أوسلو: تاريخ يميني عندما كان الجميع يتحدث عن السلام (2-4)

بوابة الهدف الإخبارية- ترجمة وتحرير ومراجعة: أحمد مصطفى جابر و د. وسام الفقعاوي.
17-09-2018
[مقدمة المحرر: فيما يلي الحلقة الثانية من ترجمة نص طويل لحاجاي سيغال يستعرض فيه تاريخ اتفاق أوسلو من وجهة نظر اليمين الصهيوني، مستعرضا "كفاح " هذا اليمين، في مواجهة الاتفاق، الذي اعتبر على مثالبه وانحيازه السافر للاحتلال، تنازلا للفلسطينيين، وانهزاما أمامهم.
نشر النص كما سبق وذكرنا في صحيفة مكور ريشون اليمينية، التي لم تكن موجودة زمن أوسلو، بل ظهرت لاحقا كرد من اليمين الصهيوني على ما وصفه استئثار حكومة رابين ثم بيرس بوسائل الإعلام وعدم وجود وسائل إعلام تطرح وجهة نظر اليمين والاستيطان.
هذا النص الذي يكتبه يميني دموي متطرف وإرهابي استيطاني معروف، هو دليل دامغ على التزييف الصهيوني وخداع الفلسطينيين، أو بعضهم الذين صُوّر لهم أنهم "انتصروا" فعلا، وحققوا إنجازا، بينما الحقيقة الدامغة أن هذا الاتفاق وكما وصفه رابين "أكبر نصر للصهيونية"، إذ ببساطة اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني، مع ما في هذا من اعتراف بحقوق للمستوطنين الذين غزوا بلادنا وشردوا أهلنا ودمروا مدننا وهودوها، مقابل فتات ليس أهمه اعتراف تافه بالمنظمة كممثل منوط به التحدث باسم الفلسطينيين.
نقدم هذا النص مع تعليقاتنا عليه حيث كان ضروريا وقد وضعت التعليقات التحريرية بين قوسين [..]، وبالطبع يجب الانتباه إلى أن هذه إحدى القصص الصهيونية عن أوسلو، ولكنها تمثل اليمين بالذات، ولا تقل قصة اليسار الصهيوني كذبا وتزييفا، يبقى أننا كفلسطينيين للأسف ما زلنا بعيدين نسبيا عن تناول هذه التفاصيل وحقائقها، ولكن معرفة ما يقوله العدو، هي خطوة واحدة، وليس كل شيء، تجاه الفهم الأعمق لهذه السنوات.
الكاتب: حاجاي سيغال، رئيس تحرير مكور ريشون منذ 2014، إرهابي معروف، ولد لعضوين في الأرغون، وهو نفسه كان عضوا في الخلية الإرهابية المسماة "مترو الأنفاق" التي استهدفت رؤساء البلديات العرب عام 1976، عمل بعد سجنه مذيعا ورئيس تحرير الأخبار في القناة 7 قبل ترخيصها رسميا، ثم محررا في "نقطة" الاستيطانية، وكاتب عمود في معاريف، ويديعوت وله عدة كتب ]
الفصل الثالث:
كان أحد الأمور التي دفعت الجناح اليميني للتنديد بالاتفاق مع ياسر عرفات هو الموافقة الإسرائيلية على السماح للفلسطينيين بتزويد أنفسهم بالأسلحة، [يقصد الكاتب تزويد الشرطة الفلسطينية بالسلاح بإشراف صهيوني بما يضمن أن يكون كله مسجلا ومسيطرا عليه لدى المؤسسة الأمنية في الكيان- المحرر] و كان هذا معارضا تماما للسياسة الأمنية حتى ذلك الحين. فعلى مدى عقود، أجرى الجيش الإسرائيلي والشاباك مطاردة لا هوادة فيها للسلاح في يد الفلسطينيين، وأحيانا إلى درجة البحث عن إبرة في كومة قش، وقد أتيحت لي الفرصة مرة واحدة لأن أكون شريكا في عملية بحث عن مسدس قديم، ورأيت مشاعر البهجة والارتياح على ضباط ومنسقي المطاردة عندما تمكنا من تحديد مكان بندقية قديمة مخبأة في سلواد تحت الأرض، وعرفوا أن السلاح القديم يمكن أن يتسبب في كارثة كبرى، كما حدث بالفعل في وقت لاحق في عام 2002، عندما تمكن إرهابي من قرية سلواد من قتل أكثر من عشرة جنود ومدنيين في وادي الحرامية باستخدام بندقية قديمة وثلاثين رصاصة [طبعا يشير الكاتب هنا إلى الفدائي الفلسطيني ثائر حماد وعملية وادي الحرامية الشهيرة -المحرر].
