفلسطيني - إلى نفس المحنة التي عانوا منها، في حين كان من المفروض أن يمتنعوا عن ذلك لو أمكن للألم الذي أصابهم أن يسمو بهم؛ لأن الألم بإمكانه أن يسمو بالإنسان، كما أعلن ذلك المهاتما غاندي عندما قال: "إنه ما سما امرئ إلا وقد اكتوى بنار الألم ". ولكن من المعلوم هنا أن الألم لا يسمو بالإنسان؛ إلا إذا جعله ينصهر في آلام غيره من البشر، فيرتقي، لأنه إذا عاشه بأنانية فسيهوى به إلى حضيض الحقد وعشوائية الانتقام ووحشية السلوك.
تنادي أدبيات المقاومات بشعار صائب مفاده: "اعرف عدوك"، فها إننا قد حددنا في هذه العجالة التاريخية البانورامية عدونا، وعرفنا من خلال العرض كيف نظم صفوفه، وجند لهدفه الأنصار والأصدقاء عبر الزمان بواسطة أكبر قوة يملكها ألا وهي قوة المال وذلك منذ بدايات تشكل المال كقوة إلى حد وصوله، أي المال إلى طوره العولمي، حيث أصبح أوليغارشيا أو طغمة مالية عالمية ضاربة، فمن هنا يمكننا أن نحاول الإجابة بجدية على كل الإشكاليات المطروحة على قوى التحرر والمقاومات.
فما دمنا موجودين أمام عدو عالمي أخطبوطي لا يشكل الكيان المقام فوق أرض فلسطين سوى واجهة له، فإنه انطلاقًا من هذا التحديد يجب أن ينطلق بنا الفكر النظري والجهد العملي في مقاومته.
لقد تدعم وجود هذا الكيان بعد كل هذه العقود التي مرت على إنشائه، وهو وبعد أن كان مجرد عصابات مسلحة مسنودة من الخارج قد أصبحت له دولة، وهي الكيان السياسي الجامع الذي بدونه تتشتت مجموعات البشر، كما أصبح له جيش هو " التساهال" وترسانة عسكرية ونووية فوق ذلك، ومخابرات خاصة وفعالة كذلك (اسمها الموساد) بإمكانها اختراق بقية المخابرات الصديقة والعدوة على حد السواء، كما إنه تجاوز حصته من التقسيم الترابي الدولي غير المشروع وذلك بإنشاء المغتصبات ( المسماة مستوطنات!) في الجزء الذي خصصته الدول الظالمة لما بقي لبعض الشعب الفلسطيني من أرضه التاريخية، بعد تهجير أجزاء منه بالعنف الشنيع والتقتيل الفظيع، وهو لا يزال (أي هذا الكيان) إلى اليوم يرفض وبشدة أن تكون له على غرار كل الدول في الدنيا حدودًا مضبوطة، مثلما يطالب بذلك القانون الدولي حتى في شكله الحالي غير العادل ... ( و" المجتمع الدولي" مجبر(!!!!) فوق ذلك على غض الطرف على هذا الخرق لقانونه)، بل يبدو كأنه يباركه ويزكيه؛ فيبقى بعد كل هذا أن ما يجب فهمه، هو أن هذا الكيان نشأ على مبدأين تكتيكيين أساسيين هما؛ مبدأ الاعتماد على القوة الذاتية في المقام الأول، ثم مبدأ حسن إقامة الأحلاف وبنائها على أساس المصالح والمنافع والخدمات المشتركة وتسخير الأصدقاء وأنصاف الأعداء واختراق صفوف الأعداء، وهذا في المقام الثاني؛ فمن ثمة توظيف هذين المبدأين لتحقيق الهدف الاستراتيجي الثابت، والذي يداني في سيطرته على وعي "كبار اليهود" مرتبة الهوس أو الوسواس القهري، ألا وهو تجسيم التفوق الخرافي ل"شعب الله المختار" على كافة شعوب الأرض.
وإذ تمكنت الصهيونية المتفاعلة جدليًا بين كيانها المقام فوق رقعة ترابية معينة وهي فلسطين المنهوبة، وبين قوتها المالية المنتشرة عبر أرجاء الأرض من اختراق مراكز القرار الإمبريالي بأمريكا وبأوروبا والسيطرة نسبيًا عليها (وذلك خاصة بعد إسقاط النقيض الداخلي للحضارة القائدة ونعني به الاتحاد السوفييتي)، فإنها بواسطة لوبياتها وتشابك مصالحها مع كل الأطراف الممكنة، كما بواسطة تأثير مراكز دراساتها (الثينك- تانكس) قد جعلت من فكرة إقامة "شرق أوسط كبير" أو "شرق أوسط جديد" فكرة مركزية في تفكير المراكز الإمبريالية؛ من أجلها تعد في وسق الظلمات الخطط متعددة المسارب (أي مسارب: أ وب وج ود... وكل مسرب يعوض الذي بعده عند فشله)، كما من أجلها وتحت غطاء التفتيش عن الطاقة من نفط وغاز ومعادن يقع تشغيل مجمعات صناعة السلاح وشركات إعادة الإعمار وصناعة الدواء التي تتحكم الأوليغارشيا المالية العالمية وحلفاؤها بين الدول السيطرة عليها، فتشن الحروب الماحقة وتقع إبادة الكائنات البشرية سحقًا وبدون أدنى رحمة، وتدمر الآثار (تمهيدًا لتزييف الوقائع التاريخية ربما؟) وتُستهدف الدول-الأمم القائمة في محاولة لمحو حدودها أمام الزحف السلعي المتعاظم للشركات متعددة الجنسيات، كما تُستهدف فكرة مؤسسة الدولة في حد ذاتها، وخاصة بهذا الشرق الأوسط الذي يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الهدف الاستراتيجي المذكور.
علمًا هنا بأن الدولة كمؤسسة هي الكيان الجامع الأدنى والضروري(24) لمنع تجمعات السكان من الرجوع إلى الأشكال البدائية من تجمعها والمبنية على العلاقات الدموية والقبلية والدينية والمذهبية والطائفية والأثنية وحتى العرقية (مهما كانت هذه الأخيرة بالذات، أي العلاقات العرقية) مزعومة، فالاختلاط الجيني بين البشر لم يترك مجالاً للحديث عن عرق نقي مهما كان انعزاله، لأنه وسط الكيان الجامع للدولة يمكن لمجموعة بشرية ما تجاوزت الأشكال البدائية من تجمعها أن تخوض صراعاتها الداخلية من أجل تغيير شروط اجتماعها.
