صالح علماني.. الشاعرُ النائم في ثنايا النص المترجَم

بوابة الهدف- وليد عبد الرحيم
06-01-2020
لم يكن صالح عَلماني من أولئك الذين تَقبلهم من النظرة الأولى، لكنك ستعشقه مع كل لقاء متجدد، أو على الأقل بعد قراءة كل ترجمة جديدة من نتاجه، ففيه حنكة القارئ الفطرية وتمحص الطبيب المُستقيل وعمق الفلسطيني العاري المُدمَّى وصحوة المترجم النبيه وزفرة الشاعر النائم في سرير لا وعيه، الذي ما استيقظ إلا ترجمةً وبعضَ تعبيرات أدبية مقتضبة، متناثرة هنا وهناك.

سألته يوماً عن أشد ما أثر في شخصيته وأثراها، أجابني "طفولتي وتراجع الثورة الفلسطينية، وقبل كل ذلك استمرار احتلال ترشيحا بلدي". كان ذلك منذ أكثر من عقدين، واليوم إن أنت فتحتَ صفحته على "فيس بوك" فإن أول ما تراه في الخلفية هو صورة ترشيحا المفقودة، مدينته في شمال فلسطين وقد كُتب على الصورة بخط كبير "احتلال ترشيحا 28/10/1948".

كان صالح في سن الإعدادية – في حمص ومخيم العائدين- يوزع مع بعض رفاقه المنشورات الثورية السرية الخاصة بالعمل الفدائي الفلسطيني ومنظمة التحرير، لكن الحديث عن المقاومة الفلسطينية تنحى جانباً - ولو جهراً- لصالح الترجمة والخوض الأدبي! فقد مل صالح فيما بعد كبقية المَلولين من تكرار شكاواه من الأوضاع الوطنية والسياسية وأخطاء المقاومة!

فيما يخص الترجمة عموماً- كما أُعرِّفها- باعتبارها: "إعادة إنتاج النص الأصلي إبداعياً بروح ودلالات مفردات اللغة الجديدة المنقولة إليها"، هنا يكمن لُبُّ وبؤرة وقيمة نجاح الترجمة أو فشلها، فالترجمة الحَرفية هي الترجمة الأقل حِرفيَّةً، تلك المعادلة الأدبية المُثلى التي هضمها صالح علماني، وهي ما صقلت تجربته صقلاً نبيهاً، وصنعت تميزه العربي والعالمي كمترجم فذ، ربما فيما يخص الإسبانية لا يُضاهى.

وُلد العَلماني في مخيم العائدين بحمص، عقب النكبة مباشرة في العام 1949، وهذا المخيم صغير جغرافياً وقليل سكانياً، يقع عند مدخل مدينة حمص الهادئة التي يتميز أهلها عموماً بالطيبة وخفة الظل والرقة وحس النكتة المميز، هناك نشأ لاجئاً فقيراً ودرس في المدارس التي أقامتها الأمم المتحدة "الأونروا" لينتقل عقب حصوله على الثانوية إلى إسبانيا لدراسة الطب، ذلك الاختصاص الذي يرغبه كل أهالي الطلبة، ثم ليترك الطب في العام التالي بسبب عدم انسجامه مع فحواه ومواده، ثم ليبدل خياره نحو دراسة الصحافة والأدب الإسباني ثم يترك ذلك أيضاً ليعمل في ميناء برشلونة البحري، وكان ذلك لأسباب معيشية. كل تلك الاستبدالات كانت تعبر أيضاً عن عدم اكتشاف صالح الشاب بعدُ لإمكاناته وتوجهاته الحقيقية..!

في تلك السنوات كانت المقاومة الفلسطينية تخترق بنضالها الآفاق العالمية، شعر العلماني بعودة الروح والهوية والمعنى لوطنه وشعبه، لكن استكمال مجازر أيلول الأسود الدولية أخرته لسنوات عن العودة لإحدى غاياته والاقتراب من الشأن السياسي والوطني العام لسنوات، توجه عقبها ببضع سنين إلى بيروت، في النصف الثاني من السبعينيات ليلتقي هناك بأهم الشخصيات الإبداعية والثقافية وكبار الأدباء والصحفيين والثوار الذين كانت بيروت تعج بهم وترعاهم.

كان صالح علماني يُعرِّف من يلتقيهم من الإسبان باستمرار على وجوه الأدب الفلسطيني، بخاصة الشعر والرواية، ويترجم لهم شفهياً شيئاً من أدب غسان كنفاني وجبرا وشعر أبي سلمى وطوقان وغيرهم، وذلك في جلساته الخاصة، حتى أنه لم يوفر ذلك الجهد تجاه العمال أثناء عمله في الميناء.

في أحد مقاهي برشلونة الشعبية قابل صالح يوماً صديقاً له يحمل رواية لكاتب كولومبي، على الأرجح أنه لم يكن قد سمع به من قبل، كان الكتاب عبارة عن رواية بعنوان "مئة عام من العزلة"، وهكذا تعرف الشاب الذي نضجت لغته الإسبانية وأحبها ودرسها بنهم وحب على غابرييل غارثيا ماركيز، فبدأ بمحاولة ترجمتها، بل وترجم جزءاً كبيراً منها، لكن ترجمة عربية للرواية صدرت بالمصادفة الزمنية مترجمة عن اللغة الفرنسية لا الإسبانية – ترجمة عن نص مترجم بغير لغته- بتوقيع الراحل سامي الجندي.