في منتصف التسعينات أصبح على الحكومة الإسرائيلية توفير السلاح الأساسي للفلسطينيين، بقدر ما، لم ينقل لهم مباشرة من مخازن أسلحة الجيش الإسرائيلي، ولكن كانت بمثابة الوسيط في صفقات التسلح الخاصة بهم، تم نقل جميع أسلحة الشرطة الفلسطينية الرسمية من الشركة المصنعة من خلال إسرائيل.
وكانت التفاصيل الكاملة للاتفاقيات "سوف يكون تسليح الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية من الأسلحة والمعدات على النحو التالي: 1- 4000 بندقية، 2- 4000 مسدس، 3- 120 بندقية من عيار 0.5 بوصة أو 0.3 بوصة، أما غزة سيكون تحت حراسة الشرطة السلاح الفلسطيني والمعدات: 1- 7.000 قطعة سلاح خفيف شخصي، 2- 120 بندقية من عيار 0.5 بوصة أو 0.3 بوصة، 3- 45 عربة مدرعة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين".
"لا تعطيهم البنادق"، هي واحدة من اللافتات الأكثر شعبية في ذلك الوقت [لدى جماهير اليمين]، وكانت مقطعا أدبيا في الواقع من قصيدة مبكرة لنانان ألترمان [شاعر وصحفي صهيوني، ولد في وارسو وتوفي في فلسطين المحتلة عام 1970، كان عضوا في حركة "إسرائيل الكاملة" –المحرر]، مستوحاة من أهوال الحرب العالمية الأولى، في وقت لاحق، تم ذكر الشعار أيضا في "أغنية الملصق" لديفيد غروسمان وهداج نشاش وردا على احتجاج الحكومة أوضح بيرس أنها خطوة ضرورية للتصدي لحماس "ماذا تعني، لا تعطي بنادق للشرطة الفلسطينية؟"، رد بيرس بغضب في الكنيست على الأغنية "البنادق لا تزال في أيدي حماس؟ هل سيسمح لهم بحمل السلاح في الواقع؟ ورجال الشرطة الفلسطينيين سيرمون الحجارة؟؟"
بين رأس السنة ويوم الغفران [عيد يهودي] وافق الكنيست على إعلان المبادئ الموقع في واشنطن بـ61 صوتا أيدوه، 50 كانت ضد وثمانية امتنعوا عن التصويت - خمسة من ست من حزب شاس، وثلاثة منشقين عن حزب الليكود مئير شطريت، روني ميلو وشخص آخر. وفي كلمته الختامية قال بيرس وهو يعرض النصر "في غضون عشرين عاما سيكون في غزة ما يقرب من 2 مليون نسمة"، وتساءل عما إذا كان "الشعب اليهودي يمكن أن يتحمل مسؤولية تجويع غزة"، و وفقا لتفسيراته، إن الاتفاق كان "تحريرا أو تبرئة لضميرنا وتسهيلا على جنودنا..." الذين "دعوهم يدافعون عن الأرض ولا يحكموا في غزة".
لم يكن للموافقة على الإعلان في الكنيست أي تأثير مباشر على الأرض، حيث يحتاج الجانبان إلى الوقت لترجمة المبادئ إلى واقع عملي. على اليمين، كانوا يأملون في استغلال هذه الفترة من أجل تمرير المرسوم الشرير [الوصف الذي استخدمه اليمين الصهيوني للدلالة على اتفاق أوسلو-المحرر].
عقد في فندق حياة في القدس مؤتمر طارئ للنشطاء الوطنيين والمستوطنين، وبدأ النضال العام العنيد، ولفت النائب الياكيم حينزيني إلى الوضع الجديد في ألوان قاتمة، ووضع صفا من الأفكار التشغيلية: التمرد المدني اللاعنفي ضد الصفقة الجديدة وكالعادة كان متحمسا وقال تقريبا " كل ما أقول هذه الليلة يقوم على فرضية أنه من المحتمل جدا أن رابين وبيرس يقودانا إلى الهاوية، و عرفات كان يخدعهما وليس لديه نية لوضع سلاحه ولكن إذا كان رابين وبيرس على حق ونحن على خطأ، وأوقفنا نضالنا، ستقع إسرائيل في حب الهدوء الأمني ​​وتوافق على جميع التنازلات".
