صدى القيد: حكايات متعددة لأشكال القهر- د. انتصار الدّنّان

بوابة الهدف
21-04-2019
هي حكاية الوطن السجين بين أيدي سجانين أطبقوا بكلبشاتهم على كل ذرة هواء فيه.
هم الطّلقاء، ونحن السّجناء، يصح قول ذلك في كتاب صدى القيد للأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات، الصادر عن دار الفارابي.
نحن نتنفس الهواء، ونروح ونجيء طيلة ساعات استيقاظنا، ولا ندرك معنى لأبواب قد تنغلق علينا، لأنه لا يدرك معنى السجن من لم يدخله، وقبع خلف جدرانه، حتى لثوان معدودة. ولمجرد التفكير بالسجن، وبتلك القضبان، وبالسجانين، تشعر باختناق يخربش على صدرك، فالفكرة لمجرد أنها فكرة فهي مرعبة، فكيف بالذين مازالوا يقبعون خلف جدرانه منذ سنين.
فكرة السجن لوحدها تشعرك بالقهر، وبالعجز عن القيام بأي شيء، يمنعك حتى عن الصراخ أمام محكمة غير شرعية بالأساس، فكيف بأسير يقبع بين زنازين القهر؟ والتهمة: " الدفاع عن أرضه".
يريد ذلك الأسير استرداد أرضه من براثن عدو غاصب، يجهد في انتزاع شرعية وجوده.
في كتاب صدى القيد، تعيش في المعتقل لحظة بلحظة، وتحس القهر، تشعر بالعجز. لا تستطيع الصراخ.
فكيف بالعزل الانفرادي؟
فيه تشعر بأنك مجرد هراء، ترقد وحدك في غرفة تضيق بالفراش الموضوع على الأرض لتلقي جسدك المنهك عليه، تقتل إنسانيتك، وتعيش وحيدًا منعزلًا عن رفقاء معك في السجن، بعد أن انعزلت عن العالم، في خطوة أولى.
في العزل تصير مجرد رقم، لا تعرف ليلك من نهارك، لا تشعر بطعم السماء، وضوء القمر، ولا بدفء الشمس تنسرب أشعتها الخفيفة إليك مع زقزقة العصافير صباحًا، إلّا ربما من بعض فتحات واهنة. في العزل تنسى الأيام، ولا يعنيك أن تعدها، فكلها متشابهة، فالإثنين شبيه بالأربعاء، والأحد، لكن التشابه الوحيد الذي يجمع بينها هو مرورها بطيئة.
في العزل، تنام على الأرض، تشاركك الغرفة الجرذان والقوارض التي تشعر بأنها تغزوك كما غزا العدو وطنك، واستباح أرضك وعرضك. لا أحد يمنعها من الاقتراب منك، فهي تشعر بأنك أنت الدخيل عليها، فتحاول أن تغزوك، وأنت عاجز أمامها، إلى أن تتدخل العناية الإلهية وتمنعها عنك.
في صدى القيد تتعرف على وسائل التعذيب التي يجيدها العدو، كما يجيد استباحة وطنك كله.
في تلك الزنازين التي يدفع المسجونون فيها حياتهم تضحية لحريتنا، تتغير سماءهم، وأرضهم، وألبستهم، وأطعمتهم، وحتى الفراش، فسقف الزنزانة هو السماء، والأرض بعض من خربشات تمد عليها قدماك إن استطعت ذلك، في تلك الغرفة سرير صدئ مقرف، بجانبه مرحاض، بجانب صحن الطعام، خلف نافذة صغيرة جدًا لا تجرؤ الشمس حتى الدخول منها إلى الزنزانة، لتدغدغ روحك، وتشعرك أنك على قيد الحياة.
كل تلك الكلمات المتشابكة أحداثها ببعضها البعض تشعرك كم أنت ضعيف أمام تلك التضحيات الجسام، والقهر الذي يعانيه السجناء.