ولمزيد من التبسيط حول هذا الموضوع الشائك، لا بد لنا أن نعرف أن مراكز الدراسات المرتبطة باللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو اللوبي المعروف تحت مسمى "آيباك" (ويعني لجنة الشؤون العامة الأمريكية الاسرائيلية)، قد ساهمت (أي مراكز الدراسات هذه) حال سقوط "الاتحاد السوفييتي" وتهاوي حلف فرصوفيا في بروز فكرة العداء ضد "الإسلام"، وانبرى هنا مفكر كان مغمورًا فأصبح لامعًا اسمه "يوشيهيرو فرانسيس فوكويوما"؛ ليعلن في كتاب مدفوع الأجر "نهاية التاريخ" (25)، إيحاء بالانتصار النهائي للنظام الليبرالي، كما انبرى آخر مثله اسمه "صاموئيل هيتنغتون" إلى التبشير ب "صراع الحضارات" (26 )، مؤكدًا عند حديثه عن الإسلام أن الحدود معه لا يمكن أن تكون إلا حدودًا دموية؛ (هكذا وبسبق الإضمار!)...ولماذا؟ لأسباب غير مقنعة تكشف عند النهاية فقط عن الهدف الرامي إلى السيطرة على الأرض أي على فلسطين وما جاورها.
فنحن عند التمعن في "أطروحات هيتنغتون" ندرك بسهولة أن المستهدف ليس الإسلام في حد ذاته كمعتقد (لأنهم سيستعملون هذه العقيدة في قراءات منحرفة لها وهابية وداعشية وغيرها، خدمة لأغراضهم)... وإنما المستهدف هي أرض العرب التي انبثقت منها هذه الديانة الإسلامية، ذلك أن العرب كانوا تمكنوا بواسطة الإسلام من التعارف مع الشعوب الأخرى مغالبة أو تمازجًا وأقاموا بواسطة ذلك التعارف حلفًا قديمًا، وخاصة مع القوميات المجاورة من فرس وكرد وأتراك على وجه التخصيص، وهي القوميات التي تبنت هذه الديانة في مختلف تنوعاتها واجتهاداتها ومذاهبها؛ ويبقى السؤال هنا: لماذا نقول إن المستهدف هي "أرض العرب" والحال أنهم يتحدثون عن الإسلام؟ والجواب هو فقط؛ لأن أرض العرب توجد بها فلسطين التي أقيم فوقها الكيان الصهيوني، مانعًا لوحدة الأرض العربية وضامنًا لتدفق خيراتها لصالح المال العالمي، تحت غطاء تحقيق الحلم التوراتي الخرافي، فأصبحت بالضرورة مركز الصراع بين الإمبريالية المتصهينة، وبين قوى التحرر العربي، بل والعالمي كذلك.
أما لماذا يتحدثون عن الإسلام كعدو، فذلك فقط خشية استيقاظ الحلف القديم الذي ذكرناه، والذي عملوا على تمزيقه إربًا إذ ضموا تركيا إلى الحلف الأطلسي، وجذبوا الأكراد إلى صفهم، بعد أن كانوا هم من ظلموهم بمقتضى اتفاقية سايكس ـ بيكو... وغذوا الفتنة الطائفية النائمة بين السنة والشيعة، ضربًا للتفاعل التاريخي الممكن بين القومية العربية المجزأة بفعل فاعل وبين جارتها القومية الإيرانية، هذه التي لئن مال أهلها منذ القديم إلى المذهب الشيعي نشدانًا منهم لدرجة من التمايز الخاص بهم في نطاق التناقضات الداخلية لذلك الحلف القديم، فإنها أي هذه القومية الإيرانية تبقى قومية مضطهدة هي بدورها... فمن هنا خشيتهم من تحالفها مع القومية العربية، كقومية مضطهدة هي الأخرى... علمًا هنا أن خصومنا يدركون ما حصل من تغييرات في المعطيات التاريخية، كما يعرفون أنه لا يمكن إحياء ذلك الحلف القديم على الأسس التي كانت سابقًا، ولكنهم يخشون أن يدفع عاملا الجوار والمشترك الثقافي، وخاصة هذا الأخير؛ لأن الثقافة يمكن دائمًا تحيينها وتطويرها، إلى تجديد ذلك الحلف على أسس مغايرة، ألا وهي أسس التضامن بين الشعوب والقوميات المضطهدة ضد الإمبريالية والصهيونية... فتراهم يستبقون الزمن توسلاً بالنفخ في رماد التناقضات الثانوية القديمة ( لفتنة السنية- الشيعية)، كما بتفجير الألغام الموضوعة بعناية مسبقة (والمسألة الكردية بالخليج العربي، والقبائل المقسمة عشوائيًا بين مختلف الدول بإفريقيا السوداء تعتبر أمثلة على هذه الألغام)... وذلك حتى يقع إخفاء التناقض الرئيسي بينهم وبين الشعوب وطمس معالمه قدر الإمكان.
والأنكى من كل من هذا أنه كان من قوى الهيمنة وخاصة البريطانية ـ التي كانت سبّاقة في مثل هذا المسعى ومنذ بدايات القرن العشرين ـ ... كان من هذه القوى تغذية تيارات "الإسلام" السياسي التي وصلوا بها شيئًا فشيئًا إلى حد التخليق في مختبراتهم لكائنات متوحشة أعطوها مختلف الأسماء، ومنها "الوهابية " و" القاعدة" و" داعش "، ومعروف هنا أن" قوانتنامو" مثلاً كانت المختبر، الذي عمد الأمريكان داخله إلى تخليق الفكر الداعشي، ثم إنهم أطلقوا العنان لهذه الكائنات بواسطة التمويل والتسليح عبر شبكات كثيرة التمويه والتعقيد، وذلك خدمة لأغراضهم الخفية والمعلنة متربصين بتلك "الكائنات" في كل مرة لإنهاء خدمتها وتعطيلها إذا انتهت صلوحيتها أوتجاوزت عناصرها حدودها وفقًا لما هو مرسوم لها بالخطط الموضوعة مسبقًا ومساربها؛ ألم يقل مدير السي إي آي ( المخابرات الأمريكية) جيمس وولسي مثلاً في خطاب شهير له ألقاه سنة 2006، بحضور بول بريمر الذي نصبه الأمريكان حاكمًا للعراق بعد احتلال هذا البلد سنة 2003 ما معناه : مشكلتنا ليس مع الإسلام كإسلام ... بل في كيفية إيهام الشعوب المسلمة بأننا إلى جانبها، وإلى جانب إرادتها في التغيير، ما سيدفع بتلك الشعوب إلى الغضب، وكذلك حكامها في نفس الوقت، وهذا أمر حسن بالنسبة إلينا، وإذا أفلحنا في العراق، سنفلح أيضًا في سوريا وفي مصر وفي دول أخرى... ونكون للمرة الرابعة خلال قرون نحن والدول الديمقراطية حليفتنا في الطريق إلى الفوز... إلى الفوز...، وقد أنهى كلماته هذه تحت تصفيق حار ومنقطع النظير من طرف الحاضرين(؟).