كان نائب وزير الخارجية يوسي بيلين يعتقد في ذلك الوقت أن عملية أوسلو تعتمد في سقوطها أو نجاحها على ما يمكن أن تحققه وفي مقابلة مع أفراهام تيروش من معاريف، قال إن "أكبر اختبار لهذه الاتفاقية سيكون اختبارًا للدم".
حسنا، نتائج الاختبار لم تبشر بالخير، إن شعب إسرائيل لم يقع في حب الهدوء الأمني ​​، لأنه لم يكن هناك سلام، ففي ليلة 4 تشرين أول/أكتوبر 1993، وقع هجوم إرهابي غير مسبوق. بيجو 104 مفخخة يقودها إرهابي من حماس، اقتربت من مقر قيادة الجيش في الصباح قرب بيت إيل، وهي تتجه للحافلة التابعة لشركة إيغد 178 التي توقفت لتحميل الجنود و انفجرت عندما وصلت إلى هناك بعد فترة من الوقت. في طريقي إلى الأستوديو كما كل صباح من عوفرا إلى القناة 7، كان جسد الانتحاري قد وضع على الطريق، والسيارة علقت عموديا على الحافلة وكانت كاملة نسبيا، ويبدو ان العبوة الناسفة الصغيرة، والعديد من سيارات الإسعاف تنقل إلى المستشفيات في القدس حيث أصيب ثلاثين راكبا بجروح جميعها طفيفة، لم يكن الهجوم مصمما كما الهجمات الانتحارية القاتلة التي أعقبت ذلك ولكنه بالتأكيد كان إشارة تحذير، تم التلميح بها من قبل الفلسطينيين بأنهم يستعدون أيضا لتصعيد [يشير الكاتب هنا إلى العملية التي نفذها الاستشهادي سليمان مصطفى حسن زيدان (40)عاما من قبية قضاء رام الله].
وكانت الهجمات الأخرى في الشهر الأول الذي أعقب الاتفاق أكثر فتكا، في بستان شارون، اغتيل يغال فاكنين من ريشون لتسيون و اثنين من جنود الاحتياط، إيال ليفي وإيهود روث، بإطلاق نار على مفترق موراج. ووجدت في وادي القلط قرب أريحا جثتي اثنين من الشباب، وقال شمعون بيرس في لفتة تعزية لأسرهم "سقطوا في المعركة من أجل السلام"، منذ ذلك الحين، شاع المصطلح الساخر "ضحايا السلام" ما الفرق بين "ضحايا السلام" وأولئك الذين "سقطوا في معركة من أجل السلام"؟
عزا بيرس ورابين وباقي محاميي أوسلو الهجمات المستمرة إلى معارضي السلام بين الفلسطينيين، و وعدوا بأن شرطة عرفات ستطرد الرافضين بسرعة وكفاءة بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، و ميزت إدارة المعلومات الحكومية بين العرب الجيدين الذين يدعمون أوسلو والعرب السيئين و حركة حماس والجهاد الإسلامي، لكن سرعان ما اتضح أن حماس لم تستمر في القتل فحسب، بل استمر به جماعة عرفات أيضا.
في 29 أكتوبر / تشرين الأول 1993، أي بعد حوالي شهر ونصف من مراسم التوقيع في البيت الأبيض، قُتل حاييم مزراحي، أحد سكان بيت إيل، بينما كان على مسافة قصيرة من منزله ووجد تحقيق "الشاباك" أن القتلة كانوا "عربا صالحين": أعضاء فتح، منظمة عرفات و ارتفع غضب الجناح اليميني إلى ذروة الانفجار عندما ألقى رابين المسؤولية على جريمة القتل على الضحية، مدعيا أنه ذهب لشراء البيض الرخيص من التجار العرب، و قامت مجموعة من المستوطنين من بيت إيل بأعمال شغب في منطقة القتل وجروا رئيس الوزراء لمقارنتهم مع حماس: "قتل العرب الفلسطينيون أحد سكان بيت إيل يوم الجمعة فقط لأنه يهودي، وقام المستوطنون اليهود بأعمال شغب بعد ذلك ورشقوا السيارات العربية لأنهم عرب، أعداء ومعارضي الاتفاقية عرضه (يعملون) لعرقلة أو الإضرار بالعملية التي بدأت في الشرق الأوسط ".
