الــمــوت: خليل إبراهيم المتبولي

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
11-03-2018
الموتُ ، خيطٌ يفصل بين الحياة واللاحياة ، يجيء ليلاقينا فجأة ، يحشرُ نفسَه بين الأحياء ويخطفهم ، لا يهمّ ، كبيرٌ ، صغيرٌ ، شابٌ ، كهلٌ ، طفلٌ ، الجميع سواسية . لا يخبرنا بقدومه ، ولا بعملية خطفه ، لا يحاور ، ولا يناور ، يرخي بظلالِه ، ويعبقُ بالمكان ، ويضحك ... لكل واحدٍ منّا ظلّ ، وظلُّنا الموت ، الموتُ ليس ضوءاً بل صوتٌ غامضٌ يدندن بعيداً عن المجهر في جوف الروح ...
الموتُ ، ملتقى لكلّ العبثية المضحكة ، والمطلَقة ، متنزَّهٌ في الفراغ ، وفي الأرواح التائهة ، مركبٌ يمخرُ عباب المجهول ، يعذّب ، يقهر ، يحوّل المجتمعات إلى مجالس عزّاء ، لماذا الموت يبقى ؟ لأنّه البقاء ، والبكاء ، وتوابيت تحملُ الأحياء ... لا أمان ، لا راحة ، قلقٌ دائم ، منذ الولادة والموت مرافقنا ، نولد مع
الموت ، نتربى مع الموت ، نأكل ، نشرب ، نتعلّم ، نكبرُ مع الموت ، إحتمالاته كثيرة ومتنوعة ، ومتعدّدة ، هيّن ٌ ، تلقاه عند مفترق الطرق ، تهربُ يتبعك ، يقتنصُ الفرصَ ، ينشرُ البكاءَ والبشاعة ...
الموتُ ، هجرةٌ نحو انطلاقٍ مزدحمٍ بصوَرٍ كثيرةٍ ، وبألحانٍ جنائزيّة ٍ منفلِتة من نوتاتها ، رائحةٌ محفوفةٌ بعبقِ النّعي ، لحظةٌ محبِطَةٌ ، ومحبَطة ، تغتسلُ بمياهٍ باردةٍ جدّاً ، يقشعرُّ لها بدنُ الكونِ ، ترتجفُ الصحوةُ في الحقيقةِ ، يُستحضَرُ إلى الذهنِ صورةٌ ثلاثية الأبعادِ لعمرٍ قَصُرَ أم طالَ لا يهم ، صورةٌ للأفكار الأولى والأخيرة ، خبرٌ في جريدةٍ بوجهٍ حزين ، لحظاتٌ تهربُ من قبضةِ الشوق ...
الموتُ ، ليس استثناءً ، إنما قانونٌ ثابتٌ ومعقّدٌ ، يستنزفُ الحياةَ ويرهقها ، يدفعها دفعاً إلى السقوطِ نحو حفرةٍ تتناغم مع تناقضاتِ الطبيعة ، تختلطُ الوحدةُ بالعدمِ ، حشراتٌ تتزاوجُ مع جسدِ الحياة المهترئ ، صوتٌ وصمتٌ في سجنٍ مؤبّد ، ذنوبٌ ظاهرةٌ ومستترة ، حسناتٌ مجرّدةٌ من الإيمان ، عَطَشٌ إلى محبةِ الوجود ، مجونٌ يندحرُ في عبثيةِ رقصةِ الموت ، ضبابٌ يحجبُ النظر ، عواصفٌ وصواعقُ تختبئُ في قلب الموت ...
الموتُ ، مأوى الغربةِ الدائم ، يحملُ مشحرةَ الروحِ الملهوفة على رائحة بخورِ بيوت الله ، خروجٌ عن المألوف ، حالاتٌ من التمازجِ بين تجارب كانت وحصلت ، وتجارب تتعمّدُ الفراقَ وتعميق الغربة .
هل الموتُ كابوسٌ أم حلم ؟ هو حلم الكابوس المستمر في وهم الحقيقة ، هو الخطر في الصميم ، وفي الساعة التي تأتي بعد الدقائق والثواني والتي تتسابق فيما بينها للوصول إلى اللّحظة الأبدية ...
الموتُ استسلامٌ للمجهول ، استسلامٌ للنوم ، استسلامٌ للأرضِ ولترابها ولأحشائها ، استسلامٌ لصوتٍ ينزل من السماء يُفرحُ القبرَ ، استسلامٌ لذكرياتٍ مهجورة . الألفة مع الموت تساعد على استيعاب فكرة الفقدان ، وتمدّد الصمت في مساحة الروح ...
الموتُ قطيعة ، الموتُ سكونٌ وسكوت ، الموتُ نقطةٌ سوداء في مساحةِ بياض الحقيقة ، إنّه أفظع ما في الوجود والعدم !..


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1