يوميات معتقل فلسطيني: ذاكرة لا تنسى

أجرى الحوار د. انتصار الدّنان وفتحي أبو علي
06-07-2019
في حوار أجراه المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان عضو مكتب العلاقات العربية والإسلامية في حركة المقاومة الإسلامية- حماس، القيادي علي بركة حول اعتقاله إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، قال:"
عندما بدأ الاجتياح الصهيوني في العام 1982 للبنان كنت في الصف الرابع المتوسط، وآخر يوم دراسي كان لنا في مدرسة فلسطين، بمخيم برج الشمالي، جنوب لبنان، في الثالث من شهر حزيران، وكان ذلك يوم الخميس، ففي الرابع منه كان يوم عطلة، وفيه قصفت طائرات العدو الصهيوني مدينة بيروت، ما تم قصف مدينة صور، وعليه توقفت الدراسة يوم السبت، وهذا القصف المكثف كان تمهيدًا لاجتياح لبنان".
وتابع، في يوم الأحد عندما اشتد القصف، كنت في الدكان الذي كان يعمل فيه والدي، فقد كنت حينها أعمل على مساعدته في عمله في الدكان أيام الآحاد والجمع. والدي كان حين وقع القصف قادم من السوق وهو في الطريق، حيث إن الطائرات كانت تقصف منطقة ( المشروع الأخضر) تقع بين مخيم برج الشمالي والمعشوق، وكان فيها رشاشات ومضادات للطيران، والعدو قصف هذه المنطقة قبل الظهر من يوم الأحد.
وبعد الظهر سمعنا صوت رشاشات غريبة، فاعتقدنا أن هناك مشكلة بين الجهة العربية وحركة أمل، خاصة وأن مخيم برج الشمالي فيه مؤسسة لحركة أمل، وكان على الدوام تحصل مشاكل فكرية.
وأضاف، عندما عرفنا أن الصوت هو ناجم عن قصف للطائرات الصهيوني للمنطقة، ذهبنا للاحتماء من أن تطالنا نيران القصف في الملاجئ، وبينما نحن في الملاجئ سمعنا صوت اشتباكات، فعندها خرجنا من الملجأ لمعرفة ما الذي يحصل في الخارج، فوجدنا أن دبابات العدو تحاصر المخيم وتحاول الدخول. جراء ذلك تشكلت مجموعات من الشباب، منها من توجه نحو المداخل الجنوبية للمشروع الأخضر، حيث كان العدو الصهيوني يتقدم من المنطقة الزراعية، وليس من جهة الساحل، فقد دخل المخيم المنطقة من مفرق قانا الواقع بجانب مستشفى الليطاني، ووصل إلى منطقة المعشوق، جنوب غرب البرج الشمالي، لكن أبناء المخيم تصدوا للدبابات الصهيونية، ومنعوها من الدخول إلى المخيم، وكان ذلك في السادس من حزيران، وأنا كنت حينها في السادسة عشرة من عمري، ولم أكن حينها أتبع لأي فصيل، لكن أخوتي وأبي كانوا مع حركة فتح، وأنا حينها أخذت بندقية أبي وخرجت مع شباب المخيم في حي صفوري، شمال مخيم برج الشمالي، وقد قسمنا أنفسنا إلى أقسام عديدة، فالشباب الذين كانت تبلغ أعمارهم من الثامنة عشرة وما فوق دخلوا إلى المناطق الزراعية، ليؤمنوا الحماية للمخيم، والشباب الذين كانوا دون الثامنة عشرة من عمرهم وأنا منهم بقينا في المخيم، ولكن توزعنا على أطراف المخيم، وكنا قد كلفنا بتأمين الحماية للملاجئ.
