كيف تحولنا إلى مجرد "دماغ"

ترجمة وتحرير أحمد مصطفى جابر
21-01-2019
مقدمة المترجم:

لطالما كانت ثنائية الوراثة والبيئة، في صلب الدراسات النفسية، خصوصا، ومنها ظهرت مدارس التحليل النفسي والصحة النفسية، وعلم الأعصاب، واستخدمت هذه الثنائية في حروب، ليس فقط علمية، بل أيدلوجية سياسية أيضا، وحاول كل طرف إثبات صحة نظريته، بين قائل إن الإنسان هو نتاج بيئته وظروفه الاجتماعية، ومن يقول إن ماهية الإنسان محددة قبليا في جيناته، وليس لها إلا أن تحصل على المحرّض المناسب لتظهر دون تدخل خارجي.

هذا النقاش أنتج علم الأعصاب، الذي يحيل بتكثيف شديد الإنسان وما هو عليه إلى بنيته العصبية وتحديدا إلى دماغه.

هذا النص الذي كتبه البروفيسور الإسباني فرناندو فيدال، يناقش نقديا مزاعم أبحاث علم الأعصاب بتفرعاته العديدة، ويضيئ على المآخذ والانتقادات الرئيسية في ادعاءات هذا العلم التي تقوم باختصار وتكثيف على أن فهم الدماغ البشري وتفسيره جدير بفهم الإنسان وكل شيء يخصه.

فيما يلي ترجمة منقحة للنص الذي كتبه في الأصل فرناندو فيدال ( أستاذ في معهد البحوث والدراسات المتقدمة الكاتالانية، ومركز تاريخ العلوم في الجامعة المستقلة في برشلونة، يركز أبحاثه على تاريخ العلوم السلوكية من العصر الحديث إلى الحاضر، ومؤخرا نشر كتابه " أن تكون دماغا: صنع الموضوع الدماغي" ، بالاشتراك مع فرانسيسكو أورتيجا) في موقع مجلة (هذا الزمان: هزمن هزيه) بالعبرية وهي مجلة تصدر عن معهد فان لير في القدس المحتلة، وترجم النص الأصلي المعد للمجلة إلى العبرية من قبل عنا غال أون.

وتم تنقيح النص بالإطلاع على مراجعات الكتاب ونصوص منشورة حوله من قبل الكاتبين، ويمكن الاطلاع على المزيد من المادة العلمية باللغة الانكليزية على هذا الموقع هنا ، ويمكن أيضا الاطلاع على النص العبري من موقع المجلة هنا ].

يعتبر الرأي القائل بأن تفسير أسرار العقل البشري هو أفضل طريقة لفهم الوجود البشري بديهيا الآن تقريبا، لكن هذا النهج، الذي يميل إلى اختصار الشخصية إلى عنصر واحد لم يتم إثباته في البحث العلمي، بل نتج في الواقع عن سلسلة من التغييرات السياسية والفلسفية التي بدأت في القرن السابع عشر، ويرى الكاتب أنه قد حان الوقت كي نتحرر منها.

نعيش في عصر هيمن فيه الخيال العلمي وأحال الناس وشخصياتهم إلى مجرد عقول، وهو نهج تبناه العديد من الخبراء في علم الأعصاب، وتم تضخيمه ونشره عبر وسائل الإعلام، وينص على أن معرفة الدماغ ستوفر تفسيرا لكل أنواع التجارب والسلوك البشري، وتكرار هذا الإدعاء مرارا وتكرارا رسخه أكثر لدرجة أن عالم دماغ ذائع الصيت مثل رفائيل لوسث قال "عندما نفهم العقل، ستفهم الإنسانية نفسها من الداخل للمرة الأولى". ولوسث هو عالم ريادي رفيع في أبحاث الدماغ في مبادرة BRAIN)) ، وذهب في شرح هذا الفهم، للقول: "كان هناك ثورة في الثقافة، وسوف يؤدي إلى تحول في كثير من المجالات، بما في ذلك التعليم، والنظام القانوني والاقتصاد ." وقال: "ستكون إنسانية جديدة".

