الثقافة الفلسطينية- *عمر الر اشد

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
09-07-2018
مفهوم الثقافة:
إنّ الخوض في مفهوم الثقافة سيرُ في حقل ألغام، فالثقافة بمفهومها العام عملية تفكير جماعية، ومنها تبرز إحدى أدوار المثقف، الباحث، والمجتهد، في الجماعة السياسيّة، فتدرك الأمة أهميّته، وتفهم جانبًا من صنعته المرهفة، ونتيجة لذلك تنفتح على جديد الثقافة، وتتقبّل بشكلٍ أفضل ما تجريه من تغييرعلى وعيها بالعموم، ووعيها لذاتها بالخصوص.
إن كلمة ثقافة شديدة الغموض، غير محدّدة المعنى، أشد التعقيد، لكن هذا لا يمنع من البحث في تجلّيات معينة. لنحاول أن نقرأ المصطلح الغامض في سياق تجربةٍ، لا تقلّ غموضًا وتعقيدًا، نقصد بذلك التجربة الفلسطينية.
الثقافة الفلسطينية:
توحي الثقافة الوطنيّة بأنها ثقافة شعب لا يختلف عن غيره من الشعوب، له وطنٌ واضحٌ كما للشعوب الأخرى لها أوطانها، لكن الوطن الواضح، المحدّد الحدود، هو ما حرم منه الفلسطينيون من عام 1948، وأبعدوا إلى المنافي، وهذه المنافي هي التي أعادت تفسير معنى الوطن، وأعطت الفلسطيني صفات تميّزه عن غيره.
والسؤال الذي يمكن طرحه:
هل تمثل الثقافة والوطنية في الشرط الفلسطينيّ عنصرين يتمتّعان باستقلال ذاتي نسبي؟ أم أنّهما يميلان في التحّديد إلى التّطابق والتّماهي؟
الإجابة عن ذلك، تكون بالدّعوة إلى وحدة القيم والمعرفة والسياسة، ذلك أنّ القيم وحدها، لا تفضي إلى شيء كثير، كالمعرفة التي تفتقر إلى الأخلاق تفضي إلى سياساتٍ تقليديّةٍ عرفها الشعب الفلسطيني طويلًا، وخرج منها بخسائر كبيرة".
إشكالية الثقافة الفلسطينية:
ولد المشروع الثقافيّ الفلسطينيّ من المشروع الوطني، فالوعي الثقافيّ العام، لم يكن وعيًا يؤمن بالتنوع والديمقراطية، قربه من، أو بعده عن الفكرة السياسيّة، الهدف السياسيً، وبشكل مباشر وفج وفظ أحياناً. كان لا بد من وضع الحدود بين المشروع الثقافي لحلّ القضية الفلسطينية، وبين الثقافة الفلسطينية كتعبير عن الإنسان الفلسطينيّ، في فلسطين وجودًا وتاريخًا. وما يمتلكه الفلسطينيّ هو المسألة الفلسطينية، من حيث هي قضيّة وطنيّة، إنسانيّة، يبحث الفلسطينيون عن حل لها، ويمنعهم غيرهم من ذلك من مئة عام ونيف، ففلسطين راهنًا ليست وطناً للفلسطينيين، بل لغيرهم، ولهذا تبدأ من الكفاح قديم – جديد، يدور حول أرض ما زالت مغتصبة.
وإذا ما جعلنا من الثقافة، ولادةً لقضاءات الفعل السّياسي، تكون بالضرورة منحازة إلى هذا القضاء أو ذلك. ترى أنّ إنحياز الثقافة هو الذي يعطيها أدوارها في المجتمع والتاريخ، وهو الذي يخلق المجال الذي تنتمي إليه من الإنحياز، ولأنّ الثقافة في كلّ مكان ثقافات، فإنّ كل ثقافة هي ثقافة منحازة، وكلّ منتجٍ ثقافيٍّ يطرح ذاته بوصفه فوق الانحياز، فوق الانقسامات، فوق التناقض، فوق الصراعات، ولكنه في النهاية، خطاب يكرس واقعاً أو ينشق عليه، ولكن من خلال متابعة الشأن الثقافيّ المتعلّق بالقضيّة، والمتعلّق بإبداعات الشعب الفلسطينيّ وجود أزمة خانقة على المستويين .
