مداخلة بعنوان: فلسطين بين إعلانين/وعدين: بلفور وأوسلو في مركزالشباب الفلسطيني/ مخيم البرج الشمالي (10/11/2017) في ذكرى مئوية موعد بلفور

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
18-11-2017
- مدخل I
ينبغي التذكير بإن الصهيونية كحركة استعمارية كانت في وعي الامبريالية العالمية قبل أن تكون في وعي يهود أوروبا أنفسهم، فاستعمار البلدان العربية الواقعة تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وخاصة فلسطين، كانت مسألة مطروحة في استراتيجية الدول الامبريالية منذ بداية القرن الثامن عشر، الذي شهد بداية تراجع الامبراطورية "الرجل المريض" في أوروبا. وقد يكون من المفيد في هذا الصدد التذكير بنداء نابليون، خلال الحملة الفرنسية، إلى يهود العالم باقامة ما أسماه دولتهم القديمة وتحت الحماية الفرنسية، وكذلك المشروع الذي قدمه اللورد شافستري عام 1938 إلى اللورد بالمرستون وزير خارجية بربطانيا آنذاك بانشاء كيان استيطاني لليهود في فلسطين تحت الحماية الأوروبية
- وعد بلفور II
عندما أعلنت الحكومة البريطانية تصريح بلفور (1917) لم يكن لها على فلسطين سيادة أو سيطرة أو حق آخر يخولها أن تعترف بأي حق لصالح اليهود في تلك البلاد، فعصبة الأمم لم تكلف بريطانيا بالإنتداب على فلسطين سوى في العام 1922.وهكذا عمدت بريطانيا إلى التزاوج بين إتفاقية سايكس بيكو (1916) ووعد بلفور. وفي خطوة لاحقة عملت بريطانيا عى دمج وعد بلفور في صك الإنتداب البريطاني على فلسطين ، ما يعتبر من وجهة نظر بعض القانونيين الدوليين إنكاراً لأبسط قواعد العدالة. وقد نُصّ على نظام الانتداب في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم بوصفه سبيلاً لتطبيق مبدأ حق تقرير المصير. وأن تبني مبدأ وطن قومي يهودي قد تعارض مع مبدأ حق كل شعب في تقرير مصيره.
وفقاً لنصوص صك الانتداب البريطاني على فلسطين التزم الانتداب بتحقيق هدفين رئيسيين هما: (1) تنفيذ أحكام المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم التي تتعلق بالجماعات والشعوب (فلسطين وسوريا ولبنان والعراق) التي كانت خاضعة للحكم العثماني. وتنص هذه المادة على أنه " يمكن الاعتراف بصفة مؤقتة بكيانها كأمم مستقلة بشرط تقديم مشورة ومساعدة إدارية من قبل دولة الانتداب، وذلك إلى الوقت الذي تصبح فيه قادرة على الوقوف على قدميها" (2) وضع تصريح بلفور موضع التنفيذ بمعرفة الحكومة البريطانية على أن يكون مفهوماً بصفة واضحة عدم الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين. وقد تمَ إدماج هذين الهدفين وغيرهما في المادة 2 من صك الإنتداب.
والسؤال: فهل حققت دولة الانتداب هذين الهدفين؟ وهل نجحت دولة الانتداب في عدم الإخلال بحقوق وأوضاع السكان العرب في فلسطين؟. الجواب هو أن الدولة المنتدية أخفقت إخفاقا تاما في تحقيق الهدف الأول والأساسي وهو تنفيذ أحكام المادة 22 من الميثاق عبر السير بالبلاد في طريق الاستقلال وتطوير مؤسسات الحكم الذاتي فيها، في الوقت الذي نجحت فيه نجاحاً باهرا في تحقيق الهدف الثاني الا وهو تنفيذ وعد بلفور "بوضع البلاد في الأحوال السياسية والإدارية والإقتصادية التي من شأنها تحقيق إنشاء وطن قومي يهودي". وقد تحقق هذا الهدف بالإهدار الكامل لحقوق السكان الأصليين. كيف حصل ذلك؟:
 أنشأت بريطانيا بموجب المادة (4) من من صك الانتداب ما سمي الوكالة اليهودية بقصد "التشاور التعاون مع إدارة فلسطين في الأمور الاقتصادية والاجتماعية وسواها من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي". لكن نفوذ الوكالة كان في واقع الحال أكبر من ذلك بكثير إذ باتت عمليا " حكومة داخل الحكومة".
