ندوة تحت عنوان" في الحاجة إلى الكتلة التاريخية"- د. ماهر الطاهر

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
04-05-2019
في ندوة بعنوان "في الحاجة إلى الكتلة التاريخية" وبدعوة من مؤسسة المفكر العربي الكبير الراحل محمد عابد الجابري للفكر والثقافة، وبحضور أكثر من 40 مفكراً ومثقفاً ومناضلاً من مختلف الأقطار العربية.
شارك الدكتور ماهر الطاهر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومسؤول دائرة العلاقات السياسية في أعمال الندوة التي انعقدت في مدينة الرباط يومي 26-27/4/2019. بدعوة من الأستاذ خالد السفياني الأمين العام للمؤسسة. وتقدم الدكتور بمداخلة مكتوبة في اليوم الأول لأعمال الندوة بعنوان "الكتلة التاريخية وتحديات المشروع الصهيوني".
مرفق نص المداخلة
الكتلة التاريخية
وتحديات المشروع الصهيوني
الأصدقاء والرفاق الأعزاء
اسمحوا لي أن أعبر عن سعادتي بوجودي على أرض المغرب الشقيق ،وأن أحييّ الشعب المغربي الأصيل وقواه وفاعلياته، الذي كان دائماً في طليعة الصفوف للدفاع عن القضايا القومية للأمة العربية وفي القلب منها قضية فلسطين.
واسمحوا لي أن أتوجه بعميق الشكر والتحية للمكتب التنفيذي لمؤسسة المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري للفكر والثقافة والأمين العام للمؤسسة الصديق العزيز المناضل خالد السفياني لتوجيه الدعوة لنا للمشاركة في هذه الندوة الهامة حول الحاجة إلى الكتلة التاريخية التي توحد طاقات أمتنا في مواجهة تحديات تاريخية كبرى تتعلق بمصير ومستقبل أجيالنا.
ننقل لكم تحيات شعبكم الفلسطيني المكافح الذي يكتب تاريخه بدم ولحم أبناءه الصامدين الصابرين على أرض قطاع غزة الباسل وفي الضفة والقدس والمحتل من أرضنا عام 1948 وفي كل مواقع اللجوء والشتات قائلاً للعالم أجمع: الأرض أرضنا والقدس قدسنا، والزيتون زيتونن،ا والمسجد مسجدنا والكنيسة كنيستنا، فلسطين لنا من البحر إلى النهر سنقاتل ونقاتل حتى تحريرها كاملة.
الأصدقاء الأعزاء
أود التذكير كمدخل لورقتي إلى مؤتمر لندن أو ما يسمى بمؤتمر كامبل بنرمان الذي دعا إليه حزب المحافظين البريطاني سراً في عام 1905 واستمرت مناقشات المؤتمر الذي ضم الدول الاستعمارية في ذلك الوقت حتى عام 1907 وفي نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سموها وثيقة كامبل نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك مفادها أن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار وأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب وملتقى طرق العالم ومهد الأديان والحضارات، والإشكالية في هذا الشريان كما ذكرت الوثيقة أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان.
وكان من أبرز توصياته إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة- جاهلة- متناحرة وحرمانها من اكتساب العلوم والمعارف التقنية ومحاربة أي توجه وحدوي فيها ودعا المؤتمرإلى إقامة كيان صهيوني في فلسطين يكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الافريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة أبناء هذه المنطقة والفصل ليس فصلاً مادياً عبر الدولة الصهيونية وإنما فصل اقتصادي وسياسي وثقافي.