ونشأت عاصفة كبيرة، لم يدع أعضاء المعارضة فقط رئيس الوزراء إلى الاعتذار، بل انضم إليهم أنصاره أيضاً، ونادرًا ما فعل رابين ذلك بقسوة، لكنه عاد لاحقًا مرارًا وتكرارًا "أولئك الذين يريدون الأرض أكثر من إسرائيل يعطون الأمل الأكبر لحماس"، معلقاً على سبيل المثال على الهجوم على ديزنغوف في وقت لاحق، وقبل شهر من وفاته، دعا الحاخامات اليمينيين بـ "آيات الله". ولخصت المؤرخة أنيتا شابيرا موقفه بأنه لن يسمح بتغيير مسار حياته و"أظهر احتقاره للمستوطنين وعزمه على عدم السماح لهم تحويله عن الطريق الذي سلكه."
بعد أسبوع من القتل في بيت إيل، قتل مستوطن آخر - أفرايم أيوبي من كفار داروم. أيوبي هو السائق الشخصي للحاخام حاييم دروكمان، الذي أصيب بجروح طفيفة في الهجوم عندما تعرضت سيارته لهجوم بإطلاق النار على أحد طرق جبل الخليل [حاييم دروكمان، حاخام صهيوني متطرف ولد في بولندا وأصبح مستوطنا في فلسطين منذ 1944، أحد قيادي حركة غوش إيمونيم الاستيطانية المتطرفة، وأصبح عضوا في المفدال ونائبا في الكنيست عن الحزب ونائبا لوزير الأديان، عام 1988 اعتزل الحياة السياسية وتفرغ لدعم الاستيطان ولكنه عاد للكنيست مع ذات الحزب عام 1999، واستقال ثانية من الحياة السياسية عام 2010، يرأس لجنة تقدم خدمات التحويل للمرشحين لاعتناق اليهودية- المحرر].
كان مقتل السائق رمزا لتكثيف الإرهاب في عصر السلام، بالصدفة، تلقى رابين خبر الهجوم عندما وصل وفد من سكان كيبوتز من غوش عتصيون، أحدهم، جون بن يعقوب من كفار عتصيون والأمين العام السابق لبني عكيفا قال"عندما وصلنا إلى إيتان هابر مدير مكتب رابين وقف رئيس الوزراء ليحيينا وابتسم ولكنه قال بحزم: جون، لا تقل لي أنك جئت لتتحدث معي عن غوش عتصيون، أنت تعرف بالضبط ما أشعر به تجاه غوش عتصيون "، كان يعني أن الكتلة كانت خارج أي مناقشة للانسحاب، أجبته أن "قلقنا لم يكن فقط لغوش عتصيون".
"تحدثنا عن قلقنا بشأن ما قد يحدث بعد اتفاقات أوسلو، ووقع الكلام في أجواء مريحة، ولكن كانت الأمور صعبة، وقال رابين أن الأمة تعبت من الحرب ويريدون السلام، ويلتزم رئيس الوزراء بإرادة الشعب، ما قاله، والطريقة التي أعرب بها عن رأيه أصابتنا بالصدمة، من كلام قائد الأركان في حرب الأيام الستة الذي تكشف فجأة عن ضعف كبير، قلت له ان إسرائيل لن تكون لنا إذا كان الرأس القيادي ضعيفا ونشك في قدرتها على مواجهة التحديات مثل الهجوم الذي أسفر عن مقتل سائق الحاخام دروكمان".
في الشتاء الأول بعد التوقيع على إعلان المبادئ، كان من الواضح أن الإرهاب لم يهدأ قط، بل تكثف وفي عيد الهانوكا نصبت عصابات الإرهابيين كمينا لسيارة عند مدخل مستوطنة كريات أربع، وقتل مردخاي لابيد المستوطن ونجا ابنه البالغ من العمر 19 عاما وتوافد الآلاف لحضور الجنازة و في الطريق إلى المقبرة في الخليل.
