عبد الرحيم ملوح.. على جبينك قبلة وسلام! نصّار إبراهيم

بوابة الهدف الإخبارية
04-05-2018
ليس هدفي الآن الخوض في السجالات حول ملابسات والتباسات انعقاد الدورة 23 للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله في 30 نيسان 2018. فقد كتبت رأيي بهذا الخصوص قبل أيام.
ما أريد الوقوف أمامه اليوم هو النقاشات وردود الأفعال التي أثارها ظهورالرفيق عبد الرحيم ملوح في المجلس الوطني المذكور، وما رافق ذلك من تعليقات وشعارات وتطاول وتفسيرات وتهجمات وملاسنات.
إذًا لست هنا في وراد الوقوف أمام تفاصيل وسياقات ما جرى وكيف جرى ولأي أهداف على أهمية ذلك بالطبع.
وهنا أنا لا أقدم شهادة بحق الرفيق ملوح، فتاريخه وتجربته الطويلة والممتدة على مساحة عمره كله هي شهادته أولا وعاشرا.. وبالتالي فهو ليس بحاجة لشهادة أو تزكية من أحد.. وخاصة من أولئك الذين لا يفرقون ولا يميزون بين النقد والاختلاف والتناقض في حدود العقل والمنطق والحب والوفاء والالتزام... وبين نقيق الدجاج والشتائم.
ما أثار حزني العميق وأود تناوله بالنقاش هو حالة الهبوط وتجاوز الحد الأدنى من الأخلاق بما يحمي تاريخا يجب الاعتزاز به.
أعرف الرفيق الصديق عبد الرحيم ملوح منذ عقود طويلة.. أعرفه يوم كنت مجرد شاب حالم ومندفع فيما كان يحتل ملوح مواقع قيادية في الجبهة الشعبية وفي م.ت.ف.
أعرفه رفيقا حيويا جميلا وفاعلا.
لقد اختلفت مع الرفيق ملوح كما غيره من الرفاق في أكثر من محطة وموقف في السياسة وغيرها، ولكن من على قاعدة الالتزام والوفاء والصدق، ومع ذلك كان دائما يبقى قريبا من القلب...
ولكن... هناك من هم بارعون في أن يصنعوا لأنفسهم من اللاشيء تاريخا... ولو "بالزعيق والجملة الثورية"، وهناك أيضا من هم بارعون في تحطيم من له تاريخ ... هؤلاء من أطلق عليهم كنفاني في إحدى قصصه "أصحاب الطق طق"... يبدو أن ذلك من طبائع البشر.
في هذا السياق لا بأس من التذكير ببعض الحقائق: أولها أن عبد الرحيم ملوح لم تكن له يوما حياة خارج العمل الوطني، فقبل أن يخط شارباه التحق بجيش التحرير الفلسطيني في العراق وأصبح ضابطا بعد دورة تدريبية في مدينة بعقوبة، بعدها عاد إلى الأردن ثم التحق بالعمل الفدائي في الأغوار وشارك في الدوريات التي كانت تدخل إلى الأرض المحتلة بهدف التسليح والمقاومة، كما شارك في معركة الكرامة، وأصيب في الحوض إثر غارة للطيران الإسرائيلي.
في أثناء الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت في حزيران 1982وبسبب وجود الرفيق أبو أحمد فؤاد المسؤول العسكري للجبهة الشعبية خارج بيروت، تولى الرفيق ملوح مسؤولية قيادة قوات الجبهة العسكرية طيلة أشهر الحصار.. أذكر تلك الأيام واللحظات جيدا.. واذكر جولات ملوح على محاور القتال في خلدة والضاحية والرملة البيضا وشاتيلا ووسط بيروت... لقد قاد ملوح قوات الجبهة طيلة معارك الحصار يوم لم يكن مع الفلسطينيين أحد... يومها قد لا يكون الكثيرون ممن يهاجمون ويشتمون عبد الرحيم ملوح اليوم قد ولدوا بعد.