إن المخططات الاستعمارية التي استهدفت الأمة العربية وتمزيقها تتصاعد وتزداد حدة وتسارعاً وقد تمكنت قوى الاستعمار والصهيونية من خلال هجوم كثيف ومتواصل من الإبقاء على واقع التجزئة والتخلف والتبعية, واستمرار احتلال فلسطين وأجزاء من الأراضي العربية واليوم ينتقل الهجوم وخاصة بعد ما سمي بصفقة القرن إلى مستويات نوعية جديدة لم يعد المواطن العربي قادراً على متابعتها وهو في حال ذهول شديد, وما كان لكل ذلك أن يتحقق لولا استناد المعسكر المعادي لاستراتيجية عمل شاملة ترتكز لمجمل طاقاته وإمكاناته ولولا الاستناد بذات الوقت لقصور وضعف وتفكك وتشوه العامل الذاتي العربي المنشغل بصراعاته المذهبية والطائفية والعرقية وحروبه الداخلية المدمرة مما جعله عاجزاً عن بلورة استراتيجية مجابهة مجتمعة شاملة ترتكز لمجمل طاقات الأمة العربية الظاهرة والكامنة, ومن هنا تبرز الحاجة والضرورة الموضوعية إلى بلورة الكتلة التاريخية التي تحدث عنها المفكر العربي الكبير الأستاذ محمد عابد الجابري وقبل ذلك المفكر اليساري الايطالي انطونيو غرامشي.
إن جوهر الفكرة التي دعا إليها المفكر محمد عابد الجابري ارتباطاً برؤيته للواقع العربي هي دعوته لبناء كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولاً بالتحرر من هيمنة الاستعمار والامبريالية, السياسية والاقتصادية والفكرية, وتتعلق ثانياً بإقامة علاقات اجتماعية متوازية يحكمها إلى درجة كبيرة التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للانتاج. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة, فإن الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بعداً قومياً في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها (مجلة المستقبل العربي نوفمبر 1982). إن المطلوب هو قيام كتلة تاريخيةتبنى على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك في العمق ومن العمق جميع التيارات التي تنجح في جعل اصدائها تتردد بين صفوف الشعب (مجلة اليوم السابع 26 أكتوبر 1987).
هذه الكتلة حسب الجابري "هي تاريخية ليس فقط لكون الأهداف التي تسعى إليها هي أهداف تاريخية, بل لأنها تجسيم لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف إلا الذي يضع نفسه خارجها وضدها".
"إن الفراغ الإيديولوجي القائم الآن ليس من شأنه إلا أن يفسح المجال للتشرذم الفكري والغلو الطائفي والديني والتعصب القبلي تماماً, مثلما أن عدم الارتباط بأهداف وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية يجعل المجهود الفردي الذي تبذله هذه القوى الفاعلة أو تلك, مهدداً بالدوران في حلقة مفرغة, لأن المهام التاريخية المطروحة مهام لا يمكن أن يقوم بها فصيل واحد أو تيار واحد بمفرده,مهما أوتي أصحابه من العزم أو من القدرة على التضحية".
إن التحديات التاريخية الداخلية والخارجية التي تواجه العرب هائلة وكبيرة وخاصة تحدي مواجهة المشروع الصهيوني الذي لا يستهدف الشعب الفلسطيني فحسب, بل يستهدف الأمة العربية بأسرها, وقد تمكن المشروع الصهيوني من استمرار احتلال فلسطين وأراض عربية وتمكن بعد أكثر من سبعة عقود من الصراع في اختراق الساحة العربية وإقامة علاقات مع بلدان عربية, في الوقت الذي لم يتمكن فيه العرب من بلورة مشروع رؤية موحد للمواجهة وطغيان التناقضات والصراعات الداخلية العربية على حساب التناقض الرئيسي مع المشروع الصهيوني.
لقد افتقد العرب في صراعهم مع الصهيونية واسرائيل لمشروع رؤية واضحة الأهداف والمعالم سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى الحركات والأحزاب السياسية ولم يتمكنوا من صياغة رؤى علمية تاريخية موحدة نتيجة الإرتباك والضعف الفكري والثقافي وتباين المصالح وضعف الوعي بحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاده وسبل التصدي له وطغيان التعارضات والانقسامات على حساب التناقض الرئيسي, مما أدى إلى استنزاف الموارد والطاقات وتعميق الشروخ والصراعات, وعدم إدراك مخاطر ذلك في تقوية وتغذية العدو بنقاط قوة إضافية كبيرة.
