تحت شجرة زيتون عتيقة

العربي الجديد- د. انتصار الدّنّان
03-01-2019
كان واقفًا في عين الشّمس، نادته أمّه، لم يستجب لندائها. أدار وجهه نحو السّماء، برقت عيناه، وسار يحمل بيده علمًا، وبالأخرى وطنًا. اقترب من السّياج، كالعديد من الّذين ساروا نحوه. إنّها مسيرة حياة. ليس للموت معنى في هذا الجمع. هي الحياة تنادي كلَّ من هو سائر نحو السّياج.
اقترب من السّياج أكثر. حمل الحجر، رماه، وكان بمثابة فتح بوّابة عبور لغزو مغتصبي الوطن. هم حفنة من تراب، أصحاب الأرض الأصليين، هم بناة قلاع العزّ لردّ الغزاة.
رمى الحجر، فانفلشت نيران الغزاة في سائر جسده. لم يأبه لها، لم يكن يدرك بعد معنى الحياة والموت. تابع سيره، وصل إلى السّياج يقبض بدمه على العلم، وأمام أعين الغزاة، وتحت نيرانهم المستعرة غرسه بالتّراب. قبض تراب الوطن على دمه. ارتخى، مدّ جسده النّحيل في الأرض، وعلى وجهه الباسم مسحة من حزن. لقد برّ بوعده، لكنّهم لم يبرّوا بوعودهم. تركوا لحمه ينهشه الغزاة والطّامعون.
هم قلّةٌ أمام تلك الجيوش الجرّارة، لكنّهم أمراء المرحلة. يحملون مشاعل الحياة، ويسيرون على جمر، فالمسألة مسألة حياة.
وفي النّاحية الثّانية، كانت صورة ولادة جديدة، فقد كانا يسيران معًا، يمسك بيدها، تتضارب دقّات قلبه بسرعةٍ مع صوت كلّ قذيفة. أسرعا الخطى، شدّها بقوّة من يدها، كمن يشدّ الرّيح إلى شراعه، بدا كمن يسحب وطنًا خلفه. صار يزداد انهمار القذائف كانهمار المطر في يومٍ حارٍّ. سقطت قربهما قذيفة، أفلتت يده يدها، ركض كلّ واحد منها باتّجاه، خفت وميض الشّمس، وتعبت القذائف. ربّما نعست، وأرادت النوم. توقّف بعيدًا من الخوف، صار يلهث لهثاتٍ متتالية، كأنّها زفرات عمره الّذي عاشه كلّه.
راح يدوّر عيناه في المكان، كان اللّيل قد بدأ يشنّ هجومه على الأرض. لم يجدها، نادى عليها، كان يسمع صدى صوته فقط يتردّد في المكان. تسارعت ضربات الخوف في قلبه، إلى أن أخذه نعاسٌ خفيفٌ، أيقظه عندما بدأت شعاعات الشّمس تنسرب إلى الأرض.
استيقظ صوت القذائف. نهض، تلفّت حول نفسه، سار قليلًا، كانت تنام تحت شجرة زيتون عتيقة، شعرها البني تنسدل خصلاته فوق وجهها، ملطّخة بالدّم، وثغرها يضحك عن فرح. عاد اللّون البنفسجيّ إلى وجهها. ارتوت الزّيتونة، مدّت أفرعها نحو السّماء.
وفي مشهد آخر من مشاهد الحياة، ودّعَ أمّه، قبّل جبينها، وخرج. أغلق الباب خلفه. في طريقه رفاق كثر كانوا ينتظرونه، ساروا معًا.
اقتربوا من السّياج، حاولوا هزّه بأناملهم الّتي ما كادت تنمو بعد. عصبّوا رؤوسهم. ربطوا أصابعهم بالدّم، رفعوه فوق السّياج، ليعبر. صوّبوا الرّصاص نحوه، صرخ، وسقط، وقهقهات صوته تدويّ في المكان.نام بهناء في تراب الوطن.
تكلّل المكان بقطرات من ندى، مدّتِ الطّبيعة أناملها النّديّة، ولمستِ النّعشَ زهراتُ البنفسج.
سار الموكب صامتًا، كحمامةٍ مذبوحة خفت هديلها، كالمهاجر يحمل أشرعة البحر في حقيبة، كزائرٍ استعجل الرّحيل.
هي جنازة الوطن القتيل تمشي أمام الرّفاق الشّاهدين على وجع الوطن، وصمت السّياج.
عادوا بالنّعش بلا وطن.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1