دور المثقف في المجتمع- عمر الراشد

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
30-08-2018
يتفاوت تعريف المثقف أو المتعلم، إذ يقصره البعض على كبار الكتّاب والفلاسفة، ويوسع البعض من دلالة الكلمة، حتى تشمل كلً من حصل على قدرٍ من التعليم يؤهله لإطلاق التّعبير الشائع عليه أي (المثقف) أو (المفكر) أو (المتعلم) حتى وإن لم يبلغ علمه درجة التّخصص الدّقيق. وآخرون يزيدون من توسيع دلالة الكلمة يجعلها تدل على كلّ من يتمتع بقدر ما، من (الوعي الاجتماعي) أو (الوعي السّياسي")، ويتصرف بعض اليساريين في هذه الدّلالة، بحيث تشمل كلّ من يفكر على الإطلاق، لأنّ التفّكير خصيصة إنسانية أساسية، فقد تنتهي الكلمة إلى الدّلالة على جميع الناس، وبهذا تفقد خصوصيتها، ومعانيها الإشتقاقية والإصطلاحية الأساسية.
وظيفة المثقف في المجتمع:
"إنّ جميع النّاس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كلّ الناس"، وبناءً على ذلك، يمكن تقسيم الذين يقومون بوظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع إلى نوعين:
- النوع الأول:
يضم المثقفين التقليديين مثل: المعلمين، ورجال الدّين والإداريين ويستمرون في أداء العمل نفسه جيلاً بعد جيل.
- النوع الثاني:
المثقفون المنسّقون، الذين يشاركون مشاركة إيجابية في النّشاط الإجتماعي، بمعنى إنّهم يناضلون دائماً في سبيل تغيير الأفكار والأراء، ويرتبطون بالطّبقات، أو المشروعات التي تستخدم المثقفين في تنظيم مصالحها، وإكتساب المزيد من السلطة، والمزيد من الرّقابة.
يبدو أنّ المعلمين ورجال الدّين يبقون في مكانم ويقومون بالعمل نفسه عاماً بعد عام، بينما يتميز المثقفون المنسّقون بالحركة الدائمة، والإنتاج الدّائب الذي لا يتوقف.
دور المثقف: ما هي المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر؟
يحاول المثقف أو المفكر، تحطم الإنماط الثابتة والتّعميمات الإختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الإنساني، وعلى التّواصل بين البشر، والمثقف الحقّ، هو الذي يتفاعل مع أوسع جمهور ممكن، فهذا الجمهور الواسع هو السّند الطّبيعي الذي يستمد منه المثقف قوته.
وإننا جميعاً تعيش في مجتمع ما، وننتمي كأفراد إلى جنسيّة معينة، لها لغتها وتقاليدها، وظروفها التّاريخية، فإلى أي مدى يمكن لنا اعتبار المثقفين أو المفكرين خدماً لهذه الحقائق الواقعية؟ وإلى أيّ حدٍ يعتبرون أعداءً لها؟ ويصدق هذا التّساؤل على علاقة المفكرين بالمؤسسات (الجامعات والنقابات المهنية)، وبالسّلطات الدّنيوية التي إستقطبت طبقة المثقفين.
كان من ثمار ذلك، أن أصبح الكتّاب "يسوقون النّاس جميعاً، ويصيحون بهم بالولاء للدولة"، ومن الواجب الفكري الرئيسي اليوم، هو ... التحّرر النّسبي، من أمثال هذه الضغوط.
دور المثقف في الحياة العامة:
ينهض المثقف بدور محدّد في الحياة العامة في مجتمعه، ولا يمكن اختزال صورته، بحيث تصبح صورة مهنيّ مجهول الهوية، أي مجرد فرد كفء ينتمي إلى طبقة ما، ويمارس عمله وحسب، بل إنّ الحقيقة الأساسية، هي أنّ المثقف، فرد يتمتع بموهبة خاصة، تمكنه من حمل رسالة ما، أو تمثيل وجهة نظر ما، أو موقف ما، أو فلسفة ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك، والإفصاح عنه إلى مجتمع ما وتمثيل ذلك بإسم هذا المجتمع.
ونلاحظ أنّ كثيراً من الحكومات، لا تزال تظلم الشعوب، وأن الإنتهاكات الجسيمة للعدالة، ما زالت ترتكب، وأنّ إستقطاب "السلطة" للمثقفين، المثقفين أو المفكرين، عن إداء رسالتهم، لا يزال يجري في حالات بالغة الخطورة كثيرة.
والمثقف أو المفكر، هو منحاز إلى صفوف الضّعفاء، والذين لا يمثلهم أحد ولا يقتصر رفض المثقف أو المفكر، على الرّفض السّلبي، بل يتضمن الإستعداد للإعلان عن رفضه على الملأ، وهذا يعني أنّ مهمة المثقف، والمفكر تتطلب اليقظة والإنتباه على الدّوام، ورفض الإنسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة بإستمرار، وهذا يستلزم واقعية مطردة ثابتة، وطاقة عقلانية فائقة، وكفاحاً معقد للحفاظ على التّوازن بين مشكلات الذّات عند الفرد، ومتطلبات النّشر والإفصاح عن الرّأي علناً، فهم يمثلون في وعي الجماهير معاني الإنجاز والشّهرة، و.... ، وهي قيمٌ تستطيع الجماهير تعبئتها لصالح الكفاح الدّائر، أو لصالح مجتمع تحاصره الصّعاب، والتحّديات، ولا بد ن إضافة شيء آخر، وهو مهمة تمثيل المعاناة الجماعية لأبناء شعبهم، والشّهادة على ما كابدوه، وإعادة تأكيد صمودهم، ووجودهم، برغم كلَ شيء وتدعيم ذاكرتهم.
والمهمة المنوطة بالمثقف، هي أن يضفي على أزمة شعبه أو (أمّته) طابعاً عالمياً صريحاً، أن يضفي المزيد من الأبعاد الإنسانية على معاناة جنس معين، أو ما عانته أمة معينة. ولا يصح أن يكتفي المثقف، بتأكيد أنً شعباً ما، قد سلبت أرضه، أو تعرض للظلم، أو المذابح، أو الإنكار لحقوقه ووجوده السّياسي، بل عليه أن يربط بين الفظائع، وبين ألأوان المعاناة المماثلة لغيره من البشر، لا يعني هذا ، أي إنتقاص من الخصوصية التاريخية، لكنه يعمل على حماية، من تعلم درسٍ ما من الظلم في مكانٍ ما، ونسيانه أو إنتهاكه في مكان آخر.
والصّورة التي تمثل وعي المثقف أو المفكر، هي روح المعارضة، لا القبول والتّناغم، لأنّ ما تتسم به الحياة الفكرية، من شاعرية وجاذبية وتحديّات يكمن جميعاً في الخلاف، والإنشقاق على الوضع الرّاهن، في الوقت الذي يبدو فيه الكفاح، من أجل الجماعات المحرومة، والتي لا يمثّلها أحد في دوائر السلطة كفاحاً يواجه عقبات، وضعت ظلماً في طريقه، وتزداد الهوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء إتساعاً كلّ يوم في العالم العربي، ومن الغريب أن تؤدي إلى قدرٍ بشعٍ، من اللّامبالاة المصحوبة، بالإعجاب بالنفس عند المفكرين والمثقفين القابضين على زمام الحكم.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1