[ مبادرة الدماغ brain initiative: هي مبادرة أمريكية ذات طابع فيدرالي تشارك فيها الوكالات الحكومية الفدرالية، وقادة القطاع الخاص، والمؤسسات الخيرية، والمنظمات غير الربحية، وتستند المبادرة حسب ما تعرف نفسها إلى التالي:

بوجود ما يقرب من 100 مليار عصبون و 100 تريليون وصلة، يبقى الدماغ البشري واحداً من أعظم الألغاز في العلم وأحد أكبر التحديات في الطب . الاضطرابات العصبية والنفسية، مثل: مرض الزهايمر، ومرض باركنسون، والتوحد، والصرع، والشيزوفرينيا، والاكتئاب، وإصابات الدماغ المؤلمة، تشكل خسائر فادحة على الأفراد والأسر والمجتمع. على الرغم من التطورات العديدة في علم الأعصاب في السنوات الأخيرة، فإن الأسباب الكامنة وراء معظم الحالات العصبية والنفسية لا تزال غير معروفة إلى حد كبير، بسبب التعقيد الكبير للدماغ البشري . إذا أردنا تطوير طرق فعالة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من هذه الظروف المدمرة، سيحتاج الباحثون أولاً إلى ترسانة أكثر اكتمالاً من الأدوات والمعلومات لفهم كيفية عمل الدماغ في كل من الصحة والمرض- المترجم]

تُسمع أقوال مماثلة في جميع أنحاء العالم، من الحائزين على جائزة نوبل إلى المدونين المستقلين وهذه الوعود الرائعة ليست جديدة في عالم العلم: فقد تم تقديم وعود مطابقة تقريبًا منذ مائة عام، لكن الآن يبدو أن هذه الآراء مأخوذة بجدية أكبر، ويتم تقديمها كحقائق، كتوقع واقعي للتطورات الأخيرة في علم الأعصاب.

تزامنت بداية عصر الدماغ الحالي مع السنوات الأولى بعد الحرب الباردة، ففي عام 1990، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب "عقد الدماغ" لـ "رفع الوعي العام" لأهمية أبحاث الدماغ، و في هذه السنوات، ازداد عدد المقالات البحثية عن الدماغ بشكل يفوق الإدراك، وتضاعف عدد الدوريات التي تم نشر هذه المقالات فيها، وبعد ربع قرن من الزمان في عام 2013، بلغ الدعم المالي لأبحاث الأعصاب ذروته مع إطلاق مشروع الدماغ البشري (human brain project) من الاتحاد الأوروبي، بميزانية مليار يورو، وإطلاق برنامج BRAIN الأمريكي، الذي كان بميزانية ثلاثة مليارات دولار.

[يقوم مشروع الدماغ البشري الأوربي HBP human brain project ببناء بنية تحتية بحثية للمساعدة في تقدم علم الأعصاب والطب والحوسبة، وهو واحد من أكبر مشروعين علميين تم تمويلهما من قبل الاتحاد الأوروبي.

وقد بدأ هذا المشروع الذي مدته 10 سنوات في عام 2013 ويوظف بشكل مباشر حوالي 500 عالم في أكثر من 100 جامعة ومستشفيات تعليمية ومراكز أبحاث في جميع أنحاء أوروبا- المترجم]

خلال هذه السنوات، وحتى الآن، عكف الباحثون من مختلف المجالات المستخدمة في علم الأعصاب للتحقيق في مسائل المعنى الثقافي وتعقيدها على نطاق واسع خصوصا في مجالي الاجتماعية والخصوصية - هذا النوع من الأسئلة التي تطرح عادة في تخصصات مثل الفلسفة والتاريخ أو علم الإنسان- وقد اجتذب ارتفاع علم الأعصاب العديد من الباحثين في مجال العلوم السلوكية وفتح العديد من التخصصات الفرعية في علم الأعصاب مثل الأنثروبولوجيا العصبية وعلم الجمال العصبي Neuroscience وعلم أعصاب التعليم Neurology Education والعلاقة بين علم الأعصاب والاقتصاد، والأخلاق والتاريخ والتحليل النفسي وأيضا علم اللاهوت العصبي.