لم تتمكن القوى السياسية العربية بمختلف اتجاهاتها الفكرية من الوصول إلى صياغة نظرية وعملية سليمة للعلاقة فيما بينها لمواجهة "إسرائيل". حيث اتسمت العلاقة بالتناقض والصراع واختلاف التصورات والوسائل. بينما التحديات الخارجية كانت تفترض التوحد ورؤية المشترك, وهو كبير وواسع, والعمل على تطويره مع فهمحرية الاختلاف والاجتهادات وضبطها على أساس القواسم المشتركة وضرورة وجود ناظم عام من الأساسيات يجمع مختلف الاتجاهات.
إن الاخفاق الذي تجلى على هذا الصعيد يعود في بعض جوانبه لخلل معرفي لدى القوى بتياراتها المختلفة والتي لم تستطع أن ترى الواقع العربي بكل مكوناته وتراثه وتاريخه وتجاذباته السياسية والاجتماعية والفكرية.
لا شك أن ضبابية وعدم وضوح الرؤيا وما ترتب عن ذلك من فشل في مواجهة المشروع الصهيوني والقوى الداعمة له ناجم بالأساس عن غياب وعدم تبلور المشروع النهضوي العربي بكامل أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية.
لا شك أن القوى والاتجاهات الفكرية- السياسية في الساحة العربية بمختلف تياراتها قدمت اجتهادات ورؤى للنهوض بالمجتمع العربي ومواجهة التحديات الخارجية, لكن كلاً منها كان يدعي امتلاكه للحقيقة ويظن أن برنامجه ورؤيته وأدواته ستكفل تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات التي يطمح إليها الإنسان العربي.
اختلفت الآراء والاجتهادات النظرية والعملية سواء على صعيد عملية البناء المجتمعي الداخلي أو على صعيد مجابهة التحديات الخارجية وفي القلب منها التحدي الصهيوني. وكان من الطبيعي والمفهوم أن تختلف التصورات والأفكار لقوى وتيارات فكرية- سياسية متباينة المنابت والاتجاهات. لكن ماهو غير طبيعي وصحيح سيادة روح الاحتراب والتصادم بين هذه القوى وطغيان التعارضات والتناقضات على حساب التناقض الرئيسي والخطر الداهم الذي مثله المشروع الصهيوني وعلى حساب المجتمع.
لقد قدمت الاتجاهات المختلفة اجتهادات سليمة واجتهادات خاطئة, ولا تستطيع قوة أو اتجاه أن يدعي انه قدم مشروعاً متكاملاً متبلوراً على الصعيد النظري وعلى صعيد الممارسة, وعلى الجميع باعتقادنا أن يعيد قراءة تجربته قراءة نقدية جريئة لاستخلاص الدروس والاستفادة منها. فالقوى الشيوعية لم تستطع الإمساك بالخصوصية القومية وتحدياتها, ولم تعط هذا المرتكز الهام والجوهري الأهمية التي تستحق. والقوى القومية ركزت على الشعارات الاستراتيجية وسادت أطروحاتها نزعة رومانسية عاطفية رفعت شعارات كبرى, لكن لم يجر التدقيق والدراسة في العناصر والعوامل الأساسية التي يمكن أن تجعل من هذه الشعارات ومن الحركة الجماهيرية الواسعة قوة مادية لتغيير الواقع. فقد تمحور الفكر القومي حول شعارات بعيدة المدى دون أن يرى الوسائل المفضية إلى تحقيقها فقدس الوحدة والعروبة ونسي الواقع وتعقيداته. والقوى الإسلامية وقفت موقفاً سلبياً غير منفتح من الأفكار الأخرى التي تقع خارج نظاق رؤيتها الفكرية.
هذا الواقع قاد إلى علاقة مأزومة بين القوى المختلفة, حيث هيمنت في الممارسة عملية نفي الآخر الأمر الذي أدى إلى صدام شبه دائم فيما بينها وضعفت إلى حد بعيد إمكانيات العمل المشترك لمجابهة الخطر المشترك.
