الرصاصة التي قتلت جسد الوطن معروفة- خليل المتبولي

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
03-03-2019
أطلق النار ، واختفى . هل لبس طاقية الإخفاء ، أم أنّ قوّةً ما ألبسته الطاقية وأخفته ؟! اختفى أم أُخفي؟ بالنسبة لنا معلوم الهوية ومعروف كيف نفّذ عمليته وبأمرٍ ممّن ؟ صدر الأمر ، وأُعطي إلى عسكري ضعيف النفس والإرادة ، تمتلكه نزعة شيطانية مشوبة بحب القتل ، حمل رشاشه ونزل من سيارته العسكرية ، وأدار ظهره إلى الحائط وأسند جسده على السيارة ، والرشاش بيده موجّهٌ باتجاه معروف سعد الذي كان يتقدّم تظاهرة شعبية سلمية تأييدًا لمطالب صيادي الأسماك ، واحتجاجًا على إنشاء شركة بروتيين التي تتولى صيد الأسماك بواسطة بواخر الصيد وآلات الجرف الحديثة ، وكانت صحته غير جيدة بسبب (كريب) حاد ، إلا أنه أصرّ على النزول إلى الشارع مع المواطنين لأنّه لا يريد أن يخزل المعترين ...
هل عندما صوّب العسكري رشاشه باتجاه معروف لم يستطع أن يرى في عينيه حب الناس والدفاع عنهم ؟ ألم يستطع أن يلمس في قلبه مشاعر الشفقة والرحمة على المظلومين والمقهورين ، ويستشفّ الكم الهائل من صلابة الدفاع والنضال والثورة ؟ بماذا كان يفكّر في تلك اللحظة ؟ ألم يعلم أن تصويبة رصاصته هذه ستقلب البلد رأسًا على عقب ؟ ألم يدرك أنّ معروف سعد أبا الفقراء والمناضل الثوري والمجاهد لا يُستحق أن يُطلق النار عليه غدرًا ؟ ألم يكن يعلم أن معروف سعد كان قائدًا ثوريًا ومجاهدًا مناضلًا وزعيمًا شعبيًا وسياسيًا فذًّا ؟ بماذا كان يفكّر هذا العسكري الجبان في ذلك اليوم المشؤوم في 26 شباط من عام 1975 ؟

ألم يكن يعلم أيضًا ، أنّ معروف سعد هذا الرجل الجبّار تمكّن من استقطاب الصيداويين من الزاوية العربية الفلسطينية والشعبية وذلك عندما شكّلت الأحداث العربية السياسية التي بدأت في الظهور منذ عام 1948 (عام النكبة) وما تلاه من إنقلابات في سوريا ومصر ، مناخاتٍ تَوَلّدَ عنها ظهور تيار قومي عربي ، استطاع أن يمدّ نفسه إلى كل المواقع العربية ومن ضمنها صيدا ، وراح إستقطاب معروف ينمو بعد ثورة جمال عبد الناصر في مصر ، هنا بدأ معروف سعد يشكّل النقيض الشعبي الوطني لزعماء صيدا الأغنياء ومعظم عائلاتها ، فقد التفّت حوله الفئات الشعبية المتنوعة ، من عمّال صيدا وتجارها الصغار ، وتحدّد هذا الإستقطاب بالجماهير العماليّة ، وخاصة صيادي الأسماك وعمال البساتين من جهة ، وبالطلاب والمتعاطين بالعمل السياسي العربي من جهة ثانية ، حتى أصبح زعيمًا سياسيًا شعبيًا بامتياز ...

صوّب هذا الجندي اللعين رشاشه باتجاه معروف سعد بلا وعي محسوب ، ولا مخافة ولا توجس ، تواطأ مع عبثية القرار ، احتضن الأمر المُعطى له بقسوة ، انسحب من عالمه ومن تاريخه ، وجعل القتل مباحًا في وعيه المؤدلج ، ضغط بإصبعه على الزناد ، صاحَبَ رصاصةَ الغدر ، وتركها تنطلق لتستقر في جسد معروف سعد ، هاجت الجماهير وراحت تصرخ ، صعد اللّهب ، واشتعلت الحرائق في المدن ، واجتاح الضجيج العالم ، بلا وعي وبلا حواس شاهد السقوط بعينيه الحاقدتين ، وانطلق ليختفي ؛. إختفى لا لن يختفي إنه معلوم لكن مّن اختفى هو ملف القضية ، أو بالأحرى ألبسوه طاقية الإخفاء ، وجعلوه في خبر كان ...

رغم ذلك وبعد مرور 44 سنة ما زالت مسيرة معروف سعد مستمرة ، مسيرة نضال وكفاح وثورة ، مسيرة وقفات واحتجاجات وتحركات شعبية ، مسيرة عمل يومي مع الجماهير الشعبية ..


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1