وتابع، اليوم الأول انقضى، ولم يستطع حينها العدو الدخول إلى المخيم. في اليوم الثاني، وصباحًا، قصفت طائرات العدو الصهيوني مدينة صور، وكان القصف شديدًا، وكنا نشاهد الدمار الذي كان يحصل جراء القصف، وبعد الظهر انتقل القصف إلى مخيم برج الشمالي، وبدأ القصف يطال الملاجئ والمغاور التي يتواجد فيها المدنيون، وارتكب العدو حينها مجازر في المخيم، وقصف ملجأ نادي الحولة، وملجأ جمعية النجدة، ومغارة المغاربة وغيرها، وكان ذلك يوم الإثنين في السابع من حزيران، وعند وقوع المجازر، ما اضطر المقاتلون إلى مغادرة المخيم، وكان ذلك يوم الثلاثاء في الثامن من شهر حزيران، لأن الإسرائيليين كانوا يتمادون في قصفهم، وحفاظًا على المدنيين.
غادر المقاتلون المخيم، وتوجهوا نحو الشمال، وبقي عدد محدود منهم، وطبعًا، بدأ الناس بإسعاف المصابين، وتم حينها وقف إطلاق النار من أجل إسعاف المصابين، في حين أن العدو الصهيوني كان قد استخدم حينها أسلحة محرمة دوليًا، وخاصة سلاح الفسفور ( الكيميائي)، وهذا النوع يسلخ جلد الإنسان عن عظامه.
المجزرة التي وقعت كانت فعلًا جدًّا مخيفة، لن الفلسطينيين لم يستسلموا. في اليوم التالي قرر الأهالي مغادرة المخيم والتوجه نحو جبل عامل، وبالفعل تجمع الأهالي وغادروا المخيم وتوجهوا نحو مؤسسة جبل عامل المجاورة للمخيم، وفي الوقت نفسه ظل البعض في المخيم، فعندما دخل العدو المخيم نادى على من تبقى فيه التجمع وأخرج منها البعض، وبقينا نحن حتى المساء، وعندها صار العدو يفرز الناس، فطلب من كبار السن العودة إلى البيت، أما الشباب فقد طلبوا منهم الوقوف في الصف، وبدأ العدو يختار من الشباب من سيعتقلونه، وعندما وصلوا إلي تم اعتقالي على الفور، وكان ذلك قرب مدرسة فلسطين.
وأضاف، بعد أن تم اعتقالنا، نمنا في البرج الشمالي، وتركونا من دون طعام ولا شراب حتى الصباح. صباح يوم الخميس في العاشر من شهر حزيران عصب العدو أعيننا، وربط أيدينا، وتوجهنا في باصات لبنانية نحو فلسطين المحتلة، وما إن وصلنا الناقورة حتى أنزلونا من الباصات اللبنانية، ونقلونا إلى الباصات الإسرائيلية، وتم إدخالنا إلى فلسطين، وكانت تلك الزيارة الأولى للوطن، وفي أثناء نقلنا مررنا بعكا، وعرفنا ذلك من خلال رائحة التوابل التي كانت منتشرة في الجو، فنحن لم نر شيئًا لأننا كنا معصوبي الأعين، ورؤوسنا تحت المقاعد، وكان يتم ضربنا في أثناء الطريق، ثم أخذونا إلى سجن فيه عنبر يتسع لمائة شخص تقريبًا. وصلنا ليلًا، وفي اليوم التالي تم نقل الأسرى إلى ملعب كبير، وبقينا فيه من الصباح حتى المساء تحت أشعة الشمس الحارقة، وبالكاد كنا نشرب شربة الماء. في هذه المنطقة أجبرونا على نزع ملابسنا عن أجسادنا بالكامل، حتى صرنا عراة، وأعطونا بزز عسكرية، فارتديناها، وقاموا بتصويرنا، ونشر الصور، ليخبروا المجتمع الغربي أنهم اعتقلوا عسكريين وليس مدنيين.
وتابع، بعدها، أحضروا لنا ملابس السجن. أول ثلاثة أيام كانت صعبة جدًا، كان التحقيق قاسيًا، ضرب، وتعذيب، وإهانات. فقد استدعوني للتحقيق وأنا معصوب العينين، ومربط اليدين، وأجلسوني على التراب، وبقيت على هذه الحالة من العصر حتى وقت طويل، وكنت ممنوعًا من الأكل والشراب، حتى إنهم عندما كانوا يرون غفونا يوقظوننا، ويحرموننا من النوم.
