أدمغتنا العربية .. لم تعد عربية !ربيع مينا

جريدة بناء الإنسان
17-01-2018

تعد هجرة الأدمغة والكفاءات من أهم وأخطر المشاكل التي تواجه معظم بلداننا العربية، فبدلاً من الإستفادة من هذه العقول والحفاظ عليها والإعلاء من شأنها والعمل على تنميتها، نلاحظ أن الدول الغربية تقدم أفضل التسهيلات لكسب هذه العقول والإستفادة منها في بلدانها، وبذلك أصبحت هجرة العقول ظاهرة عالمية، لفتت انتباه القادة والحكام والباحثين وصنّاع القرار، حيث استطاعت بعض الدول وخاصة الأوروبية توظيف هذه الهجرة بما يخدم أهدافها الآنية والمستقبلية، بينما أغفلت العديد من الدول الأخرى، لا سيما دول العالم الثالث، هذه الظاهرة ما أدى إلى خسارتها الجسيمة لهؤلاء العلماء ليس فقط بصفتهم مواطنين فحسب، بل الإستغناء عن خدماتهم وإمكانياتهم المتطورة، التي لا يمكن لأي بلد من بلدان العالم التغاضي عن أهميتها وبالذات في دول الوطن العربي في ظل التطورات التقنية والصناعية والتكنولوجية المستمرة.
إن أغلب العقول العربية المهاجرة أو التي تفكر بالهجرة، لجأت إلى ذلك لعدة أسباب وعوامل، منها عوامل إجتماعية أو مادية أو بسبب سوء الأوضاع الإقتصادية والسياسية، وأهمها الحروب والنزاعات وعدم الإستقرار الذي تشهده المنطقة العربية بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وبالمقابل توافر كل تلك العوامل والإستقرار في الدول المتقدمة أو الأوروبية مما شجع تلك الأدمغة على الهجرة. فالأوضاع السياسية التي يعيشها الوطن العربي والحروب والنزاعات المسلحة والإنقسامات التي تأكله، والفتن وانعدام الحريات تُحفز الكفاءات للهجرة، إضافة إلى عجز الحكومات عن خلق مناخ مناسب للكفاءات وإبداعهم بسبب إنشغالها في تلك الإنقسامات ، وانخفاض مستوى المعيشة وغلاء الأسعار وغياب الديمقراطية في الوطن العربي وتزايد القمع، إضافة إلى عدم تقدير الكفاءات بأنواعها العلمية والسياسية وإلحاق أصحاب الكفاءات بأعمال لا تتلاءم مع خبراتهم ومهاراتهم وتخصصاتهم. فأصبح اقتصادنا العربي في خطر التدهور وعلى حافة الهاوية إضافة إلى الخسائر المادية والإقتصادية التي يتعرض لها وطننا العربي بسبب تلك الظاهرة. .
بدأت ظاهرة هجرة العقول العربية بشكل محدد منذ القرن التاسع عشر، وبخاصة من سوريا ولبنان والجزائر، حيث توجهت الكفاءات من تلك البلدان إلى فرنسا وأمريكا اللاتينية، وفي بداية القرن العشرين ازدادت هذه الهجرة لا سيما خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي السنوات الخمسين الأخيرة هاجر من الوطن العربي ما بين 25- 50% من حجم الكفاءات العربية، وهكذا أصبحت ظاهرة هجرة العقول من أهم العوامل المؤثرة على الإقتصاد العربي وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية، واكتسبت هذه الظاهرة أهمية متزايدة عقب ارتفاع أعداد المهاجرين وبخاصة من الكوادر العلمية المتخصصة.
وحسب إحصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية ومنظمة اليونسكو، إضافة لمنظمات عربية ودولية مهتمة بظاهرة الهجرة، هناك حوالي 100 ألف من أرباب المهن ومن بينهم العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء، يهاجرون كل عام من ثمانية أقطار عربية هي: لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس، المغرب والجزائر، كما أن 70% من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصص لا يعودون إلى بلدانهم. وما يقارب 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا. ويشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو 34% من مجموع الأطباء العاملين فيها، حيث بلغت الهجرة منذ عام 1977 وحتى الآن أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية. وبالنسبة للإتحاد الأوروبي الذي يعاني من ارتفاع نسبة الشيخوخة، هناك إحصائيات تفيد أنه سيكون في السنوات العشر المقبلة بحاجة إلى حوالي 20 مليون مهاجر من ذوي المؤهلات العلمية العالية، وذلك حسب المنظمة الدولية للهجرة.