يعكس هذا الاتجاه الأكاديمي ظاهرة أوسع تحدث خارج البرج العاجي للأكاديميا ومختبرات البحث ومن الأمثلة على ذلك حقيقة أن المعهد الوطني للصحة العقلية، وهو أكبر منظمة للصحة العقلية في العالم، يصر على أن الاضطرابات النفس-عقلية يجب أن تعالج كاضطرابات دماغية وينبغي معالجتها كذلك، ويرى أنه في الواقع لايوجد شيء اسمه "مرض عقلي"، بل مجرد أنسجة وخلايا تالفة.

طموحات غير محققة

على الرغم من الموقف المتحمّس تجاه أبحاث الدماغ، فإن الكثير من الوعود التي تتجسد فيها تلازمها الكسل أو الإحالة إلى المستقبل البعيد وهذا واضح بشكل خاص في مجال الصحة العقلية، التي تعمل كحافز مركزي لأبحاث الدماغ، حيث لم تتمكن شركات المستحضرات الصيدلانية من العثور على أي دواء معجزة من الأدوية النفسية العقلية، كما أنها لم تجدد أو تحسن بشكل كبير الأدوية القديمة، ومنذ التسعينات، خفضت الاستثمار بشكل كبير في البحث والتطوير في مجال الطب النفسي، بل لقد تخلى البعض عن مجال أبحاث الدماغ وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من عقود من الأبحاث والملايين المستثمرة فيها، يدرك الباحثون في الدماغ أنه لا يوجد حاليا أي مؤشر حيوي قابل للقياس لأي اضطراب نفسي.

في السنوات الأخيرة، كان هناك انتقاد متزايد للإفراط في استخدام المعلومات والمفاهيم المستمدة من علوم الدماغ في مناطق خارج المختبر والعيادة في مجموعة واسعة من المجالات، بدءا من المنتجات التجارية المشكوك فيها مثل التدريب العقلي أو أجهزة كشف الكذب المستندة إلى تفاعلات الدماغ، إلى المجالات الفكرية السامية مثل الميتافيزيقيا والظواهر المتعلقة بالوعي. وحتى في الحالات التي لا يوجد فيها علم زائف واضح، فإن العديد من التطبيقات في هذه المجالات المختلفة تستخدم معرفة علم الدماغ بشكل سطحي أو غير صحيح.

ينتقد النهج المركزي العصبي ككل لمحاولته استخدام مصطلحات البيولوجيا العصبية في شرح مسائل مثل الروحانية، الحكم الأخلاقي، تفضيلات المستهلك، مهارات التعلم، التجربة الجمالية، والاختلافات بين الثقافات، وأدت محاولاته العشوائية بالنقاد إلى الاحتجاج على ما أسموه "القمامة العصبية" أو "الهوس العصبي". وقد صرحت بذلك الباحثة سوزان فيتزباتريك على وجه التحديد عندما قالت إن هذه التجارب "لا تعلمنا إلا القليل جدا مما هو معروف بالفعل من علم النفس المعرفي أو العلوم السلوكية، ربما باستثناء بعض الأدلة المتقاطعة التي تبين أن كل سلوك يصاحبه نشاط دماغي".

لكن الاختلافات كهذا المعروض أعلاه، والفشل في الصحة النفسية لم تقلل من السعي العالمي نحو أيدلوجية مركزية للأعصاب، ولم تتحقق العديد من الوعود وزادت أصوات النقد، ولكن وسائل الإعلام وجزء كبير من الجمهور والمؤسسات السياسية لا يزالون ينظرون إلى نموذج الإنسانية العصبية [عصبية فهم الإنسان –المترجم] باعتباره أساسًا يعتمد عليه في صنع السياسة.