عند الفجر استدعوني للتحقيق، أخذوني إلى غرفة صغيرة، دخلتها وإذ بالمحقق يجلس خلف طاولته، وعندما دخلت إلى غرفة التحقيق، بدأت الأسئلة تنهال علي بشكل رهيب، لكن السؤال الأهم كان ( إلى أي فصيل أنتمي). طبعًا، أنا لم أكن منتميًا لأي فصيل، فعمري لم يكن يتجاوز السادسة عشرة، فأجبت المحقق بأنني لا أنتمي لأي فصيل، وأنا مازلت طالبًا في المدرسة، عندها أخرجوني من الغرفة، وأخذوني إلى المكان الذي كنت فيه، وأجلسوني في الخارج. بعد ساعتين، جاءوا إلي، وأخذوني مرة ثانية إلى غرفة التحقيق، وكرر المحقق السؤال ذاته، لكنه في هذه المرة أخبرني إن لم أجب على سؤاله سيفجرونني، فعاودت الإجابة ذاتها، وقلت بأنني لا أنتمي لأي فصيل كان، فرد المحقق علي بالقول:" ليس هناك فلسطيني غير منتم لأي فصيل)، لكن في النهاية، وبعد التكرار في طرح السؤال، وأردت الخلاص أخبرتهم بأنني منتم إلى جيش التحرير، وطبعًا لم يكن أي شخص في جيش التحرير فلي السادسة عشرة من عمره، لأنه لا ينتسب إليه أقل من عمر 18 سنة. بعد أن أنهى المحقق تحقيقه معي، أعادوني إلى العنبر، في المعتقل الذي كنت فيه مع آخرين. بعد أيام قليلة، تم نقلنا إلى معتقل عسكري جديد، كان عبارة عن خيم. في العنبر كان هناك ساحة كبيرة، وكان الجنود يجمعوننا فيها ويقومون بعدنا، وبعد ثلاثة أيام تم نقلنا إلى مكان آخر، كان المعتقل بين البساتين وكان المعتقل من الخيام. كان في المعتقل حمام، لكنه طبعًا كان مكشوفًا، وكان عبارة عن حفرة في الأرض بين الخيام، والحفرة كانت مغطاة بالخشب مفتوح فيها طاقة صغيرة. كان المعتقل يكبت نفسه لساعات من عدم دخول الحمام، لنه بالنهاية كان مضطرًا لذلك. كما كانوا يفرضون علينا أن ننام عند الساعة السادسة مساء، وإن وجدوا أحدنا غير نائم، كانوا يقومون بضربه.
وأضاف، دخل علينا شهر رمضان المبارك ونحن في المعتقل، وكنا نخمن وقت دخول موعد الإفطار في ذلك الوقت.
بعد مرور وقت على دخول شهر رمضان، أخبرنا جنود العدو أنهم سيأخذوننا إلى لبنان، عندها شعرنا بفرح شديد، فقررنا أن نبقى صائمين، وقلنا في أنفسنا أننا نفطر مع أهلنا عند وصولنا، لكننا تفاجأنا بأنهم ربطونا، عندما صعدنا الباص، وطيلة الطريق وهم يضربوننا، ويشتموننا، في الوقت الذي كان ممنوعًا علينا أن نرفع رؤوسنا. كما أجبروننا أن نردد ما يقولونه، إلى أن وصل الأمر إلى شتم أمهاتنا، وعندها رددنا ما قاله الجنود، فغضبوا، وعندها رحنا نضحك عليهم من أجل ما شعروا به، عندها هجموا علينا، وقاموا بضربنا.
وصلنا إلى معتقل أنصار، وعند وصولنا إلى المعتقل قاموا بتوزيعنا على المعتقلات التي كانت في أنصار. حل علينا عيد الفطر المبارك ونحن في المعتقل، لكن قبل العيد بيومين أفرجوا عن كل الأطفال ، وحتى الأكبر مني بسنة وبسنتين، وأنا بقيت معتقلًا. استهجنت الأمر، لكني كنت مرغمًا على القبول بواقع الحال. ونحن في المعتقل صرنا نسمع بأن بيروت تحترق، ولم نكن نصدق الأمر، فالمعارك كانت في الجنوب فقط، ولم نعلم سابقًا أنها امتدت نحو بيروت.
