مسيرات العودة والانقسام الفضيحة- روبير عبد الله

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
13-12-2018
في الذكرى الحادية والخمسين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثمة أسئلة محرجة تخطر في البال: هل شاخت الثورة الفلسطينية وهرمت، بعد أن شاخت أو تخاذلت قوى وتنظيمات وقيادات فلسطينية أساسية، وجميعها كانت قد ملأت الدنيا ورفعت القضية إلى أقاصي المعمورة، بتضحياتها، وأسراها وجرحاها، وبكبار مفكريها وشعرائها وأدبائها. وبالأحرى هل يمكن أن تشيخ هكذا قضية؟ ما قصة الانقسام الفلسطيني في لحظة تاريخية القضية بمجملها معروضة للتصفية؟ ما معنى انقسام فصائل الثورة، وجمهور هذه الثورة يقدم شلالات الدماء في مسيرات العودة؟
يتيح لي التساؤل في مقالتي هذه مسألتان:
المسألة الأولى تبدو شكلية، وتتمثل بتزييل كل مقالة تكتب على هذا الموقع "ليس بالضرورة أن تكون المقالات المنشورة في الموقع تعبّر عن رأي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". هنا لا يعود الأمر شكلياً أبداً عندما ينطبق على ما يكتبه قادة الجبهة أنفسهم بمن فيهم أمينها العام أحمد سعدات. ما يعنى بالتالي أن الجبهة تتحمل، رؤى، أو تساؤلات نقديه، أقله على موقعها الإعلامي.
المسألة الثانية وهي بمناسبة الذكرى. إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من الفصائل السياسية النادرة التي عرفت استقالة مؤسسها من دون أن يفقد مكانته ورمزيته داخل الجبهة وفي صفوف الشعب الفلسطيني، في حياته وبعد مماته. المؤسس القائد جورج حبش لم يسلم قيادة الجبهة لـ"وريث" صاحب جاه أو حظوة، إنما بالواقع تسلم قيادتها من سُميت على اسمه كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، لينتقل زمام القيادة إلى أحمد سعدات ممثلاً أعلى صور التماهي بجذرية الممارسة النضالية بعد 12 عاماً من صموده الأسطوري في زنازين العدو الصهيوني. وهو صمود يستحق صاحبه جدارة قيادة شعب عرف زهاء نصفه زيارة أو أكثر لسجن أو نظارة تحقيق، ناهيك بأحكام الإعدام، أو السجن المؤبد للعديد من طلائعه المقاوِمة.
ودرءاً لطرح الأمر في باب المبالغة أو المزايدة، من بديهيات القول إن أطناناً من المقالات لا تساوي يوماً واحداً في معتقل، ولا تعادل قطرة دم تسقط من طفل يواجه الاحتلال. الحد الأقصى لرد الفعل على كتابة مقالة هو خسارة ودّ صاحب مكانة أو مانح لمنفعة. هذا في حال حسن النيات، أما خلافها فالمقالات بدورها قد تكون عدة أو وسيلة للتسلق على أوجاع الناس عبر الإيحاء بالنطق بأوجاع الناس.
يستدعي التساؤلات المذكورة أعلاه أمران لا يجوز وجودهما معاً: الأمر الأول أن القضية الفلسطينية برمتها معروضة للتصفية من خلال ما يعرف بصفقة القرن، والأمر الثاني الانقسام الفضيحة بين الفصائل الفلسطينية.
وعندما تصدر دعوات لإنهاء الانقسام؟ يتساءل المرء علامَ هذا الانقسام الفضيحة؟ هل هو حول طرق وأساليب مواجهة التصفية المطروحة بكل قوة وشدة، أم هو حول اقتسام التركة؟ هو سؤال إشكالي لا تفرضه دقة الموقف وحراجته فحسب، إنما هو سؤال يعانيه مجمل الحراك السياسي النضالي، وبحده الأدنى في المعاينة المباشر على المستوىين اللبناني والفلسطيني. وتتبلور مظاهره في التنافس على تقدير الأحجام وتقدير الإنجاز، ودلالات هذا التنافس. ولئن كان الأمر مشروعاً في طبيعة البشر، إلا أنه مناقض لمفهومي الثورة والنضال القائمين على نفي الذات والتضحية في سبيل تحقيق الأهداف. هنا مناضل مصيره الأسر، أو الجرح أو الشهادة، وهناك عدّاد للأسرى والجرحى والشهداء.