إن النهج العصبي المركزي مفهوم، ويبدو بديهياً تقريباً: بما أن عقلنا يتوسط بين الذات والجسم والعالم - وبعبارة أخرى، بما أننا لا نستطيع أن نكون موجودين بدون دماغنا - فإن العمليات العصبية البيولوجية تشارك في كل ما نقوم به ، وفي كل شيء نحن عليه، وهو قاسم مشترك لجميع جوانب وجودنا. إذا كان هذا هو الحال، فربما كان أخصائيو الوراثة على حق؟ ربما ينبغي لنا أن نتفق مع الادعاء بأننا وأدمغتنا شيء واحد؟ ألا يثبت علم الأعصاب هذا المنظور العصبي، وبالتالي يجبرنا على قبوله كما هو؟

الجواب البسيط هو لا، فمركزية الدماغ لاتعني أن الوزن المعطى للتفسيرات العصبية هو أكبر من التفسيرات الأخرى. نحن أيضًا مخلوقات اجتماعية وثقافية وتاريخية، ومنتجات من بيئات وسياقات أخرى كثيرة - وفي الواقع عمليات بيولوجية أخرى لا تنشأ في الدماغ- وليس التفسير على مستوى علم الأعصاب ملائما دائما، وليس بالضرورة ضروريا، وعندما ننظر إلى ظاهرة بشرية معقدة، على سبيل المثال، عندما يقول سمير زكي، الرائد في دراسة الأعصاب وعلم الجمال "لايمكن تكوين نظرية صحيحة عن الفن والجمال ما لم تكن قائمة على علم الأعصاب"، فإنه في الحقيقة يلغي قرونا من المعرفة المتراكمة وحقول كاملة من البحوث التجريبية والبحوث النظرية في مجموعة متنوعة من أبعاد التجربة الجمالية. ينطبق الشيء نفسه في العديد من المجالات الأخرى لعلم الأعصاب.

نقطة انطلاق جيدة لنقد شامل للنهج المركزي العصبي تتمثل في فحص تاريخه، يظهر لنا التاريخ أننا أصبحنا مخلوقات خارقة، تتحدد بواسطة دماغها، ليس نتيجة التقدم في المعرفة في أبحاث الدماغ، ولكن من سلسلة من التحولات السياسية والأيديولوجية أوائل العصر الحديث، في الواقع، كما سيظهر التاريخ، لا يمكن أن يستند النهج العصبي بطبيعته على أبحاث الدماغ.
علم النفس
لا أحد يستطيع، بالطبع، أن ينكر الدور المركزي للعقل في الإنسانية، وبالتالي فإن هذا المفهوم شائع نسبيا عبر التاريخ. نظريات الجسم نظريات مختلفة جدا في عصرنا - العلم والطب من اليونان وروما، من العرب واليهود وأوروبا حتى أوائل العصر الحديث - تربط بشكل منهجي بين الدماغ والروح وتصر على أن إصابات الرأس تتسبب بتغييرات رئيسية في الشخصية والإدراك والعاطفة.

ومع ذلك، فإن أياً من هذه التقاليد لم تزعم بأي شيء مماثل للإدراك الحركي الحالي الخاص بالإنسان، والذي يعتبر موضوعًا للدماغ. ظهر هذا المفهوم الجديد في أواخر القرن السابع عشر في العالم المسيحي، وكان نقطة تحول في طريقة إدراك جوهر الإنسان. في السابق، كان هذا التصور غير مقبول.