قبل الإفراج عني بثلاثة أيام نادوا علي وعلى كبار السن، ونقلونا إلى معسكر مجاور. كنا 75 شخصًا، وفي ذلك المعسكر بقينا خمسة أيام، وفي تلك المدة حسنوا التعامل معنا لناحية الطعام، والخدمات، ففي السابق لم يكن الطعام متوافرًا بالطريقة ذاتها.
تابع، في التاسع من شهر آب أحضروا باصات، وطلبوا منا الصعود فيها، وبالفعل صعدنا، وسارت بنا الباصات حتى وصلنا إلى منطقة البص، وهناك أنزلونا في بناية عزمي. المهم وصلنا. أدخولنا إلى ( صالون) كبير، حضر الحاكم العسكري، وخطب فينا، إذ قال:" أنتم اليوم ستذهبون إلى بيوتكم، لكننا لا نريدكم أن تقوموا بعمليات تخريبية، وأعطونا الأمانات الخاصة بنا، وختموا بطاقات هوياتنا بالختم العبري، حتى نستطيع المرور. خرجنا وتوجهنا إلى الشارع، ولم يكن أهلنا يعلمون بخروجنا من المعتقل. أنا من مخيم برج الشمالي، وفي مخيم البص عندما خرجنا كان هناك أهل ينتظرون أبناءهم على عادة الأهالي كل يوم. وأنا أسير شاهدت امرأة تقف في الشارع، عندما رأتني توجهت نحوي، وسألتني إن كان زوجها قد خرج معي، زوجها محام كان معي في معتقل أنصار، لكنه لم يخرج معي. عندها طلبت مني أن توصلني إلى بيتي، فأخذتني معها من البص إلى جبل عامل ، ثم أوصلتني إلى بيت أهلي في مخيم برج الشمالي. عندما دخلت البيت نزلت دموع الفرح من عيون أهلي، فلم أكن أعرف متى سأخرج، لأنني لم أكن محكومًا لدى العدو. بدأ الناس يتهافتون إلى بيوتنا عندما علموا بخبر الإفراج عني. بعد فراغ البيت من الضيوف أتاني والدي، وقال لي:" انتبه لكل كلمة تتلفظها، أو أي تصرف، لأن هناك عملاء يعملون لصالح العدو الصهيوني".
في شهر آب تكون أبواب المدارس مغلقة، عدت إلى حياتي الطبيعية حيث إنني عدت إلى العمل في دكان والدي، لأساعده، وبعدها تواصلت مع الشباب من أجل القيام بعمليات ضد العدو، وهنا كنا بحاجة إلى السلاح، واتفق الرأي على البحث عن السلاح في البساتين، والحمدالله وجدنا السلاح، وبدأنا بتشكيل مجموعات ضد الاحتلال الصهيوني، لكن كان ينقصنا التدريب، لأن العدو كان يتحرك في آليات، وتلك الآليات تحتاج إلى العبوات.
في سنة 1985 كنت أدرس في الثانوية الجعفرية بصور، وكنا نقوم في المدرسة بأنشطة عديدة مع الطلاب الذين كانوا يتبعون إلى حركة أمل وحزب الله، وصرنا نقوم بإضرابات، وباعتصامات، وكنت أشارك مع الطلاب اللبنانيين حتى في المناسبات الخاصة بهم، وعندما خُطف الشيخ عباس حرب خرجت مع الطلاب، وشاركت بالاعتصام.
وأنهى كلامه بالقول، قائلًا:" انسحب العدو الصهيوني من صور في شهر نيسان من العام 1985، وطبعا قبل تلك الفترة كنت أقوم بعمليات مع شباب مقاومين ضد العدو الصهيوني".


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1