مسيرة العودة وإعادة ترتيب الوقائع والتحديات

بوابة الهدف الإخبارية-أحمد.م.جابر
31-03-2018
بمقدار ما يمكن أن تساهم التعبئة الجماعية الفلسطينية ابتداء من يوم الأرض أمس، في مسار متراكم تصاعدي، في تقديم مقاربة جديدة لتحد من نوع آخر يفرضه الشعب الفلسطيني على عدوه المحتل بعد سبع عقود من النضال المتراكم، فإن هذه التعبئة وطروحاتها الجديدة إن تمت على ما ينبغي لها، تفرض أيضا تحديا داخليا فلسطينيا، سينتج عنه بالضرورة تحد صهيوني لجهة الرد الذي ستصوغه القيادة الصهيونية على هذا التحدي.
فالعودة في شكلها القانوني، هي مسار مشروع دوليا، وما يمكن أن يجترحه الفلسطينيون هو تحويل الآلية التنفيذية لهذا القرار من سياق المطالبة والتأكيدات إلى سياق ممارسة مفتوحة على مسارات غير متوقعة تضع المجتمع الدولي وتجبره على التصدي لمعالجة قراراته وتطبيقها. فلا يعود الفلسطينيون ينتظرون آلية تطبيق هم قادرون على فرضها تراكميا وتحدي المحتل بها.
ومما شك فيه أنه من الممكن القول أن إحياء ذكرى يوم الأرض هذا العام وربطه مباشرة بحق العودة بشكل غير مسبوق بعد أن كان مرتبطا جوهريا بالاستيطان ومصادرة الأراضي يعتبر خطوة لها ما بعدها، بعد أن توحد الشعور الشعبي المشترك بين الفلسطينيين في الشتات وكذلك في الأراضي المحتلة المختنقة بمعادلة بسيطة، فهؤلاء هم جوهر القضية الفلسطينية، وضحايا التطهير العرقي والتهجير الجماعي تمفصلوا على حقيقة واحدة "العودة إلى أراضينا ومنازلنا المسروقة أمر قانوني بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة". وبالتالي تأتي مسيرات العودة ليس فقط كتأكيد على هذا الحق غير القابل للتصرف، والمضمون بعدد كبير من الاتفاقيات الدولية، بل كانتقال تاريخي إلى حيز الممارسة العملية. هذه النقلة تفسر الاستجابة العسكرية القمعية العدائية التي صدرت عن الكيان تجاه أناس يطالبون بما هو حق لهم، ولكنه يشكل مقتلا لكل العقيدة الصهيونية.
أهمية مسيرة العودة وما يثير قلق وغضب "إسرائيل" في آن معا، أنها لن تكون يوما واحدا، وتصعيدها سيجرد الكيان وإعلامه من فرصة الدعاية اليومية الفجة ضدها، عبر شن حملات (الدعاية) للنظام اليميني للنظام. وفي الواقع ، فإن رد الفعل هذا سيأتي بنتائج عكسية تماما ، وسيجبر العدو ونظامه الأيدلوجي على التمحص أكثر وتناول التحدي بجدية وجودية، وهو ما بدأ فعلا، كما حدث في جنوب أفريقيا في العهد العنصري حيث تعلم "الحزب الوطني:" قائد نظام الفصل العنصري الدرس جيدا.
لم يعد إخفاء الحقيقة الاستعمارية القبيحة لفرض الصهيونية على الشعب الفلسطيني ممكنا، والكيان في رد فعله بالأمس يدرك أنه يجد نفسه وجها لوجه مع ما حاول إخفاءه وما عملت اتفاقات أوسلو على طمسه: عواقب النكبة (كارثة) تأسيسها في عام 1948 ، والتي يمكن رؤيتها في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة - في عامي 1967 و 1948 - ومخيمات اللاجئين المنتشرة في جميع أنحاء لبنان ، سوريا والأردن وأماكن أخرى غير ممكنة، حتى مع وجود وسائل إعلام متوافقة مع المشروع الصهيوني.
يمكننا ملاحظة هذه التحولات في الطريقة التي انعكست بها التغطية الصهيونية لمسيرة العودة، مدى التوتر والقلق والارتباك في الوسط السياسي والأمني الصهيوني تجاه الحدث وكيفية التعامل معه ومخاوف أن يكون حدث يوم الجمعة هو بداية لانتفاضة فلسطينية تصل ذروتها في ذكرى النكبة يوم 15 أيار/ مايو القادم. من جهة، ومدى العنصرية الصهيونية البغيضة والتقليل من أهمية أي فعل فلسطيني والدخول في حالة إنكار شبه تامة للمسببات الأصلية للحدث من جهة أخرى. ومن المعروف أن التعبئة الإعلامية للعدو بدأت منذ أكثر من أسبوع بشكل مكثف بالحديث عن التوقعات وحشد التصريحات الأمنية والعسكرية التي غرقت في التهديدات الجوفاء وتزييف الحقائق والإيحاء بأن الشعب الفلسطيني في غزة، يتحرك بأوامر من جهات خارجية ومن فصائل تريد إخراج نفسها من الأزمة التي تعيشها غزة، وكأن غزة ومأساتها معزولة عن واقع الاحتلال والحصار الوحشي الذي يعيشه القطاع الصامد من قبل العدو الصهيوني وشركائه العرب على وجه الخصوص.