وبين هانوكا والبوريم [أعياد يهودية –المحرر] قتل باروخ غولدشتاين 15 فلسطينيا وكان يحمل وجهة نظر كاهانية للعالم والتي كانت راديكالية ودموية بشكل متزايد [يشير الكاتب هنا إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل المحتلة التي ارتكبها المستوطن الإرهابي باروخ غولدشتاين من مستوطنة كريات أربع فجر يوم الجمعة 25 شباط/فبراير عام 1994، وقتل خلالها 29 مصليا وليس 15 كما يزعم الكاتب وجرح 150 آخرين، قبل أن يوقفه الشهيد نمر مجاهد ويصرعه ويجهز عليه مع عدد من المصلين قبل استشهاده، وفي النص يعيد الكاتب إدراج المزاعم الصهيونية المعتادة بأن المجرم كان يقع تحت ضغط نفسي شديد كطبيب وقع شهادات وفاة عدد من اليهود قتلوا على يد فلسطينيين معارضين للاتفاقية، وفي الواقع وكما يذكر الكاتب كان القاتل عضوا في حركة كاخ الإرهابية التي أسسها الحاخام الدموي مائير كاهانا المعروفة بعدائها وجرائمها ضد الفلسطينيين، أثناء المجزرة تعاضد الجيش المحتل مع القاتل فأغلق أبواب الحرم على المصلين ومنع الوصول إلى الجرحى لإنقاذهم واستشهد عدد آخر من الفلسطينيين على يد الجيش مما رفع عدد الشهداء إلى 50 - المحرر]
موجات الصدمة ورشقات النيران غمرت البلاد و تم توجيه إصبع الاتهام [بعد مجزرة الحرم] إلى جميع سكان المستوطنات، خاصة سكان كريات أربع والحي اليهودي الصغير في الخليل. قال لي الحاخام موشيه ليفنجر: "لقد تسبب في مشاكل كبيرة لنا، " حظرت الحكومة بغضب دفن غولدشتاين في الخليل، ودفن في مقبرة بالقرب من بوابات كريات أربع، كانت الحركة الكهانية محظورة، وقررت الحكومة سرا أن تقضي على الحي اليهودي الصغير في تل رميدة في الخليل، رغم عدم وجود صلة بين سكانه والمذبحة في الكهف [المسجد الإبراهيمي]، لقد تطلع اليسار الإسرائيلي إلى هذا الإخلاء منذ الاستيطان اليهودي في فندق بارك في الخليل عام 1968 ولمدة 26 عاما كان ينسج حلم إخلاء المستوطنين من هناك، ولكن فقط بعد الكهف و القتل الجماعي كانت الظروف مهيأة، ولو جزئيا.
المستوطنون واليمين، الذين اشتبهوا بوجود قرار سري لاستئصال تل الرميدة، افتتحوا حملة دعائية واسعة ضد الإخلاء، وأرسلوا وفودا تلتمس إلى قادة الدول لمنع القرار في الكبح السياسي والدعاية ضدها، وأرسلت وفود التماس وتوسل إلى قادة الدولة لتمرير القرار، وأضاف ليفنغر "إذا، لا سمح الله، كان للدولة يد في تدمير هذا المجتمع الكريم، لاشيء في العالم سيكفر هذه الفعلة" وتم ردع رابين في النهاية.
ردت حماس على المذبحة في الخليل بعمليتين انتحاريتين داميتين في العفولة والخضيرة، وكانت الهجمات الانتحارية الأولى - كما يميل إلى اليسار لوصف الأحداث بأثر رجعي لأوسلو، في محاولة لفرض تحسين الاتفاقية، وكان الحساب الدموي في السنة الأولى بعد أوسلو 67 من الإسرائيليين وقوات الأمن باستثناء الجبهة اللبنانية [في العفولة، ويوم 6/4/1994 فجر الاستشهادي رائد عبد الله زكارنة من كتائب القسام وهو من قباطية قضاء جنين سيارته المفخخة في محطة باصات العفولة في فلسطين المحتلة 1948 داخل الخط الأخضر، وقتل فيها 9 صهاينة وجرح أكثر من 50، وبعدها بأسبوع يوم 13/4/1994 فجر الاستشهادي عمار صالح عمارنة من يعبد قضاء جنين الحزام الناسف الذي كان يرتديه داخل حافلة صهيونية في بلدة الخضيرة مما أسفر عن قتل 5 مستوطنين وجرح 32 آخرين- المحرر]
كلفني محرر "نقطة" أوري إليتزور بمهمة التحرير لنشر التقرير الإحصائي الدموي حول إنجازات اتفاقات أوسلو، وراجعت وجدت أنه في كل من السنوات ال 13 السابقة للاتفاق، كان عدد قتلى اليهود أقل من السنة الأولى للاتفاقية، وجدت أنه قبل ثماني سنوات إلى أوسلو قتل 167 إسرائيليا في الهجمات، في حين قتل ثمانية السنة الأولى من الاتفاق وأصبح العدد 546 بعد خمس سنوات على الاتفاقية ثم ألفا وكان هناك 453 عام 2002 فقط، وهو رقم أكثر من ضحايا الإرهاب الفلسطيني منذ حرب الأيام الستة إلى أوسلو، وارتفع عدد القتلى في الجانب الفلسطيني أكثر من ذلك، ويشهد هذا الإجراء المثير للفزع على فشل عملية أوسلو و آمالها.