منذ القرون الأولى من تأسيسه، حدد التقليد المسيحي أن الطبيعة البشرية والوجود لا يقل أهمية عن الروح وفي القرون الأولى للمسيحية كان هناك من جادل بأن الروح ضرورية فقط لتعريف الإنسان، لكن الموقف الذي أصبح رسميًا وديناميكيا في الفكر المسيحي رفض هذا النوع من الثنوية ورأى أن الإنسان يتطلب اتحاد الجسد والروح. حتى لو كانت النفس نفسها أبدية، كما أكد اللاهوتيون السكولاديون، فالروح ليست إنسانا مادامت مفصولة عن الجسد.
ويستند هذا الفهم، من بين أمور أخرى، إلى العقيدة الأساسية للتجسد، والتي بموجبها تم تحقيق الله في صورة يسوع، وهو رجل من لحم ودم. وفي مثل هذا التصور، والذي كان فيه ما عرَّف إنسانية يسوع جسمه البشري، كان من غير المتصور أن يكون الإنسان مجرد كائن روحي؛ لهذا السبب على سبيل المثال، أصرت المسيحية على أنه لكي يتم إحياء الموتى ليكونوا نفس الأشخاص الذين كانوا يعيشون على الأرض، يجب عليهم استعادة جسدهم الأرضي الأصلي بأكمله.
كل هذا تغير في القرن السابع عشر، عندما أدت التطورات العلمية والفلسفية المتعلقة بالثورة العلمية إلى إعادة التفكير في هذه المبادئ وآثارها اللاهوتية والسياسية بشكل أكثر تحديدا، حدثت ثلاثة تطورات رئيسية خلال هذه الفترة والتي مكنت من ظهور إنتاج الدماغ.
الأول هو تطوير الفلسفة الآلية، التي توضح أن كل المادة تتكون من جسيمات صغيرة، وأن كل هذه الجسيمات قابلة للتبادل، وأن الاختلافات بين الأجسام المادية لا تنبع من الجسيمات نفسها، بل من الخواص الميكانيكية للجسيمات والتفاعلات بينها، وبالتالي، لا يجب أن يكون الجسم مصنوعًا بشكل دائم من تلك الجسيمات فقط ليكون ما كان ولا يزال كذلك لفترة طويلة، بل في نقاط زمنية مختلفة يمكن أن يتكون من جزيئات مختلفة تماما، هذه الأفكار، التي طبقت في الأصل لفهم التركيب المادي للأجسام والأجسام غير العضوية، ساهمت أيضا في إضعاف أهمية المادية الجسدية في تعريف الإنسان.
أخذ التطور الثاني مكانه على المستوى السياسي، مع صعود عقيدة الليبرالية، وارتبط مع ما أسماه المنظر الكندي ك.ب ماكفرسون "الفردية التملكية"؛ حيث إن فكرة أن الفرد هو المالك الوحيد لمهاراته وإنه لا يدين للمجتمع بأي شيء تعزل الفرد عن ظروفه الاجتماعية وتجعله غير مفهوم، إلا بظروفه الخاصة بالانفصال عن المجتمع وعن أي سياق آخر.
التطور الثالث كان ثورة فلسفية أخرى انبثقت عن سابقتيها، وهي مهمة جدا لمناقشتنا: فصل النفس البشرية عن الجسد، هذا النوع من الثنائية، كثيرا ما يذكر إلى جانب اسم رينيه ديكارت، وهو تطور حديث ينفصل عن التقاليد المسيحية السابقة، ويعمل كأساس لما يسميه الفلاسفة أمثال تشارلز تايلور "الهوية الحديثة".

يمكن العثور على مثال لهذا التغيير النموذجي في إضافة هامة للفيلسوف البريطاني جون لوك إلى الطبعة الثانية من مقال حول العقل البشري في 1694، يميز لوك بين "الرجل" و "الإنسان" ففي حين أن "الرجل" هو مخلوق عضوي له جسم مادي محدد، يتم تعريف "الإنسان" من خلال سلسلة من الذاكرة والوعي الذاتي، وفقا للقدرة على "مراقبة نفسه [...] في أوقات وأماكن مختلفة ." لتوضيح هذا، يستخدم لوك المثل من قصة الأمير والإسكافي إذا كانت روح الأمير، التي تتضمن الوعي الذاتي للأمير ستنتقل إلى جثة صانع الأحذية، فإن الشخص الذي تم قبوله سيبدو مثل الإسكافي ولكنه في الواقع الأمير. توقف الجسم عن تعريف الهوية الفردية والإنسان، ومن الآن وصاعدا ارتبط بالروح فقط.

