الطّفل لن يترك المخيّم- انتصار الدّنّان

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
30-06-2018
كان واقفًا أمام عربةٍ ملأى بأنواع عديدة من الخضار والفاكهة، وكانت كلّما امتدّت يد امرأةٍ إلى كيسٍ لتملأه بعضًا من الخضار أو الفاكهة، كان لعابه يسيل لتلك الأنواع المختلفة.
كانت تنقضي ساعات، وهو ينتظر أن تفرغ تلك العربة من حمولتها.
شعر بالتّعب، فافترش زاوية في الشّارع، أسند ظهره إلى عامود من الباطون، وجلس. إنّه زمن الاشتباك. هو ليس ردًّا على الأديب غسّان كنفاني، لكنّه واقعٌ ما زلنا نعيشه منذ سبعين سنة.
انتظر الفتى طويلًا إلى أن حلَّ موعد أذان العصر. وفي هذا التّوقيت، يخفّ ازدحام السّوق، وتداخل ضجيجه، إلّا من بعض المارّة الّذين لا حاجة لهم بشيء من السّوق غير العبور فيه، أو لشراء حاجة ضروريّة.
وقف على قدميْه الهزيلتيْن المتعبتيْن اللّتيْن لا تقويان على السّير، حتّى إلى مكان قريب؛ بسبب الجوع. سار بخطوات متثاقلة، وجلس تحت العربة. التقط بأنامله الطّريّة خيارة شبه عجوز كانت تحت العربة. نفض عنها تراب الأرض، وفصل عنها القسم المهترئ. قرّبها نحو فمه، وبدأت أسنانه تقضم ما ظلّ منها. وجد كيسًا مرميًّا إلى جانب العربة، حمله بيد. وبالأخرى، راح يبعثر ما أُلقي بجانبها بحثًا عن بعض الفاكهة والخضار الّتي قد تصلح للأكل، راح يلتقط ما يصلح منها للأكل. وضعها في كيسه الذي لا يشبه شيئًا إلّا غربته وفقره.
سار في هذه اللّحظات سريعًا، فأخوته الثّمانية، وأبوه المقعد، وأمّه العاجزة ينتظرون جميعًا مجيئه، فالأفواه الجائعة تعتصر أمعاؤها قلقًا. طرق الباب طرقاتٍ سريعةً متتاليةً. انفرجت أسارير العائلة. ركضت الأمّ نحو الباب كالنّحلة تفتحه. صرخت: منْ في الخارج؟
بصوته المرتعش الضّعيف، ردّ: أنا.
فتحتِ البابَ، فهجم أخوته الثّمانية هجوم الرّعد في ليلةٍ عاصفةٍ.
تناولتِ الكيس من يده، حملته نحو المطبخ. فرش حرامًا عتيقًا ممزقة أطرافه على الأرض. جلسوا عليه.
غسلتِ أمّه ما جاء به. أزالت عنها القهر الّذي يعيشونه. وضعت أفضله للوالد، وقدّمته له. وضعت ما تبقى في إناءٍ، وأمام أولادها التّسعة وضعته، وبلمح البصر، وبسرعة البرق تناولت أصابعهم كلّ ما كان موجودًا في الإناء. إنّه زمن الجوع، والفقر، والذّلّ.
ناموا بعدها قريري العين. امتلأت بطونُهم، حتّى لو كان الطّعام عفنًا، لكنّهم سدّوا جوعهم، فالجائعُ لا يغمض له جفنٌ إذا ما ظلّ الجوع يطرق باب معدته.
إنّه زمن الألم، زمن السّعي وراء لقمة الموت المنتظر.اللّجوء موتٌ، والغربة موتٌ، وكذلك القهر، والجوع.
بُحّ صوت حناجر الفقراء، وصاروا لقمةً سائغةً لكلّ من تسوّل له نفسه التآمر على جوعهم.
ضحك الطّفل عندما رأى إخوته نيامًا، ظانّين أن الحياة تنتهي في كيس الخضار والفاكهة، الذي حمله لهم أخوهم.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1