أعياد بلا أطفالها- د.انتصار الدّنّان

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
08-06-2019
كلما كانت تغطس الشمس في البحر، كانوا يهللون ويصرخون من تلك الصخرات التي كانت في سهل أمام بيتهم، كانوا ينظرون إلى مدينة صيدا بعيون منفتحة نحو المآذن التي كان عددها تسعاً، وكانت كلما أضيئت مئذنة صرخوا، (ضوت أول مادنة، وضوت تاني مادنة)، وهكذا إلى أن تضاء كلها، ثم يسمعون صوت مدفع الإفطار، يليه صوت المؤذن، فيهرع الأطفال إلى بيوتهم حاملين معهم ما تيسر من حلويات، يقضمونها بأفواههم الجائعة، وهم يركضون، لكن أجمل ليلة من ليالي رمضان كانوا ينتظرونها كانت ليلة القدر.
(طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع) أنشودة كانت تصدح بها حناجرهم مع غيرها، لكنها أكثر ما علق بذاكرتهم. في تلك الليلة كانت البنات يرتدين ملابس الصلاة، ويحملن بأيديهن فوانيس شهر رمضان، ويدرن بها في شوارع منطقتهن، كالنجوم التي تدور في السماء.
ليلة القدر كانت تختصر أيام شهر رمضان المبارك ولياليه كلها. كان أولاد الحيّ ينتظرون تلك الليلة بفارغ الصبر، لأنها تؤشر على انقضاء شهر رمضان، ليستقبلوا العيد ببهجته وصخبه.
في تلك الليلة كانوا يبدأون بالتكبير إيذانًا بقدوم العيد، ربما ليشعروا أنفسهم بأنهم يتهيأون لاستقبال العيد. تنقضي مراسم تلك الليلة، ويعودون إلى بيوتهم حاملين في قلوبهم فرحًا لم يكونوا يدركون معناه حينها. كانت هي تحرص على الاستيقاظ باكرًا في يوم العيد، لتسمع صوت المآذن تصدح بتكبيرات العيد التي تدخل الفرحة إلى مسمعها، وتسمع صوت المؤذن يعلن بصوته الرخيم موعد الصلاة، ومن ثم لتسمع خطبة العيد.
كان العيد بالنسبة لها صلاة تربطها بالله فقط، فعندما كان المصلون يفرغون من أداء فريضة صلاة العيد، كانوا يعودون إلى بيوتهم يحفّهم الحنين والشوق إلى أولادهم، ليقدموا لهم التهنئة بحلول العيد، وينقدونهم العيدية التي كانت وما زالت محببة إلى قلوب الأطفال. كانت أذناها تنصتان لكل ذلك الحزن الذي امتلأ به قلبها مذ كانت صغيرة جدًا.
كانت رائحة الشواء تنبعث من كل البيوت المحيطة ببيتها، كانت تضع خرقة بيضاء على أنفها، لتمنع نفسها عن اشتهائها، والحلوى بأشكالها المختلفة تتزين بها طاولات بيوت الجيران، ويفتقدها فمها، لكن برغم ذلك لم يكن لعابها يسيل إذا اصطفت أمامها.
العيد بالنسبة للأولاد أب، وحب، وثياب جديدة، وعيدية، وشواء، فلذلك لم يكن يطرق بابها العيد.
في بعض المرات كانت إذا جاد عليها الأجاود بزكاة أموالهم، كانت تشتري لها أمها ملابس جديدة. صحيح أنها ليست غالية الثمن لكنها جديدة. لم تكن الفرحة تغمر قلبها، لأنها كانت على الدوام تتساءل لماذا ستلبسها، وهي لن تبرح بيتها.
الملابس الجديدة تحتاج إلى أن تخرج إلى ساحة العيد مع الأطفال، ليستمتعوا باللعب بـ(الأراجيح)، وذلك لم تكن تحصل عليه.
حين كانت شمس رمضان تغطس في البحر معلنة انقضاء أيامه، كانت تشعر بشيء من الاختناق والضيق في صدرها، فكانت تحاول احتباس دموعها، حتى لا تشعر بانكسار في داخلها، فكم من أعياد تأتي بلا أطفال، هي حكاية العطور التائهة تظل تتكرر طالما ليس هناك فجر لعيد يأتيهم.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1