العودة المنتظرة-د. انتصار الدّنّان

العربي الجديد
06-05-2019
كانت يداه تلتفّان حول خصرها. كانت تشعر بهما وكأنّهما هالة من نور. كانا يسيران على الرّمل الدّافئ، يلاعب أصابعهما النّاعمة، وتبتسم لهما حجرات الصّوان الصغيرة متعددة الأشكال والألوان. هاج البحر فجأة، كأنه يريد أن يخبرهما شيئًا. لم يكترثا للأمر، وظلّا يسيران بمحاذاة الشّاطئ، تظللهما شمس الربيع الدافئة. لم يكن الكلام رفيقهما في ذلك الوقت. فقط كانا يستمعان لموسيقى البحر، ولأنّات الغربة التي رمت بهما عند ذلك الشاطئ. لكن ما هم، فالمشوار طويل، ولا بدّ أن يكملا سيرهما. لم تتعب هي، ولكنه تعب، وطلب منها الجلوس قليلًا، ليستريحا من عناء السير، فلربما طال المشوار أكثر. رفضت طلبه، ولكنه أصر عليه. جلست مرغمة على صخرة مزروعة في التراب، ربما هي من عهد الكنعانيين أو ربما من العهد الروماني، أو ربما من العصر الحجري، أو ربما من عهد قريب، لكن تلك الصخرة تغرس شروشها في التراب القريب من بلدها.
كان وجهها يلتمع كالزمرد، حين أدارت وجهها نحوه، قائلة له: "ما النفع من جلوسنا هنا"؟
- لنسترح قليلًا من عناء المشي، نراقب الشمس وهي تغطس في البحر.
- منذ إحدى وسبعين سنة، ونحن نجلس في المكان ذاته، نرقب غروب الشمس، ولا جديد، ولا تبديل لشروقها وغيابها، غير أن السنين تسير فينا، ونحن قاعدون هنا، لا نتحرّك. ننتظر الغروب، عل الشروق المنتظر يهل علينا.
تأفّف من كلامها. وقف، وقال لها: "صار كلامك شبيهًا بكلام جدّتي، فهي ما زالت تروي قصّة خروجنا من البلاد، والحلم المنكسر في العودة، وأنا أنتظر".
ـ قعودنا ها هنا ليس مجديًا، بل يجب علينا أن نكمل سيرنا، وانتظار الشمس بشروقها وغروبها لن يجدي نفعا، ودوران الأرض ليس ظاهرة خرافية، بل حقيقة يجب أن نصدّقها.
- ما الخرافة في ما أفعله؟
- الخرافة أنّك ما زلت تنتظر كلّ يوم في المكان ذاته فرضيّة الشروق والغروب، لأن وطني هو الحقيقة التي تشبه ضوء الشمس التي كلما ازدادت إمعانًا في ظهورها شع بريق وطني ونحوه نسير.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1