الموت بالمجّان

العربي الجديد- د. انتصار الدّنّان
29-12-2018
وقفت صفيّة أمام بيتها، تتضوّر جوعًا وأطفالها الخمسة. كانت واجمةً خائفةً من أن تسقط قذيفة فوق سقف منزلها، وتقتلهم جميعًا. كانت القذائف تنهمر انهمار الحمم البركانيّة فوق المخيّم. نكبة صامتة شعرت بها، تروح وتجيء أمام الباب، ولا تدري ما تفعل، نفذ الطّعام من بيتها، لا ماء، لا كهرباء. خمسة وخمسون يومًا مضت، ولا حيلة لها في الدّفاع عن نفسها وأولادها سوى انتظار القدر.
في ذلك الصّباح الحارّ، اشتدّ انهمار القذائف، فغمرتِ الدّموع والدّماء البيوت، خافتِ البقاء في البيت، حملت أولادها، صارخة بهم الاستعجال، وركضت مع من ركضوا خوفًا من البقاء في المخيم.
الطّريق صار طويلًا، وعرق الخوف غسل ملابسها، والقذائف تترامى أصواتها، تصمّ أذنيْها، ورائحة الموت تصافح التّربة الصّمّاء، والسّماء تغيّر لونها، صارت رصاصيّة.
احتشد أهالي المخيّم في مكانٍ يظنّون أنّه آمن، صفيّة لم تنتظر الموت معهم، ركضت نحو معامل غرّة، الخوف سرق منها ولدًا، أبقت على أولادها الأربعة في المعمل، وعادت أدراجها كالموج الصّاخب تبحث عن ابنها المسروق، صراخها كان صامتًا.
كان فؤاد يبلغ حينها ثلاث سنوات، حياته تختلط باخضرار الرّبيع، لا يدرك معنى الموت، لكنّه في لحظاتٍ أدرك معنى الخوف، إذ إنّه تاه في غمرة الخوف، ومشى باتجاه حنفيّة الماء، بعد أن اشتدّ عطشه مع آخرين ساروا نحوها.
صوت القذائف يلفّ المكان، لا صوت غيره سيّد الموقف، ركضت صفيّة بكلّ الاتّجاهات، الموت ينده الجميع، ازداد خوفها على فؤاد. وصلت إلى الحنفيّة، كان فؤاد جالسًا على الأرض، وأصابعه الصّغيرة تلملم الخوف عن الجثث الملقاة على الأرض.
اقتربت صفيّة منه بحذر، تبسّمت شفتاه، مدّت يدها إليه، التقط أصابعها الّتي جفّت منها الحياة. سارت وسط الرّكام، وجثث الضّحايا، مسرعة باتّجاه معمل العدس، حيث أولادها الأربعة.
ظلام كثيف خيّم في المكان، صارت القذائف تنهمر بغزارة، وحصار يلفّ المكان، وموت يحصد الأرواح. القتلى على الأرض، لا تستطيع أن تقيس المسافة بين أجسادهم والقذائف الّتي كانت تنهمر بشدّة في ذاك المكان.
صارت ترتجف خوفًا، لاذت بابنها بسقف بيت في المخيم سقط نصفه. عيناها كانتا كالمطر، خوفاً على أولادها الباقين.
سكت صوت القذائف، لكنّ رائحة الموت، والدّخان، والقتل ظلّت تنبعث من ذاك المكان، أطلّ رأسها المغطى بشال سقط معظمه على كتفيّها، لترى إن كانت تستطيع اجتياز الشّارع، والخروج من المخيم، باتّجاه المعمل.
سارت مسرعةً، كانت قدماها تصطكان ببعضهما بعضا، ولهثاتها تكاد تكون أقوى من القذائف، سقطت على الأرض مرّات عديدة، خوفها اشتبك مع فستانها الطّويل فأعاق تحركها، تمزّقت بعض أجزاء منه، لكن خوفها بقي مشتبكاً حتى مع أجزائه الممزقة.
وصلت إلى المعمل، وقفت واجمةً، تدوّر عينيْها في المكان، بحثًا عن أبنائها، ركضوا نحوها مسرعين، كانت يداها فارغتيْن إلا من الخوف. كان أولادها الأربعة ينزوون في مكان واحد، يجمعهم الخوف والجوع. شاحنات كبيرة كانت بانتظار النّاس، كالأغنام جلسوا فيها، يقتادهم إلى مكان يجهلونه.
غادرت صفيّة المكان مع أولادها، لكن أختها أم إبراهيم لم تغادر. خرجت أم إبراهيم مع ابنتيْها المعاقتيْن، وابنها إبراهيم. علا صراخها، ركضت نحو ابنتها الصّغرى، كانت الرّصاصة أسرع من صوت الأمّ، فأصابتها هي أيضًا، فركضت الابنة الكبرى إليهما، لتمدّ يدها إلى وجه أمّها، فتجده نائمًا بأمان، وطلقة أخرى كان هدفها رأس المريضة، فنامت بجوار أمّها وأختها، وإبراهيم واقف خلف جذع شجرة زيتون عتيقة، يرقب ما يحدث، خاف، فجلس على الأرض، محتميًا بالأغصان، وبالسّماء.
الموت كان بالمجّان، والاغتصاب مشروعًا، والأطفال تغيّرت كنيتهم. أُلقي القبض على أبي علي، فمُزّق إربًا، ماغي حملت الرّفوش وراحت تضرب الشّباب بمساعدة بعض الصّبية، وما زال إبراهيم يكتب نصّه الموت بالمجّان.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1