 ومن جهة أخرى خضعت حكومة الانتداب للابتزاز والنفوذ الصهيوني الذي مارسته الوكالة اليهودية، مما أدى إلى فشل المحاولتين اللتين قامت بهما الحكومة البريطانية لإنشاء "حكم الذاتي في فلسطين" في العامين 1922 و1939.
 في المرة الأولى ألغت الحكومة البريطانية المادة 17 من مرسوم دستور فلسطين لعام 1922 التي كانت تنص على إانشاء مجلس تشريعي واستبدل بها نص تشريعي يعطي المندوب السامي البريطاني سلطات مطلقة في التشريع.
 وفي المرة الثانية وعدت الحكومة البريطانية في " الكتاب الأبيض" الصادر عام 1939 بتقنين الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، ومنح فلسطين استقلالها بعد عشر سنوات. ومرة أخرى لم يتحقق هذا الوعد بسبب اعتراضات الصهاينة الذين كانوا يدبرون خططاً أخرى بشأن مستقبل فلسطين.
 وبدلا من أن تفي بريطانيا بالتزاماتها باستقلال فلسطين وتطبيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، عمدت من خلال الأمم المتحدة إلى تقسيم فلسطين بين العرب واليهود ( قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181/1947).
 وعدا عن مخالفة مبدأ التقسيم لقواعد القانون ومبادئ العدل والديموقراطية، لا يمكن تسويغه على أساس عدد السكان أو على أساس ملكية اليهود للأرض. فحسب القرار المذكور تبلغ حصة الدولة اليهودية %57 من أراضي فلسطين مقابل %43 هي حصة الدولة العربية. أي أن اليهود الذين كانوا يشكلون أقل من ثلث السكان (عشرهم فقط من السكان الأصليين ) وكانوا يملكون نحو 6 في المائة من الأرض، قد أقطعوا نحو ثلثي البلاد ( ما يقارب عشرة أضعاف الأرض التي كانوا يمتلكونها واقعياً).
وفي الذكرى الخمسين لصدور وعد بلفور قال الصحفي البريطاني ميكل أدامز في صحيفة الجارديان ( 3 نوفمبر 1967): " ليس لتصريح بلفور أي سند أو أساس في أحكام القانون الدولي ". وأضاف قائلاً : " يوم وقّع بلفور كتابه إلى روتشيلد كان اليهود يشكلون بين 7 و 8 في المائة فقط من سكان فلسطين. وكان العرب يشكلون أكثر من 90 في المائة من السكان ويملكون 97.5 في المائة من أراضي فلسطين. وهؤلاء هم القوم التاعسو الحظ الذين قطعت الحكومة البريطانية على نفسها عهداً بأن تحمي " حقوقهم المدنية والدينية" بموجب نصوص تصريح بلفور... وأن أبناء هؤلاء وأحفادهم هم الذين يعيشون الآن لاجئين في المخيمات أو تحت احتلال إسرائيلي في الأشلاء المتنازع عليها من وطنهم".
- الإنتفاضة الأولى (1978) III
تميزت " الإنتفاضة الأولى " (1987) بمشاركة كل فئات الشعب الفلسطيني في أنشطتها وفعالياتها، وإتسمت بقدر كبير من الوحدة والتنظيم والإبداع والإبتكار فيما يتعلق بأساليب النضال وأشكاله، فقدمت تجربة فذة ومتميزة لنضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي. وتمكنت من إعادة وضع القضية الفلسطينية على خارطة الإهتمامات الدولية، بعد تراجع الإهتمام بها، إثر خسارة (م.ت.ف) لمركز ثقلها في بيروت عام 1982.
