كلمة في ذكرى استشهاد مصطفى الزبري ( أبو علي مصطفى) د. أحمد قطامش

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
26-08-2018
من دون مقدمات، إن المفتاح في فهم شخصية، ودور( أبو علي مصطفى) تمثل بعمق دور الفرد في التاريخ، فهو لناحية الجوهر استجابه لتطلعات الجماهير، وقضاياها العادله، وفي غمرة الممارسة المتشعبة تبلورت شخصيته ورؤيته، فهو براكسيس أسوة بالقادة الكبار.
لم يبدأ كبيرًا، أو خبيرًا، إنما تفاعلت إرادته ووعيه مع الفعل المتصاعد، فكان فاعلية، وتجسيدًا لمفرده مركزية في المنظورالماركسي، فاعلية الفرد، فاعلية الجماعة الثورية، فاعلية الشعب، وإن لم يكن قد اطلع على المنظومة الفكرية للماركسية في البدايات، غير أنه انهمك في دراسات مثابرة لاحقًا، وبتدرج تنامي دوره، وتناغمًا مع صيرورة الواقع، والمهام، تنامت صيرورته و مسيرته، فلم يتخلف عن الدور المناط به، ولم يغتَر( إذ ليس ثمة ماهو أسخف من الرضا عن النفس) لينين.
وسواء انخراطه بالعمل الحزبي ما قبل هزيمة حزيران1967، وما صاحبه من مهام نوعية، ذلك أن القوميين العرب مبكراً، وتحديدا عام 1957 ( راحت بعض الامتدادات في الضفة الفلسطينيه تتدرب على السلاح و تخزين السلاح ) أديب عساف، الأمر الذي تبلور أكثر مع ولادة التنظيم الفلسطيني في الحركة، بعد زيارة الدكتور وديع حداد لقطاع غزة 1963، واتفاق الحكيم الدكتور جورج حبش مع الرئيس جمال عبد الناصر على تدريب كوادر من الحركة في قاعدة أنشاص العسكريه 1964، وتماشيًا مع ذلك قام أبو علي بعدة جولات استطلاعية سرية داخل أراضي 48، ودأبًا على هذا النهج قام بتأسس أول قاعدة تدريبية في الأغوار، بعد هزيمة حزيران.
لم يكن لديه من الإمكانيات سوى الإرادة الثورية ( لولا أن يقال عني أنني إرادوي لقلت يمكن عمل ضعف ما نعمل) الحكيم، حيث اجتمعت قيادة خماسية في الأردن، وكانت إحدى قراراتها تأسيس قاعدة الأغوار التي لولا وجود قاعدة عسكرية، عراقية، في الجوار، يرأسها ضابط من القوميين العرب لما توافر الحد الأدنى من الطعام و العتاد، ومن هذه القاعدة التدريبية تسلل عشرات الفدائيين للوطن، بما فيهم أبو علي الذي أمضى بضعة أشهر في جبال رام الله، إلى أن انسحب عائدًا إلى الأردن، وفي تلك المرحلة الجنينية لم تكن قد توافرت خبرات، و تصورات واضحة، حول التخفي الذي أجاده لثلاثة أعوام محمد الأسود الذي استشهد في غزه 1972، و ظاهرة أبي منصور التي عمرت في أرياف الخليل فتره أقصر .
