في ذكرى رحيل جورج حبش- هيلدا حبش

بوابة الهدف الإخبارية
27-01-2018
تحل الذكرى العاشره لرحيل شريك العمر ورفيق الدرب النضالي الطويل والشاق، إنه الحكيم الدكتور جورج حبش فقيدنا الغالي وفقيد الوطن الغائب الحاضر بين أهله وفي وجدان شعبه. وإنني ولغاية اليوم أرفض فكرة الرحيل، كيف يرحل من يعيش بيننا ويسكن قلوبنا ويحتل وجداننا ويشغل مخيلتنا، كيف يرحل من ترك كل هذا الإرث النضالي الكبير، الذي أثرى به تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وترك بصمة للاجيال فهو يتجسد كل يوم في المواجهات اليومية لشعبنا مع العدو الصهيوني. نفتقده في هذا الزمن الرديء ونحن أحوج ما نكون لحكمته ومشورته وإنسانيته، ولكل ما يمثله من قيّم ومبادئ وتفان وعطاء وإنكار الذات.

أراه في القدس وفي جنين والخليل وفي غزة، وفي كل شبر من فلسطين، أراه من خلال شباب الانتفاضة المجيدة وشاباتها وأطفال فلسطين وشيوخها، يحثهم على المقاومة، ويشد أزرهم ويتدفق حماسا ليعيش الأمل الذي تحقق له من خلال الاشتباك اليومي لشعبنا وهو يتصدى لجيش الاحتلال المدجج بالسلاح بصدور عارية سلاحهم الإرادة الحديدية والإصرار على المقاومة. هذا الداء الذي ابتلينا به منذ الطفوله، داء مزمن لكنه ليس عصيا على الحل، فشعبنا قادر على اقتلاعه من الجذور. من رأى الفتاه الجميلة الشقراء المناضلة عهد التميمي وهي تصفع الجندي الصهيوني بكل قوه وعنفوان، يستطيع أن يدرك أن هذا الشعب ما زال قادرا على التضحية والعطاء، وقادرا على أن يوجه الصفعة تلو الصفعة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية الصهيونية. ومن المدهش حقا أن الجندي الذي صفعته عهد صمت صمت القبور من هول الصدمة.. هذه الفدائية الثائرة على القهر والظلم، التي ابتكرت أسلوبا جديدا للمقاومة الشعبية، أربكت جنرالات العدو الصهيوني بقدر ما أربكهم صمت الجندي الذي صُفع. لقد نقلت مصادر الصحافة الإسرائيلية بنفسها القول الآتي «من المفارقة أن نتبين أنه بعد الحجارة والسكاكين والزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة فإن السلاح الأقوى لدى الفلسطينيين هو فتاة داهية ابنة الـ16 عاما».

إنها جان دارك فلسطين، أيقونة تستحق منا كل التقدير والاحترام والدعم المعنوي. أوجه لها تحيه إكبار وإجلال، وللأب الفاضل المناضل الذي يدافع عن ابنته بكل شموخ وكبرياء، وللأم المناضلة التي أرضعت أبناءها حليب الانتماء للوطن والدفاع المستميت عن الأرض وعن الهوية الفلسطينية، وعن حقنا التاريخي بهذه الأرض المقدسة. وكذلك أحيي جميع المناضلين الشرفاء الصامدين في وجه أعتى القوى المعادية للإنسانية والرحمة لجميع الشهداء الأبرار.

أما «صفقة القرن» التي ابتدعها ترامب وقراراته الجائرة بأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، فعليه أن يقرأ تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وأقول له إنني ابنة القدس، عشت تداعيات النكبة عام 1948، كنا ننام ونصحو على أزيز الرصاص، ودوي الانفجارات ما زال يطن في أذني، والاشتباكات بباب العامود بين الجيش الإسرائيلي والمناضلين الفلسطينيين، وهم يحاولون التسلل عبر الأسلاك الشائكة التي كانت تفصل القدس الشرقية عن القدس الغربية، يحاولون العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها، ومشهد الجنود الصهاينة وهم يعتلون أسوار المدينة المقدسة ويطلقون النار على المدنيين العزل عشوائيا.

لقد مارست إسرائيل التطهير العرقي، واقتلعت شعباً بأكمله من جذوره، واحتلت 78% من فلسطين التاريخية عام 1948. كل ذلك حصل أمام مرأى ومسمع العالم بأسره، وأن الانحياز الأعمى لإسرائيل الذي تمارسه أمريكا لن يجدي نفعا، لأن فلسطين لها أهلها وشعبها، ولن نفرّط بذرة تراب من أرضها، وأن قوافل الشهداء الأبرياء لن تتوقف دفاعا عن حقنا في الوجود فوق تراب وطننا. وأن الجيل الصاعد الذي يقف في وجه إسرائيل هم من الشباب الواعي المثقف الذي يؤمن بعدالة قضيته ويريد أن يخلع شوكه بيده مهما طال الزمن.

أمام هذا المشهد الدامي على الساحتين الفلسطينية والعربية جاءت قرارات ترامب لتصب الزيت على النار، تصريحات غير مسؤولة ومستفزة. إن الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل لن يتحقق إلا على جثث مناضلينا، وإن القدس عربية رغما عن أنفه، ونحن ابناء القدس قد وطأت أقدامنا ثراها منذ الطفوله قبل أن تدنسها أقدام الغزاه الصهاينة. في خضم هذه الأحداث الخطيره دعت السلطة في رام الله إلى اجتماع المجلس المركزي، بدون الإخوة في حماس والجهاد، مع أنهم في اشتباك متواصل مع العدو، وخاضوا العديد من الحروب مع الكيان الصهيوني، وقدموا آلاف الشهداء، وفُرض عليهم حصار مُحكم دفع شعبنا ثمنا باهظا له. وما زال يعاني من قطع الكهرباء وتلوث المياه والبطالة والفقر المدقع وشح الموارد الغذائية وتدمير البنية التحتية، إضافة إلى آلاف البيوت التي دمرت. كل ذلك والقيادة الفلسطينية تقف موقف المتفرج على معاناه الناس، ما يعمق الانقسام ويزيد الأحقاد، والمستفيد الوحيد هو العدو الصهيوني.