بالإضافة إلى تقارير أصدرتها كل من الجامعة العربية ومؤسسة العمل العربية والأمم المتحدة تشير إلى أرقام حول هجرة العقول العربية إلى الخارج، حيث تشكل هجرة الكفاءات العربية 31%، وهناك أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي من حملة الشهادات العليا أو الفنيين المهرة مهاجرون ويعملون في الدول المتقدمة، بحيث تضم أميركا وأوروبا 450 ألف عربي من حملة الشهادات العليا وفق تقرير مؤسسة العمل العربية، وتؤكد هذه التقارير أن 5.4% فقط من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج يعودون إلى بلادهم فيما يستقر الآخرون في الخارج. حيث أن مصر وحدها قدمت في السنوات الأخيرة 60% من العلماء العرب والمهندسين إلى الولايات المتحدة، فيما كانت مساهمة كل من العراق ولبنان 15%.
فالحروب القائمة في المنطقة العربية منذ ما يقارب السبع سنوات وحتى الأن، هي من أهم العوامل الداخلية التي تدفع بالأدمغة العربية إلى إتخاذ الهجرة كحلٍّ لحياتهم، ونلاحظ أن غالبية البلدان العربية تعاني من اضطرابات سياسية وحروب أهلية تطال كل أبناء الوطن العربي وخصوصاً أهل العلم والمعرفة، ونتيجة حالة الإضطراب خلال العقود الأخيرة نجمت موجات هائلة من نزوح الأدمغة العربية، وخاصة في بلدان مثل مصر والعراق والجزائر ولبنان وسوريا، وهو نزيف يستمر بالتصاعد والإرتفاع مقارنة بإرتفاع حالة الإضطراب والإنقسام التي تجوب أنحاء عالمنا العربي. وبسبب تلك الحروب والإنقسامات التي تمزق أجزاء الوطن العربي بأكمله، ارتفعت معدلات البطالة في العالم العربي وقلّت الفرص المناسبة لتلك الكفاءات، وانشغال الدول ومؤسساتها بتلك الحروب أدى إلى إهمال تلك العقول النيرة واستحواذ الغرب عليها بسبب حاجة تلك العقول للعيش، وبات خطر هذا النزيف يكمن في تأثيره على مستقبل الوطن العربي إذ تصيب أضراره كل مواطن عربي ولعدة أجيال، وذلك لأن حرمان عجلة التقدم، في أي بلد كان، من تلك العقول والأدمغة والخبرات اللازمة لتحريكها، يترك آثاره السلبية على مختلف نواحي الحياة الإقتصادية والثقافية والتربوية والصحية في الوطن العربي.
إن هجرة تلك العقول كسرطان يتفشى بسرعة في أرجاء العالم العربي ليقضي عليه دون وجود أي قوة علاجية لإيقافه، فلا تزال هجرة العقول العربية إلى خارج أوطانها هاجساً يخيف المنظمات والحكومات العربية، ومعضلة أصبحت مزمنة وخطر ينذر بكوارث متعددة تؤثر على الوطن العربي. لذلك لا بد من وجود طرق أو محاولات للحد من هجرة الأدمغة العربية، يأتي في الدرجة الأولى إيقاف الحروب والنزاعات وتكاتف النخب السياسية العربية وتوحيد الرؤى والعمل لصالح وطننا العربي، بالإضافة إلى تمويل المؤسسات والشركات العربية الوطنية من أجل تشغيل تلك الكفاءات وتنميتها، فلطالما كان العرب هم أسياد العالم وأصحاب التطور منذ القدم، ويمكننا أن نكون كذلك مرة أخرى بوجود القدرات والكفاءات وطاقة شبابنا العربي.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1