و شارك أبو علي في المؤتمر الأول للجبهة الذي انعقد في آب 1968 بينما كان الحكيم في السجن السوري، وانطلقت طاقاته، وأهم مزاياه ( أنتم تعرفون سر قوتي فأنا لا أظن بنفسي ) دز ريجنسكي المرشح للمكتب الساسي للحزب البلشفي، الذي استشهد في ردهات الكرملين فيما كانت ساعات عمله اليومي تقترب من العشرين. وهكذا كان حال الشهيد أبي علي الذي لم يبخل بوقته أو بجهده، بخلفيته الفلاحية، وتعليمه المحدود، فهو ليس من حملة شهادات الدكتوراه و الاختصاص، لكنه انغمس في تثقيف نفسه، إضافة للثقافة الحزبية التي تلقاها ( كلما ارتفع الموقع القيادي تطلب المزيد من الثقافه) وزيرالدفاع الفيتنامي تشينه الذي روج أبو علي كتابه في بعض الأوساط، و(انتقل من مثقف ريفي إلى مثقف مديني)غرامشي، مثقف الكتلة التاريخية التقدمية، في ترجمة حية لكلمات لينين ( إذ استأنسنا الخير في كادر قمنا بتدويرمهامه، و تحويله لمحترف)، فانتقل من العمل السري إلى العمل العلني، ومن المهام التنظيمية للمهام القتالية، ومن النشاط في أوساط الشعب إلى قائد للشعب، ومن النشاط الداخلي إلى النشاط الوطني من دون أن تضعف كلمات هوتشي منيه، التي تشربها في عقله وروحه (الحزم يعني المزيد من الجهد و المزيد من الانجاز(
و على هدي مدرسة الدكتور جورج حبش الإستراتيجي بلا خدوش، وصاحب الرؤيه المتمايزة من دون مساومة الوفي لكلمات ماركس ( إياكم والتنازل النظري، إياكم والمساومة على المبادئ). قام الشهيد أبو علي بقراءة التناقضات، الأساس، والرئيس، والثانوي، والمؤقت وجدليتها، ووسائل حلها، لكن من دون التباس، فالهدف الوطني ( فلسطين ديمقراطية من دون تمييز ديني، أو جنسي، أو عرقي، والهدف القومي دولة الوحدة، الديموقراطية، الاشتراكية).
لأنه من الحراس القدامى، فقد كان عليه اجتراح البطولة، وقوة المثال، فهو من زمن السحر، زمن التأسيس، فتكلل بالبطولة، وقوة المثال، وبالشجاعة، والجرأة (الجرأة أولا، الجرأه أبدًا) ودانتون، جرأة ثمنها الدم و الروح، و حقا كانت روحه على كفه في سنوات المجد الشامخة في الأردن، ولبنان، فهو من الذين تسلحوا بمقوله ( يصنع التاريخ من فوهات البنادق ) ماوتسي تونغ)، وإن طبقه لا تتعلم حمل السلاح تستحق أن تعامل معاملة العبيد) لينين
صحيح، إن هذا الطريق لم ينتصر في فلسطين، و لكنه انتصر في لبنان، ومن قبله في فيتنام، ناهيكم أن العسكرية الإسرائيليه تتردد في اجتياح غزة، كما تنشر الصحافة الإسرائيلية، أي بات لقطاع غزة المحاصر، قوة ردع ما .
للوقوف في الصف الأمامي استحقاقات، وقد تبوأ موقعه في الصف الأمامي، وعلى امتداد عقود، وحيثما كان، و في أشد لحظات القصف في عمان، أو الجنوب اللبناني كان على خط النار (فالرفيق الأفضل يكون حيث الظروف أكثر صعوبة ) ماوتسي تونغ، وهناك من بث قلقا عن وجود المقاومة في سوريا، فوقع في شرك كبير حين عاد إلى الوطن (عدنا لنقاوم لا لنساوم) فالمستعمر لم يطه وقتًا.
وفي سنوات الانتفاض الثاني، مع بداية الألفية الجديدة، تجاوز عدد الذين تعرضوا لاغتيال ممأسس 510 ناشطين، كوادر، وقياديين، كان بين أهم القادة، و كأن التاريخ و ضعه في المقعد الأمامي سواء حيا أوكهلا، أما المداد فكان هذه المرة دما وروحا .
كانت جنازته مهيبة، ومثلما كانت مسيرته، ومصداقيته كانت جنازته، فقد احتشدت كل الألوان في لحظة رحيله .