وهذا الخطاب معناه إذا نزعنا عنه غلاف الترميز والمخاتلة أن الأمريكان سيتعاملون مع الإسلام بطريقة تجعله يخدم مصالحهم، وأنهم سيجعلون الشعوب المعنية تغضب وتدمر نفسها بنفسها... فمن هنا طريق الأمريكان وحلفائهم وبعد قرون إلى النجاح التام؟
إنه إذن من واجبنا جميعا هنا أن نفهم أن ذلك ما فعلوه حقًا مع ما يسمى ب" الربيع العربي" مثلاً، ولكن هو أيضًا ما ظلوا يفعلونه وبنجاح ومنذ البدايات في علاقتهم ب"الإسلام" السياسي، استغباء للعقل الجمعي لشبابنا، الذي يتحمس لإحياء "الأمجاد"، فيجد نفسه من مرة إلى أخرى في صف المرتزقة، الذين يقتلون ويتوحشون ويدمرون، ثم يموتون أفرادًا من أجل أهداف وهمية؛ تخدم في الحقيقة أهدا ف أعدائهم إلى أن تنتهي مدة صلوحية المجموعات التي جذبتهم إليها بشعاراتها الزائفة، فيعيشون التيه والضلال أو ينتظرون رسكلتهم بالأموال، وبالمخططات الجديدة للقيام ب"مهام" أخرى تحت مسميات مغايرة... فهم كما قلنا مجرد مرتزقة لا أكثر ولا أقل في حسابات الأعداء.
4. نحو "الحكومة العالمية":
فهل تغيرت نظرة الصهاينة بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟
تدفع كل المعطيات المشاهدة من قبل الجميع إلى القول بأن نظرتهم مازالت لم تتغير: فالصهاينة أي كبار اليهود لا زالوا ـ وللأسف الشديد ـ يعتبرون أنه من حقهم وسط التزاحم الرأسمالي العالمي أن ينتصبوا "أسيادًا للعالم"؛ من خلال دعم نفوذهم داخل المصارف المالية العالمية، كما داخل الشركات متعددة الجنسيات العملاقة، ومازالوا يبحثون عن تحقيق الشروط الكفيلة بتجسيم حلمهم الخرافي الذي عبر عنه موزاس هاس وأعرب تيودور هرتزل بعده عن تبنيه له بالكامل، وذلك لما قال (أي موزاس هاس):
"إن الشعب اليهودي جدير بحياة الخلود، أما الشعوب الأخرى فأشبه بالحمير"، أو لما قال أيضًا: "اليهود وحدهم بين الشعوب قادرون على السمو" (27)... وهو رأي خرافي بكل تأكيد ما أجدرهم كبشر أنجبوا نخبًا معترفًا بها وساهموا في إثراء الفكر البشري إسهامًا لا يمكن إنكاره، أن يتخلوا عنه نهائيًا، ليعانقوا مع الجميع معنى الإنسان في تنوعه وشموله وسموه... الحقيقي!
وبطبيعة الحال فإن موزاس هاس يظهر نفسه هنا متحدثًا باسم كافة اليهود، ولكنه قي الحقيقة لا ينطق سوى باسم طائفة منهم هي طائفة "كبار اليهود"، تلك الطائفة التي تبنت منذ القديم فكرة الصهيونية كحلم ناتج عن الأنانية البشرية، وناتج كذلك عن المحن التي عرفها اليهود حقًا في بعض الأحيان، أو زعمًا في بعض الأحيان الأخرى، فتطورت هذه الفكرة مع تعاقب الأجيال لتأخذ شكلها السياسي العنصري والهيمني في الأزمنة الحديثة، ألا وهو شكل الصهيونية كما أصبح متعارفًا عليه بعد قيام كيانهم.
وهكذا فإن كل ما يفعله الصهاينة إلى الآن لا يمكن إدراجه في باب التغيَر الاستراتيجي ـ إذ حبذا لو يتغيرون في هذا الاتجاه ـ بل فقط في باب التفاعل التكتيكي مع المتغيرات الموضوعية، أما في الجوهر فهم مازالوا يحافظون على هدفهم الاستراتيجي قائمًا في ذواتهم بدون تغيير؛ وهنا فإنهم تفاعلوا منذ أقاموا كيانهم مع المد القومي العربي المجسم في الفكر الناصري، وفي الفكر البعثي، وانتهوا من خلال هذا التفاعل إلى إدخال مصر في حظيرة "كامب دايفيد"، ثم إلى تدمير بغداد أو "بابل المجرمة "، كما يقولون عنها في الأدعية التي ألفها كتبتهم، كما انتهوا إلى فرض مسار"أوسلو" على البورجوازية الفلسطينية الرثة الحالمة بالمجد الاقتصادي، وتمكنوا من تحويل عناصرها إلى كومبرادور، وإلى خدم للمشروع الصهيوني، بل وإلى حراس لأمن الكيان، كما انتهوا إلى فرض اتفاقية "وادي عربة" على العائلة "الهاشمية" الحاكمة للأردن؛ حالمين باستنساخ نماذج علنية منها في بقية الأقطار العربية، حيث لا زالوا يعملون بجد على تحقيق التطبيع ولو جزئيًا في ميادين الرياضة والثقافة والتجارة والسياحة، وفي منابر المنتديات الدولية بكافة الوسائل المتاحة لهم، وهي وسائل متعددة ومتنوعة، ويهدفون من ورائها إلى فرض التطبيع الكامل مع حكومات العرب حكومة بعد أخرى؛ وإذ تهاوى النظام الرسمي العربي الذي أقيم تنفيذًا لبنود اتفاقية سايكس – بيكو، كما تجسم في صورته التامة بعد الحرب العالمية الثانية مع انتصار حركات التحرر الوطني بدعم ولو نسبي من الاتحاد السوفييتي، بوصفه نقيضًا داخليًا صلب الحضارة الغربية القائدة، فإن الصهيونية التي أقلقها بروز المقاومات، وعلى رأسها المقاومة اللبنانية كنموذج خارج تمامًا عن سيطرة هذا النظام الرسمي العربي، وهو النموذج الذي أمكن له تحقيق انتصارين ثمينين على حساب الكيان... سنة 2000 (إجباره على الانسحاب الذليل من جنوب لبنان)... وسنة 2006 ( بالصمود الذي أهان تساهال)، كما أمكن له تعزيز قدرة "قطاع غزة"على المواجهة...

