المصالحة، عفا الله عما مضى ولنبدأ من جديد- نضال عبد العال

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
31-08-2018
يبدو أن المتابع، فلسطينيا كان أو عربيًا أو غير ذلك، صار يتعامل مع فكرة المصالحة الفلسطينية، كخبر ممجوج ومستهلك ومقزز، والفلسطيني خاصة، استنفذ خزينه من الخيال، حول شكل المصالحة ومضمونها، المتوقعة حينا والمستبعدة أحيانا، فهي لم تعد شيئًا يمكن أن يصير حقيقة ملموسة ومحسوسة، أي واقع حي، يمكن أن يعيشه يومًا ما.
المصالحة كمصطلح اجتماعي، هي مصطلح عام متداول في البيئة الاجتماعية الفلسطينية والعربية كثيرا. فهي تعني ببساطة أن هناك خلافًا ما حول قضية ما بين شخصين أوعائلتين، أو غير ذلك، وعليه، يتبرع أصحاب الخير بأن يكونوا وسطاء لحله، فيوظفون ما لديهم من مكانة اجتماعية أو (مونة) على الطرفين، لتحقيق نتيجة، تكون تجاوز الطرفين المتخاصمين لأسباب الخصام، لكن، أن تصير المصالحة قضية سياسية من الدرجة الأولى، ويُعلق عليها مصير القضية الوطنية الفلسطينية برمتها، وبما تحويه من معاناة مئات الآلاف من الناس، وقد يصل الأمر إلى ملايين، أي مصير شعب بأكمله، قدم كل ما يملك، في ملحمة إنسانية عظيمة، على مدى أكثر من قرن. كل ذلك يصير اليوم مرهونًا بقدرة اللاعبين في طرفي خصومة، وما قد يستخدمونه من أوراق ضغط. كل طرف يحاول الضغط على خصمه، ويبدو أننا جميعا قد نسينا أنهما ليسا لاعبين على طاولة زهر، بل هما مشروعان سياسيان يتحركان في دوائر تحددها مصالح، وتقاطعات تفرض شكل الصراع الدائر وأبعاده، وبالتالي لا يمكن أن تكون المصالحة عند كل طرف، تعني المعنى ذاته لدى الطرف الآخر، بل الأطراف الأخرى. وهنا يُطرح السؤال التّالي: هل الدوائر التي يتحرك ضمنها الطرفان الأساسيان منفصلة عن المؤثرات التي تصاغ في ضوئها رؤيته السياسية؟ أي أنهما لن يأتيا إلى المصالحة فقط بدافع حسن النية، وعفا الله عما مضى من خصام. لنطو الصفحة ونبدأ من جديد.
لقد صودف أن توافرت لدي دراسة هامة، التي تتكون من 87 صفحة، أعدها معهد أبحاث الأمن القومي "الإسرائيلي" في آب 2018، وتتناول ستة سيناريوهات على الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، التحديات الإستراتيجية، والردود المحتملة.
تكونت لدي استنتاجات حول المصالحة، لاتقصدها الدارسة، بل هي خارج أهدافها بالأساس، باعتبارها موضوعة من قبل معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أي أن أهدافها منصبة على تمكين الكيان الصهيوني من التعامل مع الاحتمالات الرئيسة للتهديدات الإستراتيجية وفق معطيات المرحلة الراهنة، وتطور الأوضاع في اتجاهات مختلفة، لأني حاولت قراءة الدراسة من منظور فلسطيني، وتكثيف بعض الأفكار واستشفاف بعض الخلاصات، من بين سطورها، وجدت أربعة عناوين أساسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي:
- الوحدة الوطنية، المصالحة على أساس الرؤية الوطنية الفلسطينية، لتحقيق الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين.
- إنهاء الاستيطان كليًا، أو في الحد الأدنى وقفه.
- مقومات قيام كيان فلسطيني قابل ليتطور إلى دولة.
- كيان فلسطيني ديمقراطي حقيقي وفعال.
هذه القضايا لايمكن أن تتحقق بوجود السلطة الفلسطينية، بطابعها، ومضمونها ووظيفتها الحالية، لأن تحقيق هذه القضايا يفترض حكمًا تجاوزالسلطة، وأجهزتها، ووظيفتها، وتجاوزالسلطة سيكون لأسباب عديدة ومختلفة، إما لضعفها، وتهشمها، واهتزاز شرعيتها لدى الجمهورالفلسطيني، مما يجعلها ضعيفة الأداء في وظيفتها الأمنية، كما تسميها لدراسة (سلطة فاشلة، وغيرفعالة) وتقصد بالفاشلة، تحديدًا في تعاونها الأمني مع الكيان الصهيوني، ومايدفع إسرائيل إلى القيام بالمهمة مباشرة عبر تدخله العسكري والأمني.