وقد بتنا نتساءل عند كل حدث فلسطيني ساخن ضد الإحتلال، هل تقوم إنتفاضة جديدة ؟ هل تقع الإنتفاضة الثالثة، باعتبار أن إنتفاضة العام 2000 هي الثانية ؟. وهذا ما يقود البعض إلى التسرع والإستعجال في إطلاق تسمية "الإنتفاضة"، على أي حراك شعبي/شبابي واعد، مثل الحراك الشبابي (أواخر العام2015) و"هبة القدس" الأخيرة (2017) المستمرة، وإن بشكل متقطع، وإضفاء رقم متسلسل عليه أو عليها.
كل هذا يؤكد المكانة المفصلية لهذه الإنتفاضة التي أستمرت لما يقارب الثلاث سنوات أو يزيد، والتي لا يضاهيها في مغزاها النضالي أي حدث مفصلي آخر، سوى الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936-1939)، التي لاقت المصير المفجع ذاته الذي لاقته الإنتفاضة الأولى، وإن في سياقات نضالية مختلفة باختلاف الظروف التاريخية، الذاتي منها والموضوعي، على حدّ سواء.
آنذاك، استجابت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية لنداء القادة العرب بوقف الثورة، إعتماداً على "حسن نوايا حليفتنا بريطانيا"، التي تعهدت بتلبية المطالب العربية. وفي حال الإنتفاضة الأولى، كان التيار الرئيسي في (م.ت.ف) قد اتخذ قراره ومنذ الدورة 19 للمجلس الوطني (1988)، باستثمار الأنتفاضة سياسياً لتحقيق ما سمي بهدفي "الحرية والإستقلال"، إقتناعاً منه بأنها قد حولت مركز ثقل النضال الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها، ووفرت قوة الدفع الذاتية لتطبيق البرنامج السياسي المرحلي (1974)، المتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أي جزء يتم تحريره من أرض فلسطين. وكانت النتيجة "كيان فلسطيني" مشوه، كما أثبت الوقائع الناجمة عن عملية سلام أوسلو.
وهذا ما يطرح السؤال الجوهري والإشكالي التالي: إذا لم تكن الظروف الذاتية والموضوعية للثورة الكبرى مواتية لأن تحفر مساراً يؤدي إلى تطبيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أما كان بالإمكان أن تتخذ الإنتفاضة الأولى - في ظل التجربة النضالية الغنية التي إكتسبها النضال الوطني الفلسطيني منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اندلاعها- مآلاً أخرغير المآل المفجع الذي إنتهت إليه، بسبب استعجال إستثمارها في سياق إتفاقيات أوسلو، التي لا يزال الشعب الفلسطيني يجني حصادها المرّ، إنقساماً وتفككاً لحركتة الوطنية، وإضعافاً لوزنها المعنوي والأخلاقي، وللمكانة المتميزة التي تبوأتها بين حركات التحرر الوطني العالمية في مرحلة صعودها في منتصف السبعينيات ؟.
ويكتسب السؤال هذا مشروعية وإلحاحية أكبر في أجواء الذكرى المئوية لوعد بلفور، ومع وصول عملية سلام أوسلو البائسة إلى طريق مسدود، بعد أكثر من عقدين من المفاوضات العبثية، ورفض إسرائيل القاطع للإنسحاب من المناطق المحتلة عام 1967 وإمعانها في خلق الوقائع الإستيطانية على الأرض، التي تجعل من حل الدولتين أمراً مستحيلاً، بل ضرباً من الوهم والركض وراء السراب.