هذه النظرية في تعريف الإنسان وضعت الأسس للاعتقاد بأننا وعقلنا شيء واحد، ولأنه من المعروف أن الوظائف العقلية - التي بدأت الآن ينظر إليها على أنها المحددات للهوية الإنسانية والشخصية - تعتمد على الدماغ بطريقة ما، يمكن أن تصل إلى نتيجة واحدة فقط: الدماغ هو بالضرورة الجزء الوحيد الذي نحتاجه لنكون بشرا وخصوصا أن نكون الأشخاص المعينين الذين نحن هم، وقد وصل بعض المفكرين الأوروبيين إلى هذا الاستنتاج بعد لوك.

[في محاكاة كوميدية حديثة لهذه النظرية، كان فيلم "الإسكافي" الذي تدور أحداثه حول (ماكس سميكين) والذي يعمل بمجال صناعة وإصلاح الأحذية في المحل الذى توارثته عائلته لسنوات في نيويورك، وفي أحد الأيام أثناء ممارسته لحياته الروتينية وشاعرًا بالملل من الرتابة اليومية، يكتشف (ماكس) وجود أداة سحرية تتيح له التدخل في حياة زبائنه، فيستخدم (ماكس) أحذية زبائنه ليرى العالم من منظورهم. الفيلم من كتابة بول سادو وإخراج توماس مكارثي وبطولة آدم ساندلر، ومن انتاج 2015- المترجم]

في القرن التاسع عشر، عززت العمليات المختلفة النهج المتطور المتمركز حول الأعصاب، و في هذا السياق، يمكن أن نذكر علم الفرينولوجيا، الذي ينص على أن شكل الجمجمة يعكس قدرات العقل لدى الإنسان، كان إسناد الوظائف العقلية إلى الدماغ وحده، أو بشكل أكثر دقة إلى مناطق معينة من الدماغ، سمة مميزة لعلم الأعصاب والنموذج المركزي لعلم الأعصاب في القرن التاسع عشر، مما عزز الحجة العصبية المركزية، لكن في نهاية المطاف، لا ترتكز هذه الحجة المتمركزة حول الأعصاب على أساس تجريبي، كما يُزعم في كثير من الأحيان، ولكن في نفسية الإنسان، انفصاله عن الجسم، وبالتالي تحوله إلى تكوين دماغي.

[الفرينولوجيا: علم فراسة الجماجم: علم زائف يدرس العلاقة بين قدرات العقل وشكل الجمجمة ويزعم بوجود ملكات معينة، أسسها الطبيب الألماني فرانز جوزيف جال عام 1796 ويعود أصل المصطلح إلى اللغة اليونانية ويعني معرفة العقل-المترجم]

هذا هو الوضع اليوم، في مقال من عام 1969، واستنادا إلى أحدث الدراسات في ذلك الوقت، ذكر الفيلسوف رولاند بوتشيتي أن "الدماغ هو، أين يوجد الإنسان"، ولكن مثل هذا البيان لا يكون صحيحًا إلا إذا تم تعريف الشخص في المقام الأول من خلال المصطلحات التي تضع خصائصه الحرجة في الدماغ، وهذه ليست خلاصة يمكن استخلاصها من البحث العلمي، بل هي خيار فلسفي يبني تفسيرنا لمثل هذه الأبحاث، في الواقع لقد مهدت طريق ترسيخ تعريف الإنسان في الدماغ في التحولات الفلسفية والسياسية، وليس في علم الأعصاب.

سحر الرنين المغناطيسي الوظيفي

منذ زمن لوتشيتي الذي توصل إلى استنتاجه العصبي كما تطور علم الدماغ إلى تخصص، كان أهم تطور في صعود علم الأعصاب في نهاية القرن العشرين هو ظهور التكنولوجيات غير الجراحية لتصوير الدماغ، وبالأخص الرنين المغناطيسي الوظيفي.

لم يكن الرنين المغناطيسي الوظيفي مجرد أداة؛ كان الشرط لوجود التخصصات العصبية الجديدة، وفي عام 1991، تم نشر عدد قليل فقط من دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي، و بعد عقد من ذلك، في عام 2001، تم نشر ما يقرب من 900 دراسة، رافق هذه القفزة زيادة في عدد المجلات، والعديد منها جديدة، قامت بنشر أبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي، و توسيع نطاق التطبيق أيضا: في بداية العقد، كانت دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي المتعلقة بالنفس البشرية والسلوك البشري تتعلق فقط بالوظائف الحسية والحركية؛ في نهاية العقد، كان معظمها تركز على وظائف عقلية أعلى.