إذا، فالمصالحة يجب أن لا تؤثر على استمرار قيام السلطة بوظيفتها الأمنية، بل أن يتم تفعيل هذه الوظيفة في غزة، لأن المصالحة في المفهوم الإسرائيلي، تعني التماثل في أداء الوظيفة الأساسية للسلطة، في الضفة وغزة، عدم توفير أسباب تجعل إسرائيل تستخدم أدواتها الأمنية والعسكرية مباشرة، والسؤال الذي نطرحه: هل بالإمكان تطبيق أنموذج السلطة في الضفة، في غزة؟ هل نريد ذلك؟ ومن يستطيع أن يفعل ذلك؟
كما أن السلطة يجب أن لا تكون عائقًا أمام استمرار الاستيطان، وأن لاتشكل خطرًا على المستوطنين، بل أن تمنع وقوع أي خطر يهدد حياة المستوطنين. فكيف يمكن أن تكون السلطة انتقالية، كمقدمة لقيام دولة ذات سيادة، في الوقت الذي تعمل على حماية المستوطنين، وبالتالي ضمان عدم إزعاج المستوطنين بأية طريقة، كي لا يؤثر ذلك على وتيرة عمليات الاستيطان.
يدرك الكيان الصهيوني أن تحول السلطة لكيان ديمقراطي حقيقي، يعني بشكل تلقائي تحوله لكيان معاد لإسرائيل، لأنه كما تقول الدراسة: إن المزاج الفلسطيني بأغلبيته الساحقة، يرفض التعاون الأمني لو بحدوده الدنيا مع إسرائيل، أي مزاج معاد لإسرائيل.
أما في حال كانت السلطة وطنية فلسطينية، تقوم بالوظيفة الوطنية، الحقيقية، لتوفيرمقومات بناء دولة ذات سيادة، كما يقول منظرو أوسلو، وتؤمن بالديمقراطية الحقيقية، فإنها لن تكون السلطة التي تريدها إسرائيل، وفقًا للتسمية التي تعتمدها الدراسة فهي (سلطة معادية لإسرائيل) لأنها لن تقوم بالتعاون الأمني، وحراسة المستوطنين، لأن هاتين الوظيفتين تتعارضان مع فكرة قيام دولة فلسطينية حقيقية، وذات سيادة، وفي هذه الحالة فإن الكيان الصهيوني ليس بحاجة لها، مما سيدفعه لتولي المهمة بنفسه عبر احتلال وضم على الأقل منطقة (ج) ومسرح عملياته كامل الضفة.
في الحال قامت إسرائيل باعتماد سيناريو ضم كامل الأراضي المحتلة عام 67، طبعا باستثناء غزة، مما سيحول السلطة إلى مجموعة من البلديات تقوم على قاعدة العائلات والعشائر. بهذا الخيار كما في خيارات أخرى مطروحة، ومنها الدولة الواحدة من دون تساوي في الحقوق، أو دولة التمييز العنصري (الابرتايد)، والدولة الواحدة مع تساوي في الحقوق، (دولة لا قومية) دولة لجميع مواطنيها، حيث يتم إلغاء حق العودة الفلسطيني، مقابل إلغاء (حق اليهود في العودة)، فإن التماثل قد تم بإنهاء السلطة، وبالتالي فإن الفلسطيني قد تجاوزها، وتوحد موضوعيًا في مواجهة الواقع الجديد.
وبين سطورالدراسة ثمة استخلاص واضح يقول: إن مصالحة حقيقية لن تقوم إلا على أساس مصالحة موجهة ضد إسرائيل، وإن مصالحة موجهة ضد إسرائيل، لايمكن أن تقوم بوجود السلطة الفلسطينية، هي حكما ستكون على أنقاض هذه السلطة، لأن الساحة الفلسطينية في هذا الحال تكون قد استعادت مشروعها الحقيقي، مشروع التحررالوطني.
ويبقى أن أشير، إلى أن غزة، وفي كل السيناريوهات الستة المطروحة، لها بحث آخرمنفصل عن الضفة، حتى في سيناريو الضم الكامل والدولة الواحدة، لغزة مصيرها الخاص.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1