قلنا إن الصهاينة أمام هذه التطورات قد شاركوا بمعية أصدقائهم؛ من أمريكان وفرنسيين وبريطانيين وألمان وأتراك وحكام رجعيين عرب، في اختراق حركة الطبقات والفئات والنخب الغاضبة بالمجتمعات العربية، وحولوا حلمها - الذي انطلق من تونس أواخر سنة 2010 هادفًا إلى التخلص من استبداد الأنظمة الحاكمة وعمالتها... حولوه إلى كابوس رهيب أسموه "الربيع العربي" وجعلوه مسودًا بالإرهاب والاقتتال الأهلي والتغييب الكامل لمقومات الأمن الاجتماعي والاستقرار السكاني، ما تجسم في خراب الحواضر وفي دمار العمران وفي نهب كنوز الآثار وفي بروز جحافل الهجرة بالملايين نحو مختلف أصقاع الدنيا، مع هدف خفي يتمثل في محاولة ضرب كل موضع للمقاومة... وهو ما أدى في مرحلته البارزة أمامنا:

- أولاً، إلى إضعاف مركز مؤسسة الدولة ككيان جامع (ولقد جربوا ذلك بمختبر الصومال ورأوا نتائجه عيانًا)، وهم هنا يبحثون إما عن تدمير الدولة القائمة، وإما عن إضعافها حسب الأحوال.