وفي ظل هذا الوضع المأساوي جاءت قرارات المجلس المركزي دون المستوى المطلوب، ولم ترتق الى طموحات شعبنا وتضحياته الجسيمة، بدلا من العمل على تجسير الهوة التي تفصل بين السلطة وحماس، والتأكيد على الوحدة الوطنية في مواجهة هذه الظروف الخطرة والمعقدة، وتشكيل قيادة موحدة لحماية الانتفاضة ومساندتها وتطويرها ودعمها ماديا ومعنويا وإعلاميا، والعمل على حماية المناضلين والحرص على حياتهم. وهذا يتطلب أن تعلن القيادة الفلسطينية بكل حزم ووضوح وقف التنسيق الأمني والتحرر من جميع القيود والاتفاقيات السياسية والاقتصادية المجحفة والمذلة بحق شعبنا، التي تنص على حماية إسرائيل وأمنها أولا وآخرا، والتي يتم تطبيقها من طرف واحد والخروج من مستنقع أوسلو. كان على المجلس أن يقف وقفة نقد وتحليل لكل ما نتج عن أخطاء القيادة التي أعلنت عن فشلها بعد 24 عاما من توقيع الاتفاقيات المشؤومة، التي انعكست سلبا على شعبنا وأوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. عندما تتحدث السلطة عن دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، ما هي حدود الدولة وما هي مساحتها بعد التوغل الاستيطاني الذي ابتلع مساحات شاسعة من القدس والضفه الغربية.

800 ألف مستوطن يقبعون فوق صدورنا، ماذا بقي من مساحة الضفة الغربية بعد التمدد الاستيطاني والكتل الاستيطانية التي تطوق جميع المدن الفلسطينية وجدار الفصل العنصري الذي ابتلع أكثر من 10% من مساحة الضفة، وفصل أكثر من 65 ألف مواطن عن محيطهم، وإقامة الحواجز، وإغلاق الطرق وشق الطرق الالتفافية وابتلاع أكثر من 45% من مساحة الضفه الغربية؟ اين ستقام تلك الدولة العتيدة التي يطالبون بها؟ هل هناك عصا سحرية للحل؟

في كتاب «التجربة النضالية الفلسطينية حوار مع الدكتور جورج حبش» مؤسسة الدراسات الفلسطينية يقول الحكيم: « منذ البداية برز نهجان في النظرة إلى الانتفاضة، النهج الأول مثلته القيادة المتنفذة في م. ت. ف وكان يدفع في اتجاه السيطرة على الانتفاضة والتعامل معها بصورة استخدامية متسرعه بدلا من الارتقاء بها وإسنادها بكل الطاقات. النهج الثاني الذي حملت رايته الجبهة الشعبية كان يدفع في اتجاه اطلاق ابداعات الانتفاضة، إلى أبعد حد، واعتبار إسنادها بمقومات الصمود ماديا وسياسيا وإعلاميا مهمة أولى، مع ضرورة إعطاء قيادتها الوطنية، الحرية في إدارة الصراع وفق معطيات الواقع. والأهم حمايتها سياسيا وعدم تبديد إنجازاتها. إنني اعتبر النهج الاول وتفرده هو الذي أدى بالانتفاضة إلى أن تصبح ورقة مساومة على طاولة المفاوضات في اوسلو. في الواقع أن خيار أوسلو بعدما بدد إنجازات مرحلة الكفاح المسلح، بدد أيضا إنجازات الانتفاضة في الوطن المحتل، بل إن وقف الانتفاضة كان شرطا إسرائيليا للموافقه على اتفاق أوسلو. لا يمكن فهم الانتفاضة وإدراك دروسها إلا من خلال رؤيتها كعملية تاريخية، أي باعتبارها تتويجا لتراكم نضالات الشعب الفلسطيني.. إنها استمرار إبداعي لكفاح شعبنا المستمر منذ العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات… إلى حين هذه اللحظة، وإنني أرى فيها أهداف وآمال عشرات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا خلال عقود النضال الطويلة. ارى فيها محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير والشيخ عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني وغسان كنفاني وخالد نزال وأبوجهاد ووديع حداد والشيخ أحمد ياسين ويحيى عياش وجميع الشهداء الابرار». بقدر ما كان قاسيا غيابك يا حكيم بقدر ما تتوهج ذكراك وحضورك في وجدان شعبك عاما بعد عام. لقد استحق الحكيم لقب ضمير الثورة عن جدارة وبامتياز لأنه كان الحارس الأمين على مكتسباتها ولم يفرط يوما بالثوابت الوطنية وبحقوق الشعب الفلسطيني وبالعودة إلى وطنه وإقامة دولته الحرة المستقله فوق تراب وطنه الغالي فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر.

تحية إكبار وإجلال إلى روح الحكيم النقية الثائرة وإلى جميع شهداء الثورة الفلسطينية الأبرار. كما أوجه تحية اعتزاز واجلال إلى جميع الأسرى والمعتقلين الأبطال في سجون الاحتلال الإسرائيلي البغيض. وإن الفجر آت لا محالة

أرملة المناضل جورج حبش


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1