بلاد الزعتر والحكايا الفلسطينية في مقاربات روائية

القدس-ضحى عبدالرؤوف المل
09-12-2017
يناور الروائي مروان عبدالعال عبثية الوجود في روايته «الزعتر الأخير» الصادرة عن دار الفارابي، خشية خمود النار التي يؤججها في فرط الاستذكار، وبدلالات معاندة الذبول. لتكتسي بلاد الزعتر والحكايا الفلسطينية مقاربات روائية استقوى بها واسترسل مع البذور التي تدفن، فتثمر متسائلا عن الحيوات عبر إيحاءات تل الزعتر التي عززها بصاحبه المتخيل، والخارج من الذاكرة التي لا تموت، تاركا للزعتر قوة الوجود الفلسطيني الذي لا يمكن أن يندثر، والشبيه بنبات الزعتر البري «ربما كنت تفضله أنه نبات طاهر لا يختار إلا مرتفعات الجبال والسفوح الصخرية، والأهم من ذلك أنه نبات عشبي ذو أضلاع قوية ومعمر وكثير التفريخ، جذوره قوية الامتداد في التربة وسريعة التفرع، يستحيل اقتلاعها»، ليوحي بالقوة والتحدي الوجودي قبل البدء بلسعة الذاكرة المبنية على رمزية هذه النبتة وتحدياتها في أن تمتد وتنتشر، «قال إن الغزاة لا يسمحون بقطف الزعتر البري في كل الأوقات، فاضطر إلى سرقة زعتره وكأنه حرر قسطا من النكهة».
تتمحور الرواية على الاستذكار الجيد والفعال، وإن بشكل مرضي، لأن خلود الذاكرة من خلود تل الزعتر الذي يعيد له الأمجاد، وإن بالنكهة المتحررة من الغزاة، ومن فكرة الانفلاش الفلسطيني والتمدد حتى الأثيري منه. فيستعرض التفاصيل والجزئيات كرسام يتقن ضبط إيقاع الألوان وفق فروقات نفسية كللها بالزعتر الأخير.
بنية متخيلة لواقع مرير وبمستويات الذاكرة الدقيقة والتمسك بما استقر فيها لتتشكل هوية الزعتر الأخير في قوة التمسك بالهوية الفلسطينية، والعمق الوطني الذي لا يمكن اقتلاعه حتى عبر النكهات الفلسطينية حول العالم والمتحرر من سلطة الغزاة. إذ يمثل وادي الحنداج المكان المؤسس لبلاد الزعتر، وكل ما يوحي لها من الماضي حتى الحاضر فالمستقبل. إذ يتحدى «مروان عبدالعال» عبر الذاكرة الاحتلال أو الغزاة، كما وصفهم بواقعية ذات سحر متخيل جذاب وبتناقضات الفنان التشكيلي المدرك لقوة البصيرة عند التقاطع الأخير في الرواية ومكانها المتوالد من ذاكرة الوادي والمراعي، والحكايا القديمة إلى بلاد الزعتر، فمخيم تل الزعتر بامتداد بنائي لسرد يمثل البيئة الفلسطينية في كل مكان وزمان، فهي كالنبتة الزعترية القوية الجذور، وأيضا بنكهاتها التي يمكن تذوقها في كل زمان، إذ لا يمكن أن تندثر الذاكرة مهما حاول الإنسان محوها، لأنها الكيان الذي لا يمت للجسد إلا بما ترجمته نقوش الزمن وبتقنيات تضافرت فيها الصور الانطباعية المعززة بجمالية حسية ترتبط بالمعاني التي استخدمها «مروان عبدالعال» وفق مفردات ساهمت في تعزيز الإيحاءات المتأتية من الواقع المألوف الذي يعيش فيه ابن فلسطين، في أبعاد هي المخيم أو الوطن، الذي لم يفارقه الفلسطيني بعاداته وتقاليده وذاكرته التي لا يخونها، والتي تفرط في الاستذكار والاستحضار والعودة للوعي عند الكشف عن الأمكنة التي غادرها الطفل الفلسطيني وشب أو كبر بعيدا عنها. إلا أنها ضمن المتخيل أو الذاكرة التي تعيد رسم كل شيء منذ الطفولة حتى الزعتر الأول والأخير.