تفترض بحوث الخلايا العصبية أن تصوير الدماغ يسمح بمراقبة العقل، وهي تستمد قوتها من ما يوصف في كثير من الأحيان على أنه قدرة الرنين المغناطيسي الوظيفي على تحديد مناطق الدماغ التي تصبح "نشطة" عندما يقوم الأشخاص بأداء بعض المهام، لكن في الواقع الأمور أكثر تعقيدًا رغم أن تقنيات تصوير الدماغ تعد إنجازًا استثنائيًا ولديها قوة هائلة وإمكانات هائلة، ولكن يجب علينا ألا نتجاهل قيودها.

أولاً ، لا يُظهر "تنشيط" مناطق الدماغ نشاط الخلايا العصبية نفسها مباشرةً، بل يسجل الرنين المغناطيسي الوظيفي فقط الإشارات الثانوية القادمة من الخلايا العصبية المسمى BOLD، المعتمدة على مستوى الأكسجين في الدم؛ حيث لا تمتلك الخلايا العصبية احتياطيات داخلية من الأكسجين والجلوكوز للطاقة التي تحتاجها، ويزود الدم الخلايا العصبية النشطة بهذه المواد بسرعة أكبر من الخلايا العصبية غير النشطة؛ وهذا يخلق تراكمًا مفرطًا للهيموغلوبين المؤكسد في الخلايا العصبية النشطة، ويسجل الرنين المغناطيسي الوظيفي هذا التغيير، لذلك، لا يسجل الرنين المغناطيسي الوظيفي سوى تأثير مرتبط بزيادة نشاط الخلايا العصبية، ولكن ليس نشاط الخلايا العصبية نفسها. على الرغم من أنه من المتفق عليه أن إشارة BOLD تعكس تغيرات في النشاط العصبوني (المتعلق بالعصبونات: الخلايا العصبية)، فإن آلياتها والمعنى الدقيق لها لا يزالان قيد الاختبار.

[للمزيد من الاطلاع على آلية BOLD وتنشيط الخلايا العصبية وفهم أكثر لعمل الرنين المغناطيسي يمكن للمهتم مراجعة الرابط التالي:

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3546820/ - المترجم]

ثانيًا، تقوم دراسات تصوير الدماغ فقط بحساب درجة الارتباط بين هذه الجلسات "العصبية" والاستجابات للمهام التي تؤديها الموضوعات داخل جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي - أي وجود بعض العلاقة الإحصائية بينهما، وهو أمر غير واضح، ولا يمكن للدراسات أن تثبت أن هناك علاقة سببية بين بعض الأفكار أو السلوكيات وزيادة "النشاط العصبي" التي تم تحديدها في الرنين المغناطيسي الوظيفي في وقت إجراءها، وبعبارة أخرى، من المستحيل الجدال بأن مناطق الدماغ التي "تضيء" أثناء تنفيذ المهمة هي ما يجعل المهمة ممكنة. ومع ذلك، فإن العديد من الدراسات في التخصصات المرتبطة بعلم الأعصاب تقع في هذا الفخ: تبني أن الوظائف ذات الصلة بالمهام تستند إلى المناطق "المضاءة"، أي أن هذه المناطق تشكل إلى حد ما "المنصة" التشريحية والفيزيولوجية لهذه الوظائف، من الواضح أن هذه ليست نتيجة يمكن التوصل إليها على أساس الترابط، إذن ما الذي يمكن أن نستنتجه؟ في الحقيقة، في عالم من التخصصات العصبية، لا شيء تقريبا.