- ثانيا، إلى انكفاء كل مجتمع عربي على إشكاليات وجوده الخاصة؛ تغييبًا لإمكانية تفكيره بعمق في قضاياه الاستراتيجية وتفاعله الإيجابي بصفة مشتركة مع قضيته المركزية: قضية فلسطين؛

ونحن لو نظرنا بالتدقيق الآن وبصفة بانورامية على امتداد العقود لرأينا الصهاينة منذ انبعاث كيانهم:

* يطاردون الثائر الفلسطيني من أرض إلى أخرى، ويضيقون عليه الخناق؛ أكان ذلك في الأردن ( أيلول/ سبتمبر 1970)، أم في لبنان (1982)، أم في تونس ( 1985)؛

* ويشنون الحروب الظالمة فينتصرون (حرب حزيران / جوان 1967)، وينهزمون جزئيًا (حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973) أو يتعرضون للإهانة العسكرية (لبنان 2006)، فيلعقون جراحهم ويعدون العدة لعدوان جديد ما أمكن لهم ذلك؛

* ويحتلون الأراضي: غزة، سيناء، الجولان، الضفة الغربية، وجنوب لبنان؛

وينسحبون كليًا أو جزئيًا من بعضها وبعد المساومة، إما من جانب واحد (غزة)، أو تحت ضربات المقاومة الموجعة (جنوب لبنان)، أو بفعل المعاهدات الاستسلامية المفروضة بالوعود من قبل قوتهم المالية، أو بالتهديدات، أو بالضغوط الديبلوماسية (سيناء- كامب دايفيد والضفة الغربية- أوسلو)، أو يحتفظون بما هو متاح لهم الاحتفاظ به: الجولان ومزارع شبعا؛