أثارت وثيقة أليتزور [إحصائيات القتلى الصهاينة- المحرر] اهتمام وسائل الإعلام، لكنها لم تمنع استمرار الحكومة في المشي على طريق أوسلو، و لا شيء آخر أوقفها، ولا حتى نشر شريط من خطاب لعرفات في جوهانسبرغ يتحدث فيه عن الجهاد، بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق القاهرة والذي هدف إلى إعطاء مضمون عملي لوثيقة المبادئ، وكان يهودي محلي متنكر كمسلم قد سجل الخطاب ونقله إلى إسرائيل، وعلق رابين "إذا قال عرفات هذا حقا فإن العملية بيننا وبين الفلسطينيين تصبح موضع تساؤل".
كان بيان رابين غريبا بالنظر إلى أن كلمة عرفات أذيعت في الإذاعة والتلفزيون صوتيا وهو أمر لا يدع مجلا للشك إذ يقول عرفات بوضوح أن فكرة الجهاد لا تزال سارية المفعول، وأن "هذا الاتفاق، أنا لا أعتبره أكثر من الاتفاق الموقع بين نبينا محمد وقريش"، مشيرا إلى صلح الحديبية.
بعد يوم أو يومين من الحرج، استعادت الحكومة رباطة جأشها، وقال رابين "المسألة ليست ما يريد عرفات، والسؤال هو ما تريده الحكومة التي تمثل الأغلبية، وأنها تريد التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين"، وعلى القناة 7 قال مدير عام وزارة الخارجية اوري سافير أن بيريز اجتمع مع عرفات الذي اعتمد خطابا اعتذاريا وزعم " "قصدت مواصلة جهادي من أجل تحقيق سلام حقيقي، قام بعض المتطرفين بتشويه المصطلحات الدينية إلى مصطلحات سياسية، "وقال بيريز للصحافيين إنه" بغض النظر عن ما يقوله عرفات، أيا ما فعله فهو ليس خطأي" .
كانت المشكلة أنه حتى في مجال النشاط، لم يكن عرفات يقف إلى جانب توقعات إسرائيل الرئيسية: القتال ضد الإرهاب الفلسطيني، وبالطبع لوقف الإرهاب نفسه، وكثيراً ما كان رجال الشرطة الفلسطينية يشاركون في قتل اليهود، وواصلت منظمات الرفض العمل دون أي عائق تقريباً. لم يتم تسليم إرهابيي حماس أو الجهاد الإسلامي الذين اعتقلتهم الشرطة الفلسطينية بعد هجمات قاتلة إلى إسرائيل كما هو مطلوب في الاتفاقات، وعادة ما يتم إطلاق سراحهم بسرعة (بالمصادفة، كانوا يعملون أحيانا في السجون الفلسطينية لتصنيع المتفجرات لأغراض الحملة ضد إسرائيل)، سقطت ثقة الجمهور في عملية السلام وفي حكمة الحكومة، خاصة بعد أن أصبح واضحا له أن الإعلام الفلسطيني وعرفات نفسه كانا يكرسان الكراهية لإسرائيل كما كانت في الماضي.
في 2011 قدم العميد احتياط يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، شهادة خبرة في المحكمة المركزية في القدس، تتبع فيها طريقة عرفات باستغلال اتفاق أوسلو لتنفيذ تعاليمه بتدمير إسرائيل، ويشرح كوبر فاسر في الوثيقة المتوافرة المبادئ التشغيلية للتحريض الفلسطيني بعد ذهاب عرفات إلى غزة عام 1994.