أثبتت النتائج المختلفة، بما في ذلك نتائج التصوير الدماغي، بالطبع، أن الدماغ لديه مستوى معين من التخصص الوظيفي، عادة ما تكون بعض المهام متوافقة مع أنماط معينة من نشاط الدماغ في مناطقق المختلفة. ومع ذلك، لأن نشاط الدماغ ديناميكي ومتكامل، فمن المعقول أن نفترض أنه في كل وظيفة عقلية يشترك العديد من مناطق الدماغ، وفي مثل هذا التعقيد فإنه ليس من الممكن أن تنسب هذه الوظائف إلى منطقة محددة، علاوة على ذلك، قد تمثل أنماط النشاط العصبوني المختلفة نفس الحالة العقلية، وقد تتلاءم الحالات العقلية المختلفة مع نفس النمط العصبي.

وأخيرًا، يتم تقديم الرنين المغناطيسي الوظيفي بشكل متكرر كنوع من جهاز قارئ العقل الذي ينتج "أفلامًا" من بطولة الدماغ، ولكنه مفهوم مضلل، حيث يتم تحويل نتائج الرنين المغناطيسي الوظيفي من خلال العمليات الإحصائية إلى صور مألوفة مع بقع زاهية اللون التي تشهد ظاهريًا على الأساس العصبي الحيوي للنشاط العقلي أو السلوك المدروس، لكن في الواقع هذه الصور لا تقدم أي شيء، وهي مشتقة من قرارات حول الطريقة التي يمكن بها تقديم البيانات الرقمية في شكل رسوم بيانية أو منحنيات، ومع ذلك، فإن تأثير هذه الصور أكبر بكثير من محتواها المعلوماتي، وكما أظهرت العديد من الدراسات لأكثر من عقدين من الزمان، فقد كان الاهتمام المبالغ به والإقناع عنصرين حاسمين في السعي وراء علم الأعصاب.

ما وراء موضوع الدماغ

على الرغم من أن تخصصات علم الأعصاب مزدهرة اليوم، فإن معظم الدراسات تقدم معنى غير واضح لنشاط الدماغ وارتباطه بأي سلوك، مثال ذلك هو التأكيد على أن تصوير الدماغ يثبت فوائد التأمل لأنه يظهر أن التأمل "يغير العقل" تردد هذا مرارا وتكرارا في وسائل الإعلام وعبر الشبكة، ولكن هذه الحجة لا لزوم لها ومبالغ فيها إلى حد كبير: لا لزوم لها لأننا نعرف أن كل نشاط يرتبط بالدماغ ولكن هذا يتم تضخيمه ونحن نعلم أن الآثار الإيجابية للتأمل لا تصبح أكثر صحة عبر ربطها بنشاط بعض الأعصاب.

وهذه هي طبيعة معظم النتائج التي توفرها دراسة الخلايا العصبية، ولكن نطاق الضجيج والانتشار الذي تحوزه هذه "النتائج" يكشف عن مدى انتشار فهم النهج العصبي المركزي في فهمنا لأنفسنا.

بعيداً عن الاهتمامات العديدة التي تخدمها هذه النظرة - من الشوق المثالي للمعرفة إلى التسويق غير المسؤول للأدوية النفسية العقلية - فإن الاعتقاد بأن الإنسان ليس سوى وظائف دماغه هو رأي يستخدم مقاربة علمية تعتمد على علم الأعصاب للحصول على أجوبة على الأسئلة الأبدية حول طبيعة الإنسان ومصيره، لذلك يجب أن نكون يقظين ونتذكر دائما أن هذا الاعتقاد يجسد الظروف التاريخية بدلا من الحقائق العلمية.

وقد أظهرت الأبحاث الاجتماعية أن الناس يستوعبون الأفكار المتعلقة بأبحاث الدماغ بطرق تعزز آرائهم بدلا من تحديها، علاوة على ذلك، قد يكون الاعتقاد العصبي المركزي له تأثيرات طويلة المدى على أنظمة الصحة والتعليم والقانون، حيث تعتمد هذه الأنظمة في النهاية على كيفية تعامل الشخص مع طريقة معالجته، وما هو واضح أن الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تستند فقط على العضو القابع خلف الجبين.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1