الإعلام الصهيوني رغم حالة الإنكار المبطنة لم يجرؤ على تجاهل الحدث الكبير الذي اخترق الوعي الصهيوني بكل قوة، فوجد نفسه – هذا الإعلام- مضطرا للتغطية المباشرة للحدث، ومحاولة ملئ الفراغات الكبيرة في تغطيته بالنقل عن الوسائل الفلسطينية والتصريحات الفلسطينية، بعد أن استنفذت جميع الحيل لدى القادة الصهاينة على مدى الأيام السابقة ولم يعد لدى الكيان ما يقوله إلا الاضطرار صاغرا لإرسال رئيس هيئة الأركان العامة على رأس آلاف الجنود للتصدي لمسيرة سلمية لجماهير عزلاء.
من هذه الأمثلة المقال الذي نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم" للجنرال الصهيوني في الاحتياط رونين ايتزيك، الذي ناقش فيه معضلة لجيش الصهيوني الذي سينجح كما قال في صد المسيرة الفلسطينية ومنعها من اختراق السياج ولكن من جهة أخرى فإن "الفلسطينيين نجحوا في التسبب لأقوى جيش في الشرق الأوسط بالدخول في حالة استعداد من الدرجة الأولى، وصولا إلى إرسال رئيس هيئة الأركان بنفسه ليقود التصدي للحدث". ناهيك عن استجلاب آلاف الجنود، وهذا يعكس أن للمعركة مستويين مستوى عسكري وآخر على محور الوعي، كما قال إيتزك.
وأضاف الجنرال الصهيوني، أنه إذا كان الجانب العسكري محسوما بقدرة الجيش الصهيوني على التصدي لأي اختراق ومنع اختراقات جوهرية على السياج، فإن المحور الثاني يبدو إشكاليا بالنسبة للجيش "الإسرائيلي" كمنظومة ومن يقف على رأسه، حيث أن تسلسل الأحداث هذا الأسبوع أدى إلى تقويض ثقة مستوطني "غلاف غزة" بالجيش ما انعكس في كثافة النزوح من المنطقة لقضاء عيد الفصح في "مكان آمن".
أضاف الجنرال ايتزيك، أن الإعلان عن أن رئيس الأركان آيزنكوت هو من سيقود الجنود في الميدان يوم الجمعة حمل رسالة محيرة، حول خطورة الوضع، وأرسل رسالة أن القوات "الإسرائيلية" بقيادة أكبر رأس فيها تقف في مواجهة مدنيين عزل.
مثال آخر، من جهتها صحيفة مكور ريشون اليمينية زعمت أنه في الوقت الذي يدعي فيه منظمو المسيرة أن احتجاجهم سلمي سياسي، فإنهم، كما زعمت يلعبون " على الحدود بين الأحداث المنظمة والعنفية". وزعمت مكور ريشون أن حدث الجمعة هو بداية الزخم وصولا إلى المسيرة الملايينية التي ستكسر الحدود وتحقق حق العودة مشيا على الأقدام كما قالت.
وقالت الصحيفة إن هذا السيناريو هو كابوس للكيان الصهيوني لم يتحقق حتى الآن، "لافي في عهد عرفات ، الذي دعا الملايين للذهاب إلى القدس ، ولا في عهد رائد صلاح ، زعيم الحركة الإسلامية وحملة الأقصى في خطر. ما يحدث الآن يعتمد على الماضي، لكنه يقدم صورة مختلفة. و يتكيف بشكل خاص مع عصر التواصل الجماهيري والشبكات الاجتماعية، ويبني على خلق الزخم الدولي وتطوير الأحداث العفوية إلى جانب الأحداث المخطط لها. نوع من الفوضى المنظمة، اللعبة على المحك بين المهيمنين والغير منضبطين".
وأضافت الصحيفة أن ما يحدث هو سلسلة من الأحداث السائلة ، التي لديها القدرة على جر دولة إسرائيل إلى استجابة غير متناسبة"، واحدة من شأنها أن تتسبب في صور القتلى والجرحى والتي لن تؤدي فقط إلى إثارة غضب دولي تجاه دولة "إسرائيل" .
ونقلت الصحيفة مزاعم رونيت مرزان محلل السياسة الفلسطينية في جامعة حيفا ، حيث قال إن مسيرة العودة تحلل على مستويين، الأول كرد على فشل النضال السياسي الفلسطيني، و كسبب مباشر هو إعلان ترامب عن القدس كعاصمة "لإسرائيل"، وزعم أنه بما أن ترامب والكيان الصهيوني اعتبرا القدس خارج المفاوضات، فإن الفلسطينيين يلقون بحق العودة كجزء لا يتجزأ من العملية السياسية. أما المستوى الثاني بزعم مرزان فهو أن المسيرة تشكل مرآة يرى فيها القادة العرب والفلسطينيون فسادهم.
ولا يمكن أيضا فصل مقالة بن درور يميني في يديعوت بالعربية لأول مرة فيما اعتبر سابقة، وعلى الصفحة الأولى للصحيفة الأكثر انتشارا بعد "إسرائيل اليوم"، وطغت على المقال اللغة المنافقة، الحربائية التي استجدى بها أهل غزة وهو يدعوهم للسلام و"نبذ العنف" والتراجع عن المسيرة، دون أن نرى مقالا في الصحافة العبرية يخاطب الصهاينة حول جرائم جيشهم وعن الحقيقة التي تقف وراء مسيرة الفلسطينيين، عن حق العودة وقيمة الأرض التي سلبها هذا المحتل.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1