للقادة الثوار يبين خصال ذهنية، وأخلاقية، وأيديولوجية تجعلهم يستشعرون أكثر من غيرهم، و يتفاعلون أسرع من غيرهم، و يفعلون أكثر من غيرهم (الثوري حالة ثورية ) لينين، وعندما تتفاقم الأزمات تتقدم شخصيات ملحمية يتوحد فيها (الإيمان الثوري، وخطة العمل )كاسترو، ويلتحم فريق ثوري ( أعطني دزينة من الثوريين اقلب روسيا رأسا على عقب ) لينين، وهم يتماهون في مشروعهم التحرري، بل التحريري بلغت فرانز فانون تحركهم أحلام الشعب الكبرى (والعمل المنمنم) لينين، ولكن بالاتجاه الصحيح .( إذ ما فائده الركض إن لم تكن على الطريق الصحيح) مثل ألماني، بيد أن المسيرة الفلسطينية جاءت (حافلة بالأخطاء و الخطايا ) الدكتور حبش، و كان لذلك أثمان باهظة على كل الصعد .
كانت الشروط الموضوعية بعد 48 و 67، وما تعرض له الشعب الفلسطيني من تطهيرعرقي، واقتلاع في الحالتين، حافزا لتجديد الخارطة السياسية الفلسطينية والانطلاق، أما وقد أتت مرحلة أوسلو التي تستفز الأموات، والأحياء، لكنها خدرت الناس أيضا، فجاءت الاستجابة غير الاستحابة المنتظرة. (تأتي لحظات في التاريخ إما أن تنخرط فيها، أو تبقى في معزل ) انجلز. فالذي استجاب أكثر من سواه هو الإسلام السياسي المقاوم ، أما اليسار المقاوم، فقد انكمش، و تبدد تركيمه، و استغرقته أزمه بنيوية لم يخرج منها حتى اليوم، غير أن الخانة التي شغلها اليسار القومي الذي يمثله الشهيد أبو علي، كان له حيز أصيل، ولم تنطفئ فيه الجدلية ( لماذا حصل ذلك؟ وما السبب الأساس؟ و كيف يمكن تجاوز ذلك؟ وما الخطوة الأولى؟ ) عاصفة من الأفكار التي تكبحها مستويات فاشلة، وظروف مجافية، وتحديات نظرية تستوجب القبض على التحولات (فالتعاسة في السياسة هي عدم تمثل المتغيرات) لينين.
وما يبشر أن التاريخ اختبر قوى اجتماعية، ورؤى فكرية، سياسية، لكنها لم تشق طريقًا للخلاص، علمًا أن سقوطها القيادي لايسقط دورها التاريخي، إذ لم ينفك لها دور، بما يحرض موضوعيًا لصعود قوى اجتماعية، ورؤى فكرية جديدة، وهذا بدرجة، أو بأخرى ينسحب على الوطن العربي بمجمله .
إن الأنموذج الذي يمثله الشهيد ما برح يحافظ على راهنيته، فهو ليس ساموراي، والشهيد إن لم يكن من الفريق المؤسس لحركة القوميين (د.حبش، ود. وديع، ود. أحمد الخطيب الكويتي، و الجبوري العراقي، و شبل الفلسطيني ) فقد كان من الفاعلية و الاستجابة بالقدر الذي جعله من الفريق المؤسس للشعبية، ووواكب الانتقال الأيدويولوجي، من الديمقراطية الثورية إلى الماركسية اللينينية في مضامينها التحررية نحو ( التحرر الشامل للإنسان ) ماركس .
كان الحكيم البوصلة ( والشهيدان وديع، و أبو علي، واليماني، وكنفاني، كلهم ساروا على الدرب، و جسدوا الامتداد الأكثر وفاء والتصاقا، أما الامتداد الديالكتيكي لكل هذه الأنموذجات فلم يلد بعد، وهذه القبضة الديالكتيكية (علينا أن نكون ديالكتيكيين ) كاسترو، هم برسم المستقبل، وتربتها القوى الصاعدة في المجتمع التي تربط اللحظي بالمستقبلي، وتبرهن عن موهبة، و اقتدار، تسترشد بكلمات الحيكم ( لا ينبغي أن ينتهك التكتيك الإسترايجي، ولا أن تنتهك السياسة الأيديولوجية) في إطار مشروع عربي نهضوي يمهد لإزالة كل الاغترابات .


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1