تل الزعتر: جنازة الوطن القتيل

بوابة الهدف- انتصار الدّنّان
28-08-2019
خيّم الموت فوق مخيّمهم، لا سنبلة قمح تنده قاطفيها، ولا قطر ة ماء تروي ظمأهم، البئر الّتي كانت موجودة في المخيّم غنّت فوق مياهها جمرات من نار، ودماء من نور.
لم يتبقَ لهم حتّى النّفس، يسيرون على أقدامهم حفاة، تعرش على أجسادهم خربشات العمر، ينامون في زوايا الشّوارع لا على الأسرّة النّاعمة كبقيّة البشر، يأكلون العدس المجفّف، ولا يتناولون المآكل الشّهيّة، يشربون عرقهم الّذي ينسال على وجوههم حتّى يصل إلى شفاههم، ولا يشربون المشارب الطّيّبة.
أشباح اللّيل تطاردهم، حتّى العُصفور الّذي كان ينقر على نافذة أحمد مات، أخذته لعنة الرّصاص، فتّتت ريشه، ليتناثر فوق المخيّم.
لم ينمْ اللّيل، ولم يحرس القمر في تلك اللّيلة باب بيته، بل صرخ به، ليفيق من غفوته، ويحمل جسده الضّئيل، ويفرّ من الموت.
كان القمرُ يشهد معركة الموت والبقاء، يسير فوق جثث الأطفال، والنّساء، والشّيوخ، ظلّ يسير معهم، يرقبهم، وكأنّه في تلك اللّحظات كان يحرس مَنْ بهم ألم.
بدأ الحصارُ على المخيّم، صار أهله كنحلات أصابها الهذيان، فرّوا منه خوفًا من الموت، جاعوا فاقتحموا معمل الغرة؛ لإحضار الطعام منه، فقد كان معملًا للتّمر والعدس.
أم أحمد تريد أنْ تطعم ولدها الوحيد. أحمد لم يتجاوز السّابعة من العمر، كان حزينًا على عُصفوره، فقد صمت لسكوته. لم يطلب الطّعام والماء، بل ظلّ صامتًا.
نقّعت أم أحمد العدس بالماء، وأوهمت ابنها بأنَّه طحين، وجبلته كما تجبل الطّحين، ووضعته على" صاجة"، وخبزته، علّ ابنها أحمد يأكل.
غالبيّة الشباب كانوا يفركون أوراق الشّجر اليابسة؛ ليصنعوا منها السّجائر، ويسيّحون الشّمع ويضعونه في الزّجاجات الفارغة، ويضعون فيها خيطانًا، لينير النّاس بيوتهم لأطول مدة ممكنة.
في معمل التّفاح مات عدد كبير من النّاس، كانوا يدخلونه ليسدوا جوعهم بما تبقى من تفّاحٍ غير مهترئ أو اهترئ نصفه.
كان بعض الشباب الّذين بقوا في المخيّم يخرجون على شكل مجموعات؛ لإحضار الطّعام لمَن تبقّى في المخيّم. كان البعض من الشباب يعودون سالمين، والبعض الآخر يعودون محمّلين على حمالة.
سعدى كان بيتها قريبًا من المعمل، وكانت ترى أولئك الشّبّان الّذين يأتون ليستريحوا قرب بناياتهم من المعارك. كانوا يذهبون لإحضار الماء من البئر، فمنهم مَنْ كان لا يرجع، ومنهم مَنْ يرجع، وقد خسر عضوًا من أعضاء جسده.
تبعثرت أجزاء النّاس، تتقاذفهم بحار لا ضفاف لها، فخرجوا من المخيم. كانت شاحنات النّقل تجرّ أبناء بعض ممن كانوا في الشّاحنة، وتذكر سعدى أنّها شاهدت امرأة من بعلبك كانت تضرب عددًا من الشّباب بعصا رفش. كانت تمسك الشّاب من شعره، وتنزله إلى الأرض، ومن ثمّ تضربه الضربة القاتلة، وتقول: "أحضروا لي مزيدًا من الشّباب، لأنني لم أشفي غليلي حتّى اللّحظة".
عدد كبير من الشّباب كان يتم توقيفهم أمام الحائط، وبلمح البصر ينامون نومتهم الأخيرة، كانوا يطلقون النار عليهم من مسدسات كاتمة للصّوت.
سعدى رأت شخصًا من آل كروم ربطت إحدى رجليه بفان، والأخرى بسيارة، وقُصّ نصفان. وفي أثناء فسخه سمعت صوت عظامه وهي تتكسر. كانوا يفرزون النّساء الكبار في السن لوحدهن، والبنات الصبايا لوحدهن، وفجأة يختفين. جمعوا البنات اللّواتي كنّ بين 17 حتى 25. أولئك البنات أُخِذنَ إلى جهة مجهولة لم تعرفها.
أم سعدى كانت من النّساء الجميلات، وكانت في الثلاثين من عمرها، وعندما علمت بذلك لبست العديد من الملابس حتّى تبدو سمينة، كما شحبرت وجهها حتّى تبدو غير جميلة، كي لا تختفي كما اختفت البنات الأخريات.
هاجت سواكن الوجود، ولم تهدأ إلّا بعد أنْ مات النّاس جميعًا، إمّا جوعًا أو من الرّصاص الّذي اخترق أجسادهم، ورفض أنْ يخرج.
أمسكت أمّها يدها، وسارت بها وأخوتها بعيدًا عن طريق الموت. في الطّريق شاهدوا أم أحمد تلطم خدّيْها اللّذيْن غزاهما الجوع، فقد صمت أحمد كما صمت عُصفوره، ولم يتبقَ لها شيءٌ في الحياة؛ فقرّرتِ الموت.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1