أكتفي بهذا فلست هنا في وارد سرد كل المهام والمسؤليات القيادية والنضالية العديدة التي تولاها عبد الرحيم ملوح في إطار مسؤولياته القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مذ كان شابا وحتى الآن.. بما في ذلك اعتقاله في أكثر من ساحة، وآخرها اعتقاله لمدة سبع سنوات من قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 2002. .. فهذه المهمة هي مهمة الجبهة الشعبية التي عليها أن تحرس الرفيق وتوثق تجربته وتحمي شخصه من العبث أو التطاول من هنا وهناك...
لقد زرت الرفيق ملوح عام 2017 مرتين، يومها وحين حاول وبصعوبة أن ينهض ليستقبلني لم أجد سوى الدموع لأعبر له فيها عن مشاعري..... قبلته على جبينه.. يومها انهمرت في عقلي كل الذكريات دفعة واحدة.. تذكرت أيام كان ملوح يمشي برشاقته المعروفة ويمضي نحو مهامه ضاحكا وحاسما...
ما أكتبه هنا ليس من باب إثارة العواطف.. بل من أجل أن لا ينسى "الثوريون جدا" واجبهم ومسؤلياتهم الأخلاقية في حراسة التجربة والتاريخ،
لا أدري لماذا وكيف وصل عبد الرحيم ملوح إلى جلسات المجلس الوطني... كما لا أدري كيف تنفلت الكلمات من هنا وهناك فتنسى بديهيات الاحترام للتاريخ والعمر الذي أعطاه ملوح لهذه القضية ومن موقع المقاتل والمسؤول...!؟كيف نجرؤ على تشويه أجمل ما لدينا... !؟
ما أعرفه أن على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تحمي رفاقها وتاريخهم من اي عبث أو تطاول، فعبد الرحيم ملوح لم يكن في أي موقع من مواقع المسؤولية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو في اي هيئة وطنية فلسطينية رغما عن هيئات الجبهة.. ذلك لأنه قد تولى تلك المسؤليات دائما بقرارات من هيئات الجبهة الشعبية.
أذكر يوم عاد الرفيق أبو علي مصطفى من الخارج إلى الوطن،خرجت بعض الأصوات من هنا وهناك تهاجمه وتنتقده وتضعه في مواجهة ومقارنة مع الحكيم جورج حبش، يومها قلت للبعض: وهل تعتقدون أن أبا علي مصطفى قد عاد رغما عن الحكيم وهيئات الجبهة االشعبية!!.
بعد سنوات قليلة اغتيل الرفيق أبو علي مصطفى في مكتبه: فجأة أصبح: الرصاصة الأخيرة التي بقيت في جيوب الرفاق!
ما أريد قوله هنا بسيط للغاية: أي حزب لا يحترم ذاته وتاريخه ورفاقه ومن أعطوه أعمارهم فإنه حزب يستدعي الوقوف وإعادة النظر في ذاته وبنيته الأخلاقية.
هذا لا يعني أنه ممنوع أو محظور الوقوف أمام الأخطاء مهما كانت منزلة الشخص أو الفرد.. ولكن هذا شئ وأن يتم تدمير وتحطيم الإنسان بكل تاريخه شئ آخر...
لقد قيل في جوزيف ستالين ما قيل، ولكن بقي له الاحترام.. كما قيل في لينين ما قيل ولكنه بقي بكامل بهائه في الساحة الحمراء في موسكو.
فويل لشعب أو حزب لا يحترمان التاريخ، وويل لحزب ينسى من أعطوه حياتهم، فيحاسبهم على اللحظة. ذلك حزب تحتاج ذاكرته دائما للتجديد والشحذ.
أما أنت يا رفيقي وصديقي عبد الرحيم ملوح فلك العمر المديد، وقبلة على جبينك, والسلام.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1