* ويتحركون على كل الواجهات ديبلوماسيًا وتجاريًا ورياضيًا وثقافيًا وسياحيًا لفرض التطبيع الكامل أو الجزئي على الفئات الحاكمة بالمجتمعات العربية، في انتظار فرضه على الطبقات الشعبية أيضًا التي تصر دائمًا على رفضهم؛

* ويشعلون بواسطة مخابراتهم الخاصة أو الحليفة نيران الفتنة داخل التنوع الأثني واللغوي والديني والطائفي والمذهبي للسكان المستقرين بالمنطقة العربية، خلقًا للشروط التي تمكنهم من التحالف مع هذا الطرف أو ذاك حسب الظروف، كما فعلوا مع بعض الأكراد، وليس كلهم، ومع بعض السنة، وليس كلهم، ومع بعض الشيعة، وليس كلهم، ومع بعض الأمازيغ وليس كلهم...

* ويتمسكون كيهود كبار بصلفهم وبمركب عليائهم وبعقدة غرورهم معتمدين في ذلك:

أولاً: على نفوذهم المالي الجبار حيث تسيطر عائلة روتشيلد مثلاً على صندوق النقد الدولي وعلى بنك التنمية العالمي، ومن هناك تملي شروطها وتعليماتها على الجميع تقريبا؛

وثانيًا: على تغلغلهم داخل مفاصل التجارة العالمية ومنظماتها وبورصاتها، وهو التغلغل الذي حققوه بانغراسهم الطاغي والمعروف والواضح للعيان بالأسماء وبالأرقام في الشركات متعددة الجنسيات، وذلك لإتقانهم (وهذا حق يقال) لفنون التجارة والصنائع والمضاربات عبر التاريخ، بل لبراعتهم أحيانًا فيها؛

وثالثًا: على سطوتهم على وسائل الإعلام والاتصال بأنواعه، كما على وسائط التواصل الاجتماعي بتفرعاته الحديثة؛

ورابعًا: على اختراقهم بواسطة اللوبيات والمحافل والأندية الماسونية المتعددة لمراكز القرار في عواصم الحضارة القائدة في أمريكا والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا، دون إغفال بقية العواصم العالمية الأخرى، كل عاصمة حسب ظروفها ومعطياتها.

إن هذا المقدار من القوة يجعلهم يتصرفون وكأنهم حكومة عالمية، فيرفضون أي مقترح للتعايش السلمي مع الفلسطينيين ومع العرب؛ إلا بشرط وضعهم تحت سلطانهم، وهكذا فهم حتى لما انكفأوا في فلسطين المحتلة عنوة إلى معزلهم الكبير والجديد الذي رسموه بأنفسهم ببناء الجدار العازل، فإنهم سارعوا إلى رفع شعار "الدولة اليهودية " الذي يربطونه طبعًا بشعار"الشرق الأوسط الكبير".

إن المجال الجغرافي للشرق الأوسط الكبير قد تحدد من قبلهم في منتديات من شاكلة هرتزيليا وآيباك وبيلدربارغ ودافوس وكرانس مونتانا، فهناك جعلوا هذا المجال في تصوراتهم ممتدًا من موريتانيا إلى الباكستان وافغانستان، مرورًا بالمغرب الكبير وبالمشرق العربي، وهم لا يرون أنفسهم إلا بمثابة قوة رئيسية بداخل هذا المجال غير ملتفتين إلى مقاومة الشعوب التي كانت وستكون دائمًا، أو حتى إلى ما يحتويه شعار"الدولة الدينية" المصاغ بمثل هذه الصفة من نفي تام ومعلن للديمقراطية التي يتبجحون بها أحيانًا كثيرة، ذلك أن مثل هذه الدولة زيادة على رغبتها في الهيمنة على الشعوب لا يمكن لها تحقيق ذاتها بدون تهجير أو ترانسفير - لجزء هام من سكان الكيان الذين تم اعتبارهم عند انبعاثه مواطنين إسرائيليين أكانوا من المسلمين أم من المسيحيين، ألا وهم "عرب ال48 "، كما هو الاسم الذي يطلق عليهم، والذين سيعتبر تهجيرهم - إن وقع- جريمة أخرى من أشنع ما في قائمة الصهيونية من جرائم.