جهد الاستعمار لمواجهة الدين والإسلام السياسي مع القومية العربية والاشتراكية وعمل كل ما يستطيع لاستغلال وتعميق النزاعات الايديولوجية والسياسية والمذهبية والدينية والطائفية في المنطقة ومن نافل القول إن الرد على ذلك لن يكون إلا من خلال التنسيق والتفاهم حول الأهداف الوطنية والقومية والنضال المشترك لتحقيقها.
أفرزت تجربة سبعين عاماً من الصراع دروساً عديدة في مقدمتها ضرورة إعادة قراءة تجارب الأحزاب لذاتها قراءة نقدية أولاً, وقراءة تجارب الأحزاب وتجارب القوى الأخرى لمعرفة الجوانب السليمة والصحيحة في أطروحتها. أي بات مطلوباً من اليسار أن يعيد قراءة أطروحات وأفكار التيار القومي والحركة الإسلامية, ومطلوب من الإسلام السياسي المتنور أن يعيد قراءة وتقييم التجارب والأفكار القومية واليسارية بهدف معرفة الآخر معرفة حقيقية علمية بهدف تعميق التحالف السياسي لخلق أوسع جبهة عربية على الصعيد الوطني وعلى المستوى القومي لمواجهة الاستحقاقات والتحديات الداخلية والخارجية.
إن الفكر اليساري قدم رؤية متقدمة للوحة التناقضات الاجتماعية وتحقيق العدالة والديمقراطية بين أبناء المجتمع, والفكر القومي قدم رؤية صائبة لأهمية وضرورة الوحدة العربية والحاجة الموضوعية لها في مواجهة التجزئة والاستعمار, والفكر الإسلامييحمل الموروث الحضاري للأمة وأسهمت أجنحته المجاهدة في الكفاح والمقاومة. لذلك فإن التناقض الرئيسي هو بين جميع هذه القوى مجتمعة وبين الصهيونية والاستعمار الحاضرين بقوى ملموسة تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية في الصميم.
ينبغي بناء تحالف عريض ينطلق من السياسي ويؤجل الايديولوجي إلى مراحل لاحقة.. هذا على صعيد الأحزاب والحركات السياسية, وأما على المستوى الرسمي العربي فتجدر الإشارة إلى أنه لم تكن صحيحة وذات مصداقية خلال السبعين عاماً الماضية للكثير من الأنظمة العربية مقولة أن الصراع العربي الصهيوني مثل أولوية بالنسبة لها, بل استغل شعار قضية فلسطين جوهر الصراع في غايات ضيقة لصالح بعض الأنطمة الحاكمة وفي الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تكرس وجودها على أرض فلسطين, كان النظام العربي الرسمي يعاني جملة واسعة من التناقضات والتعارضات وتضارب المصالح والسياسات وبينما كان التحالف الامبريالي يعزز مواقع هجومه على الوطن العربي مستهدفاً إخضاعه كان مشروع الدولة /السلطة العربية/ يتبلور في كيانات قطرية همها الأساسي المحافظة على هذه الكيانات وبالتالي احتلت قضية فلسطين والصراع حولها درجات متفاوتة في سلم برامج هذه الأنظمة.
ولئن استشعر البعض خطورة ما تمثله إسرائيل في المنطقة وضرورة مواجهتها بصورة جماعية تستدعي إخضاع الموارد والإمكانيات العربية لصالح المواجهة وتحدي المخاطر, كان البعض الآخر ينأى عن هذه المواجهة عملياً وبالتالي أصبحت أولوياته حماية سلطته. وفي محاولة للتنصل من الالتزام بالقضية القومية رفعت تلك الأنظمة شعار نقبل ما يقبل به الفلسطينيون للتحرر من الأعباء والهموم.
شهد النظام العربي الرسمي حالات مد وجزر, لكن الصورة بالمحصلة كانت تسير نحو التراجع والتردي, وقد عجزت جامعة الدول العربية عن تطبيق مواثيقها, كما عجزت عن تسوية المنازعات والتناقضات الداخلية بين الدول العربية بما يحول دون تفاقمها واستفادة الأعداء من انفجاراتها غير المحكومة.
