شِخنا ولم تشخ- انتصار الدّنّان

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
14-05-2018
تلك الزّيتونة الّتي تركها جدّي في( البلاد) كما كان يقول، كانت معطاء على الدّوام، لم تبخل علينا مرّة في شيء.
كانت مرتعًا للعبنا عندما كنّا صغارًا، وكانت ظلًّا لنا، عندما كنّا نحام بغدٍ، ونحبّ، وكانت ملجأنا عندما كانت تضيق بنا سبل الحياة.
في موسم العطاء، كانت تدرّ علينا من خيراتها، فنغرق في زيتونها. لم يكن زيتونها وحده هو الّذي يعطينا الخير، بل كانت لقاءتنا نحن أهل البلد هي الخير كلّه.
يا جدّي، في موسم قطاف الزّيتون، كان الصّباح يندهنا باكرًا، وتكون جدّتك قد أعدّت بعضًا من الأرغفة، وحبات البندورة والخيار. نحمل عصينا، وأكياسنا، وزوادتنا، ونخرج من البيت، ونسير نحو الحقل. المكان لم يكن بعيدًا عنّا، هو قريب أكثر ممّا تتصوّرين ياجدّي، لكنّ الجميل في تلك الرّحلة القصيرة الّتي قد لا تتعدّى في بعض الأحيان العشر دقائق أحيانًا، أنّه عندما نصل إلى الزّيتونان، نجد الجيران قد سبقونا إليها، وفي أيديهم جرار الماء.
لم نكن نخاف الجوع، ولا المرض، لم يكن أحد يستطيع قهرنا.
نبدأ عملنا، مغنّين لتلك الأرض، وكنّا كلّما صدحت أصواتنا بالغناء، كان التّراب ينشر في أرواحنا عطره المنعش.
راحت البلاد، يا جدّي.
تركنا البلاد، وتشتّتنا، تركنا الدّور، تركت الخيل الّذي كانت عندي، وجئت لأعيش في خيمة. تلك الخيمة قد تستطيع أن تقصّ رواياتٍ كثيرة، لكنّها لن تستطيع أن تحسّ بما كنّا نشعره من ذلّ وإهانةٍ،وجوعٍ. فقد تركنا الزّيتونة.
صرنا نشتهي الزّيت، صرنا نفتّش عن الجيران، والعصي، والأكياس، وصرت أنا أفتّش عن تلك الأحلام الّتي تركتها خلفي وجئت.
أبوك يا جدّي، لم يكن صغيرًا جدّا حين ترك البلاد، ظلّت الزّيتونة حلمه الّذي لن ينتهي، إلى أن استُشهد.
في المخيم، وبعد أن تركنا الخيمة، سكنّا في منزلٍ هشٍّ، ( هو من الزّينكو)، في المخيم، صرنا نشعر بالخوف، وصرت أبحث عن زيتونةٍ جديدةٍ، لأزرعها قرب البيت. لم أفلح في ذلك، فهي تحتاج للضّوء، والحياة، وتحتاج أن تفرد نفسها في المكان، وتمدّ جذورها في الأرض.
بعد أن اجتاح الصّهاينة لبنان في العام 1982، زار جارنا البلاد، فطلبت منه يا جدّي، أن يأتيني بشتلة زيتون من البلاد. كانت موضوعة في كيس من النّايلون عندما عاد بها. وكنت حينها قد تركت المخيّم، عدْت لأزرعها، رفضت الاستجابة للتّراب، رفضت البقاء في غير ترابها. شعرت بالغربة والخوف، فماتت، ومات أبي. قهر الموتُ جدّي، فلم يستطع مقاومة الحزن الجديد، وأبى أن يترك والدي يرحل وحيدًا. لحق به.
ماتت جدّتي، ومات أعمامي، ونحن شخنا، لكنّ زيتونتنا في البلاد مازالت تفرد جذورها في الأرض، تعلن التّمرّد الدّائم، وتمدّ أغصانها في الهواء، كالعنقاء.
السّبعون الّتي تمرّ اليوم ترفض أن يؤكل زيتونها، ينام في الأرض، قرب الجذور ينتظرنا، يا جدّي.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1