جان جينيه في صبرا وشاتيلا.. الشعر يسرد المجزرة

بوابة الهدف- تغريد عبد العال
27-09-2019
كانت القضيةُ الفلسطينيةُ بالنسبة له اختبارًا لضمير العالم، كما قال في نصه الشهير "أربع ساعات في شاتيلا"، لم أكن أشاهد دمار بيروت، كنت أشاهد موت الإنسان. كان الشاعرُ والمسرحيُ الفرنسي متمردًا وحالمًا، كان قد توقف عن الكتابة لفترة طويلة إلى أنْ زار مخيمات اللجوء في لبنان، وهناك عاش مع الفدائيين، ورافق الدبلوماسية السابقة ليلى شهيد، في زيارة لمخيمي صبرا وشاتيلا، وبعدها كتب عنها نصه الشهير "أربع ساعات في شاتيلا"، ثم بعدها كتب كتابه "أسير عاشق"، الذي يسرد فيه تجربته مع الفدائيين في الأردن وبيروت.

لم يأتِ جان جينيه إلى شاتيلا فقط كي يرى الموت، بل ليدرك بذاءة الموت، فهو كما يقول: "إنَّ الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة، إنَّها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى".

وبالفعل، كان نص جينيه إضافة لتلك الصور التي شاهدناها في المجزرة، فكانت شهادة شاعر صار يؤمن بأنَّه في اللحظة التي شاهد فيها الجثث وعاش لأيام مع الفدائيين، أصبح فلسطينيًا، فهو يقول: "منذ انقطعت الطرق، وصمت التليفون، وحرمت من الاتصال بالعالم، أحسستني لأول مرة في حياتي، أصير فلسطينيًا وأكره إسرائيل".

كان نصهُ الشهير بمكانة نظرة حية إلى داخل الجمال الفلسطيني، فقد تأمل جينيه مواطن الجمال في المخيم، حيث الشعر يولد هناك في قوة النساء والأطفال، فَبَين الأنقاض، هناك جمال ما لا تقتله الدبابات، ولا يميته الظلم، فيقول في نصه: "على الشاكلة نفسها، كان الفدائيون الفلسطينيون، وقد انعتقوا من مخيمات اللاجئين، ومن أخلاق المخيم ونظامه، تلك الأخلاق التي فرضتها ضرورة الاستمرار في العيش، وانعتقوا في الآن نفسه في العار.. جد جميلين".

وهنا في هذا النص نرى علاقة الجمال بالجرح السري للإنسان، ففي كتاب آخر بعنوان "الجرح السري"، لِجَان جينيه ترجمه محمد برادة، وهو عبارة عن حوار بين جينيه والرسام جيوكوماتي، حيث يبيِّن جينيه أنَّ الفن هو اكتشاف لهذا الجرح السري، فليس للجمال أصل سوى الجرح المتفرد المختلف.

ويرى محمد برادة مترجم كتاب "أربع ساعات في شاتيلا"، أنّنا حين نقرأ كتاب "أربع ساعات في شاتيلا" لا نكون عند مجرد وصف للمجازر، فهناك توقف عند قضايا كانت تهم جينيه، مثل: العلاقة بين الموت والجمال. سيدفع هذا النص جينيه لكتابة كتابه "أسير عاشق" بعد سنتين من المجزرة، والذي لم يكن فقط مجرد شهادة عن الفلسطينيين والفهود السود، بل كان عنوانًا لشخصية جينيه الثائر، الذي عاش مهمشًا وطفلًا لقيطًا جرى وضعه خارج المؤسسات، فظل طوال حياته يكتب ليفضح المجتمع الفرنسي الذي ولد فيه، وأصرَّ طوال حياته أنْ يظل إلى جانب المستضعفين، فكيف له ألّا يكون إلى جانب الفلسطينيين.

ثمة مشهد يختم فيه جان جينيه نصه، مشهد يجعلنا نؤمن أنَّ وسط القتل والموت يأخذ الفن روح الجرح، ويحولها إلى جمال رغم قسوة الواقع، فيقول جينيه: "مشهد ملاك أسود متفحم، جثة شاب أو طفل ممدودة في مدخل زقاق ضيق، كانت عيناه جاحظتين، فلا أحد واتته الشجاعة لكي يغمض له جفنيه، فظلت عيناه مفتوحتين، وهو يقول لهم: "لقد رأى كل شيء" حيًا وميتًا وميتًا وحيًا". هو مشهد شعري لم يرَ جينيه مثله إلا في شاتيلا، مشهد إنسان مات وهو يرى كل شيء، هكذا بعد انقطاع 25 عامًا عن الكتابة، عاد جينيه ليكتب عن المجزرة التي ألهمته للإبداع.

مواقف جينيه إزاء القضية الفلسطينية، لا تدخل في دائرة الاستشراق الأدبي أو الشفقة المسيحية التي كان بلا شك بعيدًا عنها. إنَّ حنقه على البرجوازية واصطفافه إلى جانب المسحوقين يبقى صدى مرتدًا لغبنه الشخصي ومعاناته الذاتية المريرة، لم يكن جينيه بهذا المعنى ملتزمًا بقضية سياسية، بل كان يسترد لنفسه سيادة ضائعة في طفولة بائسة، وشباب مطبوع بالتشرد والضياع.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1