5.الانتصار المستحيل:

هل يمكن القول بناء على كل ما سبق بيانه، إن الصهاينة وكبار اليهود كما حددناهم قد انتصروا؟

نجيب بأنهم – هم وقبل غيرهم - يدركون أن ما حققوه ما زال قابلاً لإعادة النظر فيه أمام التاريخ... بل مازال قابلاً للزوال أصلاً؛ فرغم أن المقاومة العربية مازالت:

- متفرقة الصفوف وتتحرك في مستوى رد الفعل فقط: أي إنها لا تشتغل إلا عندما يتسلط الفعل على المعطيات الوطنية لأجزائها... وليس دائمًا بالسرعة المطلوبة فوق ذلك.

- و لم تنجح بعد في رسم استراتيجية؛ تكون متكاملة وشاملة (أي فيها تناغم يتجاوزعوائق ما هو قطر ي أوطائفي أومذهبي في مكوناتها)، كما تكون مبوبة بحكمة على مراحل تكتيكية واضحة ومسارب بديلة عند اللزوم، ومرتسمة في أفق هجومي عند النهاية، مع التفريق في كل مرة بين الهدف العاجل والحارق، وبين الهدف الثانوي وبين الهدف الرئيسي خالقة تناسقًا دائمًا بين الأهداف جميعها؛ وأيضًا عارفة بقوانين التعامل مع كل الجوار الجغرافي، كما مع الأصدقاء وأنصاف الأصدقاء، ومثل ذلك مع الأعداء وأنصاف الأعداء... و كل في حدوده.

قلنا إنه رغم كل ما سبق من نقاط ضعف المقاومة العربية، فإن الصهاينة يعرفون قبل غيرهم أن كل ما أنجزوه يمكن أن يكون مرشحًا للزوال، فهم عند النهاية يفهمون أنهم أمام ثلاثة عناصر صلبة هي: الأرض والتاريخ والإنسان، وهم واعون تمامًا أن عناصر الأرض والتاريخ والإنسان، إذا ما تناسق فعلها بإمكانها طال الزمن أم قصر أن تجعل من مرورهم في المنطقة العربية بمثابة الطفح الجلدي الموضعي الذي لا بد يومًا أن يزول، وهم كموثقين وكقراء جيدين للتاريخ (وهذا مرة أخرى اعتراف صادق بما لهم من القدرات التي حبذا لو استعملوها في الاتجاه الإنساني الصحيح).

قلنا، وهم كموثقين وكقراء جيدين للتاريخ يعرفون أن تضافر هذه العوامل هو الذي أطرد الصليبيين بعد أكثر من قرنين من استقرارهم بأرض العرب، كما تم طرد العرب أنفسهم – وكان معهم اليهود – بعد استقرارهم بالأراضي الأسبانية التي سموها "أندلسًا" لمدة ثمانية قرون بالتمام والكمال، كما يفهمون أن هذه العوامل هي التي رفضتهم، وسوف تظل ترفضهم بعد تسللهم إلى أرض فلسطين وسرقتها من أهلها بكل ما يملكون من أساليب العنف والخداع؛ فعزالدين القسام وميمنة القسام وجمال عبد الناصر وشادية أبوغزالة و جورج حبش وياسر عرفات وأحمد ياسين ووفاء إدريس ودلال المغربي ودانيا رشيد وعمران المقدمي وأبو علي مصطفى وعمار الغول وفاطمة أو غزالة وباسل الأعرج والثلاثة أشقاء الجبارين بمعركة الأقصى لسنة 2017، وكل الشهداء المنتمين إلى حزب الله وأشهرهم عباس الموسوي وعماد مغنية، وكافة شهداء غزة الأسيرة، وكمال ناصر وكمال عدوان وخليل الوزير( أبوجهاد )، وناجي العلي الذي أزعجهم حتى برسوماته، وغسان كنفاني الذي أقض مضاجعهم بحروفه وكلماته، وصدام حسين الذي كان أول من أمطر عاصمتهم بالصواريخ، وسعد الدين الشاذلي وسمير القنطار... والقائمة تطول... كلهم كانوا شهداء ـ شهودًا على هذا الرفض المتواصل -.