رأى علماني في ترجمة الجندي ما لم يعجبه، وضع ملاحظاته عليها بخطوط متشعبة كثيرة وعلى الرغم من ذلك أوقف ترجمته الشخصية لها، لكنها على كل حال بقيت هذه الرواية في باله فقد شكلت باكورة عشقه لماركيز، فبدأ بترجمة قصص متناثرة له لينشرها هنا وهناك وبخاصة في الصحف اللبنانية، ثم التقط رواية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" فترجمها ونشرت في العام 1979.

لاقت الرواية استحساناً استثنائياً ورواجاً غير مسبوق، وكانت نقطة تحول في تاريخ الترجمة عموماً إلى العربية وبخاصة عن الإسبانية وتحديداً إسبانية أميركا اللاتينية المتنوعة، وكان علماني قد استوعب اللغة الإسبانية التي أحبها كما تدارك أخطاء وزُحافات المترجمين السابقين إلى العربية وانتبه إلى مسألة جد مهمة، وهي مراعاة اختلاف لهجات البلدان المتحدثة بالإسبانية في تلك القارة، وبعض مقاصد المعاني الحَرفية في الإسبانية التي تتداولها وتكتب بها مختلف بلدان أميركا اللاتينية، وهكذا التقط بعمق روح اللغة الإسبانية ولهجاتها المختلفة.

يقول: "لقد أصبت بصدمة بعد قراءة مئة عام من العزلة، لغة عجائبية شدتني بعنف إلى صفحاتها... قلت لنفسي: أن تكون مترجماً مُهماً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً". على هذا الأساس قرر صالح احتراف الترجمة وجعلها اختصاصاً حصرياً لجهده الأدبي، فمزق عدة قصائد ونثريات منها رواية كان على وشك الانتهاء من كتابتها.

احترف صالح علماني مهنة الترجمة، وعمل في الوكالة الفلسطينية للأنباء-وفا-، ومترجماً في السفارة الكوبية في دمشق، وفي وزارة الثقافة في دمشق" الهيئة العامة للكتاب" التي بقي موظفاً فيها حتى سن التقاعد.

لكن "مئة عام من العزلة" لم تغادر ذاكرته، فعاد بعد سنوات طويلة وتحديداً في العام 2005 وأصدر الرواية بترجمته، فلاقت استحساناً كبيراً ورواجاً ربما لم تلقه رواية مترجمة عن لغة ما إلى العربية حتى اليوم.

بلغت أعماله المترجمة حتى وفاته أكثر من 110 نصوص بين قصة ورواية وبعض الكتب الأخرى، لكن العلماني يُشهد له بالفضل الكبير في تعريف قرّاء العربية بأدب أميركا اللاتينية الذي كان مجهولاً قبله، كما عرف برموزه، حتى أن ماركيز ذاته أشاد به في عدة مقابلات وندوات بعمل صالح علماني ومثابرته واستيعابه جماليات الأدب.

عرّف صالح علماني القرّاء العرب على كبار أدباء وشعراء أميركا اللاتينية وإسبانيا وقد كان غالبيتهم مجهولين لنا قبله ومن بينهم "ماركيز، إيزابيل اللندي، إدواردو غاليانو، ساراماغو وفديريكو غارثيا لوركا ورفائيل ألبيرتي، وغيرهم كثيرون قد يتجاوز عددهم الثلاثين كاتباً وشاعراً.

ربما تكون البراعة اللغوية الاستثنائية للعلماني قد برزت -برأينا – في أدب ماركيز بشكل خاص وبخاصة في " مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" و"عشت لأروي" و"ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" ،وهي كلها تتضح في جنباتها قدرة صالح وعشقه لماركيز وفهمه لأحاسيسه ومخيلته قبل مفرداته، ولذلك استخدم أسلوبية النقل إلى العربية أكثر من استخدامه للترجمة بمعناها الحَرفي الأصم، وذلك أحد أهم أسرار إبداعه في هذا المجال، فكان لا يلتزم بالحَرفية والمعاني الظاهرية بقدر سبره لاختلاف المفردات ومعانيها المبطنة واستخدامها المختلف الدلالة وتباينها حتى بين عموم دول أميركا اللاتينية وبين الإسبانية ذاتها، لهذا وصفه البعض ب "المترجم الخائن الجميل".

وكان آخر ما ترجمه وصدر في العام 2019 رواية "الميتات" للمكسيكي "خورخي إيباغو ينغوينيا"، وقد صدرت في قطر أثناء وجوده في إسبانيا. فقد رحل علماني عن دمشق بعيد الحرب وسقوط مخيم اليرموك واحتلاله وتشريد سكانه، وضاقت به السبل كما ساءت حالته النفسية فتوجه راحلاً نحو إسبانيا، حيث نظمت على الفور مجموعة من كتاب إسبانيا وأميركا اللاتينية المرموقين حملة تطالب الحكومة الإسبانية باستقباله ومنحه الإقامة نظراً لخدمته الاستثنائية للأدب العالمي وللغة والأدب الإسباني واللاتيني، واستجابت الحكومة الإسبانية لطلب كتاب أميركا اللاتينة وبعض الإسبان فمنحته الإقامة الدائمة.

حصل المترجم الكبير على عشرات الجوائز والتقديرات، من عدة دول عربية وأجنبية، وكان عضواً في لجنة تحكيم "بوكر العربية" الخاصة بالرواية عام 2017 أي قبل عامين من وفاته.

توفي صالح علماني يوم الثلاثاء 3/12/2019 في مدريد العاصمة الإسبانية تاركاً لذكراه مئة ونيف من الأعمال المترجمة التي أغنت المكتبة العربية وأثرت في تطور الأدب العربي بمستويات عدة.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1