يقول فيها" 1- إن إسرائيل لا تزال عدوهم حتى بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو، وعرض هذه الاتفاقيات كوسيلة لمحاربة الفلسطينيين ضد إسرائيل. 2- الدقة: عودة الفلسطينيين إلى إسرائيل باعتبارها" الاحتلال "أو" الكيان الصهيوني "، نافيا في الوقت نفسه حق وجود دولة إسرائيل ويحرمها من الحق في الوجود كدولة وطنية للشعب اليهودي على وجه الخصوص. 3-تعزيز الكراهية تجاه إسرائيل والشعب اليهودي، من بين أمور أخرى من خلال نشر الأكاذيب عن سيطرة اليهود على ما يسمى العالم فيما يتعلق بطبيعة عتاة اليهود وأفعالهم والتهديدات وتتهم إسرائيل بكل مشكلة في العالم 4- تمجيد الهجمات الإرهابية ومرتكبيها، من بين أولئك الذين ما زالوا في المنطقة وأولئك الذين يقضون عقوبة السجن في السجون الإسرائيلية، وبين القتلى الذين سقطوا خلال النشاط واعتبارهم شهداء".
صبر رابين ظهر أحياناً في وجه التحريض والهجمات الإرهابية، بعد مقتل رونين سوبول، الكيبوتسي الشاب وعندما وصل رئيس الوزراء إلى الساحة عند مدخل غوش قطيف، قال إن "الجانب الفلسطيني قد لا يفي بدوره تجاه السلام والأمن وسنواصل العملية وكأن شيئا لم يحدث"، لكن العملية كانت أقوى. لم يستطع رئيس الوزراء وزملاؤه في قيادة إسرائيل واتفاق أوسلو العودة إلى عجلة القيادة، وجدوا أنه من الصعب تنفيذ المطالبات "قلنا لكم" المعارضة غاضبة، ولكنه كان يخشى أن تسود الفوضى السياسية بعد إعلان إلغاء الاتفاق ووجد عذرا للتشبث بالعملية.
وقال رابين أن الأجيال ستحكم ويمكن إنشاء لجنة تحقيق ولا أحد يلوم رئيس الوزراء ومبعوثيه لأن نواياهم كانت حسنة، "على الأقل نحن نعرف أننا حاولنا"، لكن لجنة التحقيق الرسمية لم تنشأ قط، ولن يتم تأسيسها أبداً.
إن التحقيق في منطق اتفاقات أوسلو هو الآن مسألة تخص المؤرخين بشكل أساسي، بعد أن قرر الرأي العام بالفعل مصيرهم، حتى لدى كلا الجانبين، و أولئك الذين ما زالوا معنا، لم تعلن أي جهة أن الاتفاقات تفي بالأمل الرئيسي المعلق عليها: السلام، و تحتدم المناقشات العامة من وقت لآخر على المصير المحزن، وتحليل أسباب الفشل، تقريبا، أصبح محامو أوسلو يقولون أن التوسع الاستيطاني واغتيال رابين هما سبب التفكك.
"في توقيع اتفاق القاهرة قال بيريس "إنني أعلن اليوم أن الصراع قد انتهى"، وتعهد بيريز "اليوم اتفقنا على ضمان الأمهات والأطفال، العرب واليهود، لا أصابع تضغط على الزناد"، ولكن في كتاب بيرس "الشرق الأوسط الجديد" الذي كتبه بالاشتراك مع آريه ناعور سكرتير حكومة بيغن ونشر عام 1993 وفي الصفحة 166 كتب " خلال التوقيع على الوثائق في حديقة البيت الأبيض فقدنا القدرة على سماع الأحذية العسكرية الثقيلة، وتركنا مرحلة ما بعد قرن من العداء، ويمكن أن تشعروا أن صوت السلام لطيف، اقتربوا".
رابين كان أيضاً مبتهجاً، وإن أقل من بيرس، في حفل التوقيع على المرفق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو، التي وقعت في فرنسا [اتفاقية باريس الاقتصادية] أعرب رئيس الوزراء عن أمله في أن هذه المرحلة هي جميلة، وهنا في باريس، سيتم استقبال الخضار من غزة وسيقدم الإسرائيلي القهوة لصديقه الفلسطيني وسوف يصفق لفرقة مسرح فلسطينية إسرائيلية وسيعطي سائق فلسطيني أولوية المرور لزميله الإسرائيلي، وحارس إسرائيلي يبتسم على الشاطئ لمستحمين فلسطينيين، هذا هو السلام".

يتبع..


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1