في تعداد الأسرى والجرحى والشهداء مفخرة عظيمة أو مهانة مقيته. هي المفخرة حين يتجذر النضال، وهي المهانة حين يتحول التعداد إلى رخصة تفاوض قبل أن يفرج عن أسير أو يشفى جريح أو يجف دم شهيد. هي المهانة حين تطول سنوات اعتقال أسير وتزداد عناصر حماية القائد، حين تضيق مساحة الزنزانة وتتسع مساحة مكتب القائد، حين يجوع أبناء الشهيد ويترفه أبناء المسؤول، حين لا تتسع مقابر مخيمات اللجوء للموتى وتجول البعثات الدبلوماسية (النضالية) أرجاء الكون الفسيح.
لعلّ، أشدد لعلّ، رواية سمعتها من أحد الكوادر في فصيل فلسطيني تشي بما يلقي الضوء على وجهة في الإجابة: مع انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان بعد مجازر أيلول الأسود، انخرط لبنانيون كثر في أطر العمل النضالي الفلسطيني، وشكّل ذلك رافعة مهمة تفاعلت مع اختمار واقع لبناني يساري تقدمي. وبالمقابل اندس آخرون بغية الاسترزاق والاستفادة تحت مسميات عديدة. الرواية على ذمة الراوي: يأتي أحدهم من الأرياف اللبنانية الفقيرة، لا عمل له ولا دخل يسد الرمق، يجول على مكاتب الفصائل، فتح، شعبية، صاعقة، غير مهم.. طبعاً هو لم يسأل عن برنامج سياسي، ولا عن فلسفة التنظيم، ولا عن المهام النضالية المطلوبة. عما يسأل ويفتش إذن؟ إنه يفتش عن فرصة عمل برتبة مقاتل في صفوف الثورة. ليس المهم شدة التزامه واقتناعه، المهم هو الأجر.
الرواية صحيحة مع الأسف. الروايات الشبيهة ربما قليلة وربما كثيرة. وإذا سلك صاحب حاجة طرقاً مشبوهة لسد حاجة، ففي الأمر وجهة النظر. لكن ماذا يجني صاحب (قائد) التنظيم من هكذا ممارسة؟ من يشتري مقاتلاً بالمال يبيع قضية شعب بالمال أيضاً، وبشيء قليل من السلطة والنفوذ.
هي قضية إشكالية. إشكالية لأن لا حلّ لها، أو لأن حلها يقتضي جهوداً غالباً غير متوافرة. المهام النضالية في التنظيمات تحتاج إلى المال. المال بهذا المعنى وسيلة. الوسيلة تصبح غاية أحياناً. عندما تتداخل الغاية بالوسيلة يصبح الانقسام داخل التنظيم نفسه، أو بين التنظيمات، ليس على تحقيق الهدف إنما على الاستئثار بالوسائل. عند هذا الحد لا تعود الدعوة لإنهاء الانقسام ذات معنى.
قلة من قادة عظماء يصعنون من معاناة شعوبهم ثورة. وقلة من مأجورين يجنون من خيانة ثورات شعوبهم ثروة.
بعد 12 عاماً على أسره يقول القائد أحمد سعدات "لم يبقَ من مضمون للقضية الفلسطينية شيئاً يمكن أن يطرح في مزاد المفاوضات". ويضيف "الرد في ميادين الاشتباك الشامل والتاريخي مع الاحتلال".
الانقسام لا يحدث في ميادين الاشتباك، الانقسام يحدث حول مقدار الحصص. تباً للمتحاصصين.
المجد والخلود للأسرى والشهداء


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1