فالإنسان الفلسطيني مع امتداده داخل الإنسان العربي وداخل الإنسان الأممي سيظل يفاجؤهم: يفاجؤهم في شكل طفل صغير في عمر الزهور يتحدى بطشهم بكل بسالة، وليس في يده غير حجارة أخرجها لتوه من محفظته فيرعب بها جنديًا مدججًا بالسلاح؛

ويفاجؤهم في شكل شاب يزف نضارة شبابه إلى الأرض وعلى وجهه ابتسامة تحيرهم، ولا يفهمون دلالاتها وأعماقها؛

ويفاجؤهم في شكل حرة توصي بإطلاق الزغاريد في عرس استشهادها، وهم لا يفهمون أيضًا أي معنى عميق وراء؛

ويفاجؤهم في شكل عجوز في أسواق القدس العتيقة ترفع سبابتها في وجوههم حتى لتكاد تفقأ عيون؛

ويفاجؤهم في شكل شيخ يتوكأ على عصاه ماشيًا ببطء، فينهض فجأة منتصب القامة من تحت أتعاب السنين ليتحدى صلفهم بكل عزة وبكل شموخ؛

وبفاجؤهم في شكل فدائي يجتاز "الحدود" ويدخل أرضه المنهوبة ليشتبك معهم، ويصفي الحساب مع احتلالهم؛

ويفاجؤهم في شكل أبطال من كل أقطار الوطن العربي المجزأ بفعلهم، يأتون متطوعين ليقولوا لهم... هذه أرض عربية ونحن لا نقبل في هذا المبدأ أي نقاش؛

ويفاجؤهم في شكل فنان عربي أو رياضي عربي أو مفكر عربي يرفض "المجد" المعروض عليه في الحفلات أو المباريات أو أثناء تسليم الجوائز؛ لأن ثمن ذلك "المجد" المغشوش هو التطبيع معهم؛

ويفاجؤهم في شكل أسير يكسر إرادتهم وهو لا يملك غير أمعاء خاوية؛

وأكثر من الإنسان الفلسطيني ومن الإنسان العربي يفاجئهم في شكل الإنسان الأممي – كما أشرنا - الرافع لشعارات عدم التعامل الأكاديمي معهم والمقاطع للسلع التي ينتجونها في مغتصباتهم (التي يسمونها مستوطنات)، والنازل إلى الشوارع بالملايين عبر العواصم من مرة إلى أخرى للتنديد بجرائمهم وللدفاع عن فلسطين ، وقد يصل به الأمر إلى حد الانخراط في الصراع وجهًا لوجه معهم، مثلما فعلت المواطنة الأمريكية الشهيدة راشال كوري، ومثلما فعل المناضل الياباني كوزو أوكاموتو، على سبيل الذكر لا الحصر.

فماذا يكون رد فعلهم على مفاجآت الإنسان؟

لا يجدون غير الجرائم التي تفضح رعبهم وزيف حجتهم حتى أمام أنفسهم فيتكالبون على الإنسان حتى ولو كان طفلاً كمحمد الدرة أو حتى رضيعًا، وذلك قتلاً وغدرًا واغتيالاً وأسرًا وعزلاً داخل الزنازين، وتنكيلاً وتعذيبًا، ولكنهم لا ينجحون أبدًا في إخماد روح الرفض والممانعة، ويزداد اضطرابهم أمام المقاومات والانتفاضات المتكررة من جيل إلى جيل (وهم الذين كانوا يعولون على مرور الزمن لخلق حالة من النسيان لدى الأجيال)... وهي الانتفاضات التي يمكن أن تندلع عفوية ومتواصلة وفي أشد عنفوانها تأججًا، أيضًا حتى عندما يغيب أحيانًا من هو القادر على تأطيرها التأطير الأنسب لهذا السبب التاريخي أو الآخر.

ومثل الإنسان، تفاجؤهم الأرض كذلك؛

تفاجؤهم وهي تخفي المقاومين بين تضاريسها فتحولهم إلى أشباح تعجز عين العدو عن رؤيتها؛

وتفاجؤهم وهي تمد الأطفال الصغار بحجارتها سلاحًا فعالاً لمقاومتهم في غياب كل سلاح آخر؛

وتفاجؤهم وهي تحضن الشهداء بحنان منقطع النظير؛

وتفاجؤهم عندما تقول لهم: أنا شاهدة على مبان لم تشيدوها، رغم أنكم سكنتموها وأطردتم ظلمًا أصحابها، وعلى أشجار لم تغرسوها رغم أنكم تمدون أيديكم لقطف ثمارها، وعلى آبار وعيون لم تفجروها رغم أنكم تشربون اليوم من مياهها...

وتفاجؤهم لما تحكي لهم عن جحافل الغزاة الذين نزلوا قبلهم فوق أديمها ثم رحلوا: من وندال ورومان وأتراك وتتار ومغول وصليبيين... تقول لهم: كلهم كانوا هنا ولكنهم كانوا بمثابة أقواس فتحت ثم أدركها الانغلاق، أما الحواضر التي حطموها مرة بعد أخرى من بغداد إلى دمشق إلى قرطاج إلى حلب إلى تدمر إلى صن


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1