تظاهرة شاملة في لبنان طوال شهر تموز المثقف المشتبك منارتنا في زمن الخونة- فراس خليفة

جريدة الأخبار اللبنانية
07-07-2018
ظلّ غسان كنفاني حتى اللحظة الأخيرة من حياته القصيرة مُحرِّضاً على فعل المقاومة وملتزِماً الدفاع عن القضية الوطنية الفلسطينية كما عن «الفكرة» التي «إذا ما وُلدت فليس بالوسع التخلّص منها». يكاد يُجمِع معظم العارفين بأدب كنفاني، أنه كان أوَّل مَن بحث وتابع الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال وأدرك في الوقت ذاته معنى الأدب الصهيوني. هو الذي قال يوماً «إنّ الحركة الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي». حسب هؤلاء، من حق أبناء الجيل الفلسطيني والعربي الشاب أن «يلتقوا» مع كتب غسان كنفاني ورواياته وأبطاله وقصصه ومسرحياته ورسوماته وهي ما يسمّيها هؤلاء بـ «الثقافة الكنفانية التي تأبى الهزيمة والتطويع والتطبيع». في هذا الإطار، تأتي المبادرات العديدة والمتنوعة في الذكرى السادسة والأربعين لاستشهاد كنفاني وأبرزها «فعالية غسان كنفاني الثقافية» (راجع البرواز أدناه) لتقول «إن الراحل ما زال يتفاعل مع عمق الأسئلة ويتماهى في سيرة المنفى وتفاصيل النكبات كأنّ بهؤلاء يقولون معه: أيها الشباب أفيقوا واقرعوا جدران الخزان» على حدّ تعبير الروائي والسياسي الفلسطيني مروان عبد العال. يرى منظّمو الفعالية أنّ أفكار غسان كنفاني ضرورة بالنسبة للمرحلة الراهنة التي تجري فيها محاولات متقدّمة لطمس القضية الفلسطينية وتصفيتها. وفي السياق يعتبر بشار بحسون (اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني) أن «إرث كنفاني الأدبي هو مدماك أساسي لبلورة الموقف من القضية الفلسطينية ويشكل أرضية أساسية لمواجهة هجمة المطبّعين الحالية».
لذا، فإنَّ إحياء الذكرى هذا العام بهذا الحجم والتنوع هو «على قدر أهمية إنتاج كنفاني الثقافي وعلى قدر المواجهة ضد العدو، ونسعى عبرها لإنتاج ثقافة مقاومة بديلة ومواجهة لثقافة التطبيع والاستسلام». بدوره، يعتبر هيثم عبدو القيادي في «منظمة الشبيبة الفلسطينية» (منظّمة شبابية يسارية فلسطينية تأسّست عام 75) إنّ «ما يميّز غسان كنفاني ليس فقط كونه مثقفاً ثورياً ملتزماً وحاملاً للقضية، لكن هناك جيل فلسطيني كامل تربّى على أدب غسان ورواياته وقصصه». يقول عبدو في هذا الإطار: «كثير من الرمزيّات التي أشار إليها غسّان في رواياته وحتى في رسوماته لا زال لها حضورها ومعناها إلى الآن». ويضيف: «غسان يعيش معنا، هو يعيش بالفكرة والرمزية، ونحن باستحضاره من خلال هذه الأنشطة، إنّما نحاول العيش معه ومع أفكاره». برأي «رفاق» عبدو، فإنه من الممكن توظيف «فكرة» غسان كنفاني في الواقع الحاضر للإجابة عن الأسئلة والتحديات المطروحة، لا سيما أنّ القضية اليوم تعيش أسوأ مراحلها التاريخية. «نستعيد مقالاته عن بؤس التسويات والخيانات».