عوالم فتحها من الذاكرة ودخلها روائيا بتعزيز الأسماء والإطلالة منها على الواقع، للتأكيد على المفهوم الموحي بالأوجاع، ومساراتها داخل النفس المعززة بالحلم، وبمكونات الوجود وعوالمه النابعة من التكوين الروائي والقتل المتعمد للكيان الفلسطيني الموجود في المخيمات. وأوجاع الشتات حيث يكبر الأحفاد، «هذا الإحساس البغيض الذي ينفخ في ذاتي روح الحرمان، بعيدا عن رؤية حفيدي يتكلم ويركض في مساحته الزقاقية»، وما بين المراعي في البراري حيث يكبر الزعتر ويمتد وبين زقاق المخيم وجع تتألم منه الذاكرة المريضة، رغم إصابتها بالمرض إذ تتسرب التفاصيل الواقعية من شقوق من قتل ولم يمت برمزية القتل الإنساني للفلسطيني الخارج من أرضه، بدون احتضار يصل إلى نهايات لا يريد لها أن تصيب الروح، كما أصابت الجسد الفلسطيني بمقتل يشبه مقتل العاشق يوم حصار التل والمرآة النفسية التي عكسها «مروان عبدالعال» للوقوف عند أكثر من مشهد مازال في الذاكرة الفلسطينية منذ شرارة الحرب الأولى والذهول الذي يشبه مرض الذاكرة الذي أصيب به، واستقر على صفحات الرواية بما يشبه اللوحات الانطباعية والسريالية وما إلى ذلك.
تصوير فني للماضي المعشش في ذاكرة الحكايا المستخرجة من الجد للحفيد، ومن الوطن إلى المخيمات ومن الكل إلى الجزء، لأنها ببساطة كل ما يستعصي على أن يختفي تحت بيوت الصفيح، أو كل ما يستعصي على الغياب، فالعودة متأصلة في الرواية الفلسطينية بغض النظر عن الوجود الروائي، أو حبكة الفن الموحي بالعودة إلى خلافات القبائل بسريالية انتقل إليها «بعد طوفان تيوس المدينة صرت أرعى الماعز البيزنطي بشكل مخيف، يأتي محمولا على شهوة الدم وشذوذ الذبح وقطع الرؤوس» لجعل الحياة صورة من ماض مجهول الواقع، راسخ في المعتقدات وبين الآثار وتحت الأرض وفوقها والعودة بالإنسان إلى مجاهل السلوك الانتقامي الذي يمارسه العدو أو الغزو، كما وصفه في بداية الرواية. ليبتعد حتى عن ذكر الأسماء التي يعتبرها غير موجودة أصلا، وإنما خرجت من حكاية مفزعة أو قصة ذاكرة تقول «إنهم قساة بما يكفي. لكنني عاندتها. لأنني اؤمن بأن كل ذاكرة لا تستطيع أن تحتوي النسيان، ولا تروض عدوها ولا تحسن الدفاع عن نفسها، هي ذاكرة لا تستحق الحياة»، وبذلك هو يؤرشف لذاكرة فلسطينية لا يمكن محوها لأنها بنكهة الزعتر الذي تتذوقه الأجيال إلى ما لانهاية.
مضمون واقعي غارق في ذاكرة فولاذية شمولية بتفاصيلها المؤثرة على النفس، وبانتفاضة ذاتية تخرج من حدود المادة إلى روحية القضية الفلسطينية وتمددها كنبتة الزعتر بدون العودة إلى الماضي، وإنما بأمنيات الانتصار على الماضي ليتم تفسير الحاضر تبعا لراع مع عنزاته وانتقالاته التفاعلية مع الحياة التي فرضت نفسها على الوجود الفلسطيني المتضمن المعارك والأوجاع والشتات والخسارة والربح بالاسترجاع تارة، وبالقفز نحو المستقبل تارة أخرى.
تنظيم الذاكرة والسخرية من محاولات محو الذاكرة الفلسطينية، وإن بشكل نفسي في الرواية، إلا أنها عميقة الجرح الداخلي حيث الاقتلاع من وادي الحنداج، وبتفصيل تصويري أو ملحمي في أبعاده الشبيهة بأسطورة التل والذاكرة الفائضة «أتذكر حينذاك نقاشات كبار القوم في المخيم أنه لم يعد في جبانة المخيم ما يكفي لنومتي الأخيرة. حتى الموت نفاه مروان عبدالعال كي لا تموت فلسطينه لا في الروح ولا في الجسد الذي سينام ويستقر في أرض العودة.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1