سعاد: تل الزعتر جرح لا يمكن نسيانه- د.انتصار الدّنّان

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
12-08-2019
سكنا في تل الزعتر قبل المجزرة بمدة ستة أشهر، ريثما تنتهي أعمال الترميم في البيت الذي كنا ننوي أن نسكنه في منطقة الدورة ببيروت، ومدة الستة أشهر تلك كانت بداية الأحداث ما بين 1973- 1974، وقد جاء مكان سكننا في منطقة مطرفة قريبة من الأشرفية، قرب معمل كيميائي، في مبنى مؤلف من ستة طوابق، وكان نقيم في الطبقة الرابعة من المبنى الذي كان يقع في منطقة على حدود التماس بين المخيم وقوات الكتائب اللبنانية، وهذه المنطقة كانت محايدة، لكنها كانت على المحور بشكل أساسي، هكذا بدأت سعاد عبد القادر كلامها، وهي شاهدة على المجزرة التي حلت بمخيم تل الزعتر.
ثم تتابع كلامها، قائلة:" كان في المنطقة بئر ماء، وهذه البئر كان الناس يذهبون إليها ليحضروا الماء منها بسبب انقطاعها عن المخيم، وكانت البئر قرب البناية التي نسكن فيها، وبناية أبي شنب التي كان يتم اقتحام المرتزقة منها للمخيم، كانت بجانب البناية التي كنا نسكنها، وكانت الأحداث كلها تدور تقريبا ضمن هذه المنطقة.
في البداية كان الناس( في المخيم) يشعرون بالسعادة حين كانوا يسمعون صوت الرشاش الذي كان اسمه حينها(م.ط.)، فقد كان يعطي الناس الأمان والاطمئنان، وفجأة سكت صوت الرشاش، فشعرنا بأن مخيم تل الزعتر قد انهار.
تتابع: بدأ الحصار على سكان مخيم تل الزعتر، حيث لا طعامًا ولا شرابًا، ولا مواد غذائية، والمياه التي كانت تدخل إلى المخيم ويشربها أبناء المخيم هي مياه البئر التي كانت تلقى فيها جثث الشهداء، حيث خلطت مياه البئر بدماء الشهداء، وكان أهالي المخيم حتى يصلوا إلى البئر يمرون من أمام البناية التي كنا نسكنها، ومع الوقت لم يعد في المخيم طعام فاقتحم أهالي المخيم معمل الغرة لإحضار الطعام منه، وهو معمل للتمر والعدس، وصار الناس ينقعون العدس بالماء ويجبلونه كالطحين، ويضعونه على" صاجة"ويخبز على أساس أنه خبز، وأكثر الشباب كانوا يفركون أوراق الشجر اليابسة، ليصنعوا منه السجائر، ويسيّحون الشمع ويضعونه في الزجاجات الفارغة، ويضعون فيها خيطانًا، لينير الناس بيوتهم لأطول مدة ممكنة.
تضيف، أما في معمل التفاح فقد مات عدد كبير من الناس، فقد كان الناس يدخلونه لإحضار التفاح، ويحضرون صناديق التفاح الذي خرب لطول المدة، فيستصلحون منه ما يستطيعونه ليأكلوه، كما كانت هناك مجموعات تخرج من المخيم لإحضار الطعام، وكان البعض من الشباب يعود سالمًا، والآخر يعود محملًا على حمالة، تتابع: أذكر أنه كان هناك مجموعة فيها عدد من الشباب ممن نعرفهم، أتت لتستريح قرب بنايتنا من المعارك، حيث كانوا يريدون الذهاب إلى البئر لإحضار الماء، وبعد أخذهم قسطًا من الراحة، ذهبوا إلى البئر لإحضار المياه، فمنهم من عاد محملا على حمالة، ومنهم من عاد وقد خسر عضوا من أعضاء جسده.
تتابع: وعندما سقط المخيم، وخرج الناس منه، كانت شاحنات النقل تجر أبناء بعض ممن كانوا في الشاحنة، وأذكر أنه كذلك كانت هناك امرأة من بعلبك يبدو أنها كانت عندها مشكلة مع الفلسطينيين، أحضروا لها أكثر من سبعة شباب، وبدأت تضربهم بعصا رفش، فقد كانت تمسك الشاب من شعره، وتنزله إلى الأرض، ومن ثم تضربه الضربة القاتلة، وتقول:" أحضروا لي مزيدًا من الشباب، لأنني لم أشفي غليلي حتى اللحظة"، هذا عدا الشباب الذين كان يتم توقيفهم أمام الحائط، وما هي إلا لحظات حتى نراهم سقطوا على الأرض، فكانت قوات الكتائب اللبنانية تطلق النار عليهم من مسدسات كاتمة للصوت. كما شاهدنا شخصا من آل كروم ربطت إحدى رجليه بفان، والأخرى بسيارة، وقُسم نصفان. وفي أثناء فسخه سمعنا صوت عظامه وهي تتكسر، ورموه قرب الطريق، والفان الذي شقه، عاد وسار عليه، ومن ثم كانوا يفرزون النساء الكبار في السن لوحدهن، والبنات الصبايا لوحدهن، وفجأة يختفين ولا نعود نراهن، وكانت أعمار الفتيات تتراوح بين سن الـ 17 حتى 25. أولئك البنات أخذن إلى جهة مجهولة ولم نعد نعلم عنهن شيئًا، وبعد مدة صارت وصلت إلى مسامعنا أخبار عن أولئك الفتيات، عن أنه تم إجلاسهن على عبوات زجاجية، وتضيف، لقد كانت من النساء الجميلات، وكانت حينها في الثلاثين من عمرها، وعندما علمت بما حل بالفتيات لبست العديد من الملابس حتى تظهر سمينة، كما (شحبرت) وجهها حتى تظهر غير جميلة، كي لا تأخذها قوات الكتائب وتعتدي عليها.
في تلك الجزرة مات عدد من الناس جوعًا، ولم يعد هناك إمكانية للمقاومة بعد حصار المخيم، مجال للمقاومة، فلا ماء ولاشرابًا، ولا أدوية، فالجريح الذي كان يصاب كانوا يضعون على جرحه الماء والملح فقط، والذي كان يصاب بقدمه أو يده كانت تقطع يده أورجله خوفا من أن يصاب جسده كله.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1