عندما نسمع بلفظة الشمس، نحاول التخفيف من وقع تلك الكلمة على السجين، ونحاول اعتبارها مجرد كلمة، وإذا كان كل ذلك يحدث في الزنزانة، فكيف يكون حال من يحكم عليه بالأسر الانفرادي مدة طويلة، قد تتجاوز الأيام، والأشهر، والسنين؟
في ذلك الأسر الانفرادي يعيش الأسير مع نفسه، مع روحه، لا شيء يؤنس روحه، ولا حتى وقع أقدام السجانين الذين يروحون ويجيئون. أي ظلم يعيشه المسجون؟ ما هي القدرة التي يتحلى بها؟ لماذا يعجز العالم عن مواجهة ذلك الظلم المنسي والمتمادي؟
أي نوع من الرجال والنساء أولئك الذين يعيشون تلك التجربة؟
ولأن سعدات رجل مرحلة اقتضت عليه أن يضحي لأجلها، اختلفت رؤيته للسجن، فهو لم يكتب عن نفسه، ولا عن تجربته في السجن الذي مازال فيه، كان في كل ما كتبه يصف السجن بكل ما فيه من بشاعة تطبق على صدور الرجال الرجال.
في صدى القيد، ينقل لنا مشاهداته بشكل تدريجي، ودقيق، بطريقة تشعرك وكأنك تعيش معه، فتشمئز. تشعر بغضب ينتهشك، لأنك تشعر بعجزك أمام هول ما يعانيه المساجين من ظلم وقهر. هي القضية، يصفها لنا كما هي، قضية الحق الذي يبحث عنه الأسرى. غير أن سعدات في تدرجه بالوصف لا يشعرك بأنه يتألم، أو أنه منكسر، بل يشعرك بأنه القائد الذي يبذل أقصى جهده في تحمل كل ما يحدث من حوله، فهو يتحدث عن آلام ومعاناة الأسرى الذين يقبعون في زنازين القهر.
في وصفه للسجن يشعرنا بأنا معه داخل ذلك القاووش الذي لا يطاق، والزنزانة التي تشبه المقبرة، والمحكمة التي ليس العدل من أساسها.
إن سعدات في كتاب صدى القيد لم يظهر لنا ضعفًا، في أية صفحة من صفحاته الـ 189، بل راح يثبت انتصار الحياة وإرادة البقاء، والإيمان بالقضية.
في كتاب سعدات لم نر وصفًا لأماكن متعددة، لأن وصفه انحصر في تلك الزنزانة التي أفنى الأسرى عمرهم فيها، ولأن سعدات لربما نسي معالم الأماكن في الخارج بعد وجوده في السجن من سنين.
فالزنزانة تأقلمت بضيفها الذي مازال زائرا لها منذ سنين.
الزنزانة التي تستضيف صاحب الكتاب طولها متر وثمانون سنتم، وعرضها 140 سنتم أو أكثر بقليل. وفيها مرحاض أرضي، ونافذة بعرض الكف، وخرم في جدار. حوائط وسخة ترشح عفونة ورطوبة، وفي تلك الزنزانة ينام الأسير، ويجلس، ولا يسير، والانتظار سيد الموقف.
يعيش وحده، يقضي حاجته، ويعيش وحده، باستثناء حارس السجن الذي يحضر لاصطحابه إلى باحة كل 24 ساعة، ولمدة ستين دقيقة فقط.
في هذا الكتاب يسجل سعدات للخروقات القانونية التي يقوم بها العدو، وللاعتداءات المتكررة بحق المساجين منتهكة القوانين الدولية، يسجل للتجاهل الإنساني لقضية الأسرى العادلة، يسجل للظلم والتنكيل بالأسرى، لكن برغم ذلك، فسعدات يرينا أنه ورفاقه ليسوا في منتزه، ولا في فندق من خمس نجوم، ووجودهم في تلك الزنازين لإيمانهم بقضيتهم العادلة، وبالصراع بين الظالم والمظلوم، بين مستعمر ومُستَعْمَر، بين احتلال ومقاومة.
سعدات في كتابه، ينقل لنا تجربة الأسر الانفرادي، يصف الاستنزاف اليومي الذي يواجهه الأسير المعزول، والاستنزاف النفسي والعصبي، لأن الأسير في العزل الانفرادي ينسى تفاصيل الحياة، ينسى صوت الريح والمطر، ينسى شروق الشمس وضوء القمر، ينسى الصيف والشتاء، لكن لا ينسى أن الشمس وإن طال غروبها سيأتي وقت وتشرق من جديد.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1