ومن ناحية القضيّة، وما يطرح في سبيلها من حلول، نجد شطمات الفكر التجريبيّ الإنتقائيّ مستشرية في الخطابات المتعدّدة والمختلفة، أمّا على مستوى الإبداع والأدب والفنون، فعلى الرّغم من وجود مئات المؤسسات الثقافية، فإنّ الغالب هو تفتيتٌ للطاقات، وفق حاجات السياسات الضيّقة التي تعتمدها المرجعيات السياسية الفلسطينيّة.
فإبداع الشعب، وإطلاق إمكاناته الرّوحية والمعنوية، لا يعودان محتجزين لإرادات ضيقة، تريد من المثقف التّطبيل والتّزمير، لفكرة أو موقف، ولا ينتج المبدعون أعمالهم كآلات تحّركها السياسة المسيطرة، لتأكيد صحة مواقف أصحابها. إنّ تطوّر الثقافة والفن والإبداع، لا يستقيم مع التأطير المسبّق، والخضوع لأهداف المشتغلين بالسياسة.

تفكّك الثقافة الفلسطينية:
ليست الثقافة ذات مرود سريع، فهي كالحفر بالإبر: نتائجها الإيجابية غير مضمونة، فالسلطات، والجميع يرغبون في حصاد ثقافي سريع، فقد تمّ ويتمّ تسييس الثقافة، وبالتالي إفسادها.
ما ينطبق على الثقافة عموماً، ينطبق على الثقافة الفلسطينية التي يكتنفها الغموض أكثر من غيرها، بحكم الظروف التاريخيّة المعقدة، والإشكاليّة التي ولدت في سياقها، فقد ولدت الثقافة الفلسطينية الحديثة، كالوطنيّة الفلسطينية الحديثة في المنافي، أي في جغرافيا ثقافات أخرى، أكان هذا في مخيمات اللجوء، أمّ في عواصم دول اللجوء، حيث طبع كلّ النتاج الثقافي الفلسطيني تقريباً، ما قبل ولادة السلطة الفلسطينية أثر تفاقات أوسلو.
يولّد المنفى، قلق الإنتماء، بين مكان الوجود اليوميّ، والمكان الذي أتى منه المرء، وينتمي إليه. كان على الفلسطيني أن يجترح معجزة العيش، أن يخترع وطنًا، وجغرافيا، وثقافةً، وسياسيةً، وحياةً، وصلات بين جموعٍ في دول مختلفة، لأنّه عاش يومياً، بما يذكرّه بعدم انتمائه إلى المكان الذي يقيم فيه، بالإضافة إلى ضغط الدول المضيفة، والمتمثّل في عدم الرغبة فيه، شكل عاملاً إضافياً لإنتاج "الغيتو الفلسطيني" (المخيم)، والحفاظ على إستمراره بأشكال مختلفة، فالإنتماء الفلسطينيّ، كان إنتماء في وسط عربي رغماً عنه، وعربيّته، لم تنف غربته. كان يكفي أن تكون فلسطينياً، حتى يجعل منك ذلك مهّماً.
منظمة التحرير الفلسطينيّة وثقافة السلام:
لقد استقطبت الحالة الفلسطينية، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وفصائلها، ومؤسساتها ودوريّاتها الثقافية والبحثية، عددًا مهمًا من كبار المثقفين العرب في نهاية الستينيّات، وبداية السبعينيّات. فقد شكّلت التجربة الفلسطينية الكفاحيّة، تجربةٍ اعتراضية، ونقدية في الواقع العربي، بعد هزيمة عام 1967، وكانت موقع استقطاب للاتجاهات النقديّة العربية، لكن هذه الحالة النقدية دخلت مسيرة التأقلم مع الواقع الإقليمي، وأفق الحل المتوافق عليه دولياً وإقلمياً للقضيّة الفلسطينية على أساس إفرازات هزيمة عام 1967، ونتائجها، فتمّ تعديل الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ للتوافق مع الواقع (الوقائع) الجديدة، وهذا ما عكس نفسه في الخلافات الفلسطينية- الفلسطينية حول البرنامج المرحلي الذي أسس لحلٍّ نهائيّ للصراع العربي، الإسرائيلي، في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وترافق مع ذلك ترسيم منظمة التحرير الفلسطينية عضوًا رسميًا في جامعة الدول العربية، والنظام الرسميّ العربيّ ما خلق تمايزًا داخل النخبة الفلسطينية، بين المتكيّفين مع شروط النظام الرسمي العربي، وبين الرافضين لهذا التكيّف، المحافظين على الخط النقدي.