من جانبها، تشيد لانا الحلبي (مكتبة الحلبي) بإحياء المناسبة هذه السنة وامتدادها لفترة طويلة وفي مختلف الأراضي اللبنانية طوال شهر تموز الحالي، وليس ليوم واحد فقط، كما أنها تغطي الأبعاد الثقافية والفنية والسياسية في شخصية كنفاني «الشاملة» كما اهتمامه بأدب الأطفال. تشير الحلبي إلى أنّ المكتبة بوصفها أحد الشركاء المنظمين للفعالية «ستحتضن نقاشاً ثقافياً وسياسياً واعياً وهادفاً حول الأدب الفلسطيني والصهيوني من خلال ثلاثة كتب مختلفة. كما أنّها ستشارك في أنشطة أخرى ضمن الفعالية نفسها كعرض الشارع في عين المريسة ومعرض الصور على درج الجميزة». تذكّر الحلبي بـ «العلاقة الوطيدة» بين مكتبتها وكل ما له علاقة بالأدب الفلسطيني وبغسان كنفاني تحديداً: «أطلقنا نادي القراءة في ذكرى النكبة العام الماضي، وكانت المحطة الأولى مع رواية «عائد إلى حيفا». وفي ذكرى ميلاده قرأنا في المكتبة «القنديل الصغير» للصغار والكبار».
المسرح سيكون حاضراً في «فعالية غسان كنفاني الثقافية». ستعمل فرقة «وصْل» (ضمن جمعية «لَبَن» التي تُعنى بالمسرح الارتجالي وتطبيقاته في المجتمع المدني) على تنظيم عرض مسرحي في كورنيش عين المريسة يقدّم ثلاثة مقتطفات من ثلاثة أعمال مختلفة لغسان كنفاني، تلقي الضوء على ثلاثة مواضيع أساسية في هذه المرحلة: «الفكرة» أولاً. «طالما الإنسان حامل الفكرة يعني بعدها عايشة» على حد قول رئيسة الجمعية فرح ورداني التي تشير إلى أن الموضوع الثاني هو مسألة التطبيع مع العدو: «هي مسألة خطيرة يُعمَل عليها اليوم بطريقة ممنهجة وواضحة». تقول ورداني في هذا السياق: «نحاول إبراز كم يخسر الفرد من هويته من خلال التطبيع».
أما الفكرة الثالثة، فهي فكرة «اللجوء» من خلال مجموعة نصوص لكنفاني تطرح سؤالاً أساسياً: «متى يصير الإنسان لاجئاً؟». وأشارت إلى أن قضية اللجوء باتت اليوم حالة عربية عامة مع تفجّر الأزمات والحروب في أكثر من بلد. تعتبر ورداني أن «وصل» كفرقة ملتزمة قضايا المجتمع كما القضية العربية (الفلسطينية) معنيّة بطبيعة الحال بالمشاركة في إحياء ذكرى شخصية كغسان كنفاني التي ترى فيه رمزاً من رموز القضية والثقافة العربية عموماً. «غسان كان رائداً، وكل ما قدمه في الكتابة والفن والرواية هو منتج ثقافي نفتخر به في الوقت الذي نعاني فيه اليوم من نقص حاد في المنتج الثقافي العربي الحديث».
إذاً، تغطّي «فعالية غسان كنفاني الثقافية» في الذكرى السادسة والأربعين لرحيله، جوانب عديدة في «إرث» صاحب «أرض البرتقال الحزين» و«أم سعد» و«عن الرجال والبنادق» متنقّلةً بين بيروت وعين الحلوة والبداوي. وهي إذ تُحاول مواكبة «عودة الروح» إلى الشارع الفلسطيني رغم الواقع الصعب، فإنها تطرح أسئلة تتجاوز رمزية «قرع جدران الخزان» التي أثارها كنفاني في روايته الأشهر «رجال في الشمس» كدلالة على العجز العربي في ذلك الحين، إلى ما يتعلق بأساس الصراع والمواجهة مع «عالَم يسحق العدل بحقارة كل يوم»!


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1