لم تنجح الدول العربية في ضبط تناقضاتها ضمن إطار ناظم عام, وحكم العلاقات فيما بينها في أحيان كثيرة عنصر التصادم والاحتراب, وبالمقابل, فإن إسرائيل تعاملت مع تناقضاتها وتباينات قواها السياسية والفكرية على قاعدة تغليب المصالح العليا للمشروع الصهيوني, وأخضعت تناقضاتها الداخلية لمصحلة تناقضها الأول مع العرب.
"إن نظرة موضوعية نحو الخلف سوف توضح أن كماً هائلاً من الصراعات الداخلية اجتاحت أقطار الوطن العربي ودفعتها بعيداً عن الهم الوطني والقومي مما أفضى إلى تقوقع إقليمي مصحوب بوعي ضيق الأفق والنظرة وانشداد نحو الهم الخاص. ومن هنا, فإن الانشداد أو تغليب التناقضات الثانوية على الرئيسية كان له انعكاس موضوعي في الوعي العام الوطني والقومي وله ديناميات داخلية أفضت إلى مستوى الانحدار الفكري والسياسي يعمل على انتاج وعي مشوه. كأن يصبح الخوف من الجار العربي أكبر من الخوف من العدو الصهيوني ويصبح الأمن القطري أهم من الأمن القومي, والأخطر أن تفضي النزعة الإقليمية إلى الإستقواء بالإسرائيلي على القطر العربي الآخر".
لم تنجح الحركة الصهيونية وإسرائيل في ضبط التناقضات الداخلية فحسب, بل نجحتا في تعظيم مواطن قوتهما على المستوى الداخلي وعلى المستويين الإقليمي والدولي, في الوقت الذي لم ننجح فيه كعرب في نسج تحالفات دولية وفق رؤية شمولية إلى أن أصبحنا نواجه ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
لقد توهم قسم من الأنظمة العربية أن إسرائيل لن تتوسع وستكتفي بما حصلت عليه نتيجة قصور في رؤية الأهداف الحقيقية الكبرى للمشروع الصهيوني الذي يطمح للوصول إلى منابع النفط العربية والتطلع إلى ما وراء الصحراء, وبالتالي يخطئ من يظن أن إسرائيل ستقف عند الحد الذي وصلت إليه إن لم تواجه باستراتيجية عمل شاملة وبعيدة المدى. كما توهمت أنظمة عربية أن توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة والإرتباط الوثيق بها قد يجعل أمريكا تحد من اندفاععمق علاقاتها مع إسرائيل لتقيم علاقات متوازنة مع الجانبين العربي والإسرائيلي لكن هذه الأوهام يدحضها الواقع المشخص كل يوم, فالولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر للأنظمة العربية الوثيقة الصلة بها كحلفاء, بل مجرد قوى تابعة مطلوب منها تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة, وقد انتقل هذا الوهم لدى بعض العرب إلى القيادة الرسمية الفلسطينية التي راهنت على تحالف مع أمريكا قد يعطيها بعض المكاسب على حساب إسرائيل.
إن أوهام التحالف مع أمريكا أسقطتها تجربة الصراع مع إسرائيل, كما أسقطت من قبلها أوهام التحالف مع بريطانيا لعلها تقف إلى جانب العرب لتحقيق استقلالهم.
لا جدال في أن الولايات المتحدة يكمن تحالفها الحقيقي والاستراتيجي مع إسرائيل وبالتالي فإن معركتنا مع إسرائيل طويلة ومعقدة وذات أفق تاريخي مديد.
إن بناء الكتلة التاريخية التي تضم القوى والتيارات والقوى والفاعليات السياسية والنقابات وقوى المجتمع المدني كافة، وتوحيد طاقات الأمة المؤمنة والملتزمة بالمشروع النهضوي العربي ومواجهة الاستعمار والصهيونية هو الطريق لمواجهة التحديات الكبرى للولوج إلى واقع وعصر عربي جديد.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1