كان من الواضح أنّ منظمة التحرير الفلسطينية تتحول إلى سلطة في النظام السياسيّ الفلسطينيّ الذي ولد بفعل الاعتراف الرسمي العربي، وتكريس المنظمة ممثلًا شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني في منتصف السبعينات. منذ ذلك الوقت، أخذت الحالة الفلسطينية الاعتراضية، تخلف فرزًا داخل النخبة الثقافية الفلسطينية، وظهر خطاب سياسيّ، وثقافيّ يؤسس لتسوية سياسيّة، ستأتي بأسوأ الحلول في أوسلو.
الثقافة الفلسطينية واتفاقات أوسلو:
لقد أنتج النظام السياسيّ الفلسطينيّ، على الرغم من عدم امتلاكه جغرافيا خاصةً به، وما يمكن تسميته قبيلة العمل السياسيّ الفلسطينيّ التي تنقّلت ما بين الأردن، ولبنان، وتونس، لتعود إلى الأراضي الفلسطينية بعد تفاقات أوسلو. هذه القبيلة أمسكت القرار السياسي الفلسطيني، منذ نهاية الستينيّات حتى اليوم.
فقد كانت عودة قبيلة العمل السياسي الفلسطيني إلى الضفة الغربية، وقطاع غزّة، عبر اتفاقات أوسلو انتقالاً إلى سلطة معترف لها على الأقلً بالسيطرة على السكان، وعندما أصبحت القبيلة تسيطر على جزء من الأرض الفلسطينية، وقبل أن تكتمل هذه السيطرة بدولةٍ وطنيًة، اكتمل تبلور المثقف التقليديّ المحافظ في الساحة الفلسطينية، ليولد مع ولادة السلطة الفلسطينية المثقف السعيد، وفي ظلّ السلطة الذاتية، أصبح هناك العديد من المواقع، والوزارات، ووكلاء الوزارات، والمؤسسات الثقافية، دخلت مرحلة حتضارها، لا بالإنفكاك عن المنظمة فحسب، بل عن جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني أيضًا.
وعندما توصلت النخبة الفلسطينيّة السياسيّة، والثقافيّة، التي تربعت على قمة السياسيّ، والثقافيّ الفلسطينيّ، خلال أربعين عامًا، إلى اتفاقات أوسلو، كانت قد تعفّنت، ولما دخلت الأراضي الفلسطينية، كانت المؤسسات هياكل فارغة، وليس أدلّ على ذلك أنّ مكتبة مركز الأبحاث الفلسطينيّ التي سلمها (الكيان الصهيوني) إلى الفلسطينيين، ونقلت إلى الجزائر، لم يبذل أحدٌ جهداً لاستردادها، وهي تحوي وثائق مهمة واستثنائية.
هنا التعامل مع كنز ثقافيّ، هو المؤشّر إلى مستوى تعامل السلطة مع الثقافة الفلسطينية التي تفككت، وضاعت، كما ضاعت مكتبة مركز الأبحاث الفلسطينيّة، في الانقسام بين نتاجها التاريخيّ النقديّ، وواقعها اليوم، أو في الإنفصام بين انتمائها النقديّ، وواقع السلطة التكيّ في.
فالثقافة الفلسطينية النقدية، دافعت لعقود عن فلسطيني أخرى، فلسطين لا تشبه البقع السكانيّة التي يسمّونها اليوم فلسطين، وتمّ استبدال فلسطين صاغتها ثقافة المنافي بفتات فلسطين. لقد تفككّت الثقافة الفلسطينية مع تفكّك المشروع الوطني الفلسطينيّ، ومع صناعة السياسة من أشباه القادة، ومع إنتاج الثقافة من أشباه المثقفين، وفي وطنٍ ينكر منتجي ثقافته في الشتات، وداخل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 هذه هي ذروة تفكّك الثقافة الفلسطينية.

* مدرس متقاعد، وعضو الملتقى الثقافي الأدبي الفلسطيني، نهر البارد.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1