- إتفاقيات أوسلو IV
بات واضحاً بما لا يقبل الجدل أن عملية سلام أوسلو قد استنفذت أغراضها ووصات إلى طريق مسدود بعد أكثر من عقدين من المفاوضات العبثية التي لم تؤد سوى إلى استشراء الاستتيطان وابتلاع الأراضي الفلسطينية وتفشي النزعة الصهيونية العنصرية وانتهاك حقوق لشعب الفلسطيني. وقد نجحت إسرائيل طوال الفترة السابقة في تحويل سلطة الحكم الذاتي الانتقالي "السلطة الوطنية " إلى وكيل من الباطن لإدارة الإحتلال نيابة عن الدولة المحتلة. وبهذا أصبح الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أقل إحتلال كلفة في التاريخ ، إذ أعفيت الدولة المحتلة من كامل التزاماتها تجاه السكان المحتلين ووضعت هذه الأعباء عل كاهل السلطة الوطنية بتمويل أوروبي أساساً.
ورغم كل تلك الوقائع العنيدة على الأرض تبدي السلطة الفلسطينية استعدادها لإستئناف المفاوضات مجدداً بشروط إدارة ترامب والإحتلال الإسرائيلي هذه المرة، من دون إشتراط أي إطار قانوني مرجعي للمفوضات يستند إلى مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. وهكذا تصبح المفاوضات مرجعية الحق، بدل أن يكون الحق مرجعية المفاوضات. وتسعى هذه المبادرة إلى فرض حل إقليمي للقضية الفلسطينية من خلال عقد صفقة مع النظام العربي الرسمي يطلق عليها إسم " صفقة القرن" يتم من خلالها فرض حلّ على العرب والفلسطينيين سقفه أدنى بكثير من سقف المبادرة العربية التي ولدت ميته أو حتى سقف حلّ الدولتين المنشود.
- الخلاصة والدروس المستفادةV
تطرح ذكرى مئوية وعد بلفور وبإلحاح ضرورة مراجعة التجربة الفلسطينية، وخاصة منذ توقيع إتفاق أوسلو، من أجل صياغة إستراتيجية كفاحية للحركة الوطنية الفلسطينية تنطلق من المحددات التاريخية للصراع ومن المتغيرات والوقائع السياسية التي طرأت منذ إتفاق أوسلو"إعلان المبادئ"، حتى لا يكون إعلان المبادئ تكريساً للواقع الذي خلقه إعلان/ وعد بلفور.
وفي هذا السياق ندعو إلى التوقف عند المسائل التالية :
 الأهمية التاريخية لتوفر رؤية إستراتيجية واضحة للنضال الوطني الفلسطيني، وتأسيس علاقة جدلية سليمة بين التكتيكي والإستراتيجي في كل مراحل النضال وتحولاته، تأخذ بعين الإعتبار موازين القوى والتحالفات الدولية التي تحكم مسار الصراع. وبالتالي،عدم إساءة تطبيق مفهوم "مرْحَلة النضال"، وعدم تغليب المحدِدات السياسية للصراع على محدِداته التاريخية، ما يؤدي إلى تغييب الرواية الفلسطينية للصراع لصالح رواية العدو.
 التمسك بالمرجعية القانونية للصراع، إنطلاقا من مبادئ العدالة التي تسمو في ميثاق الأمم المتحدةعلى مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية،( المادة الأولى من الميثاق)، وبالتالي عدم التلاعب بالمرجعية القانونية للحقوق الفلسطينية، بحيث يظل الحق مرجعية المفاوضات، أية مفاوضات، بدل أن تكون المفاوضات بذاتها مرجعية للحق- كما كان الحال في أوسلو.
 ضرورة أن تستوحي أي قيادة فلسطينية حالية أومقبلة، وأن تستلهم في ممارساتها العملية الروح الكفاحية العالية لشعبها، التي عبرت عنها تجربته النضالية التاريخية الممتدة لما يزيد عن قرن من الزمان في مواجهة المشروع الصهيوني، وأن تتعلم من تلك التجربة، بما يعزز ثقتها في الطاقات الثورية الكامنة لهذ الشعب، وبما يحول دون الإستثمار السياسي، الضيق وقصير النفس لمحطات نضالية مضيئة في المسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني في إتجاه تاريخي معاكس للحقوق الوطنية الفلسطينية. وليست الإنتفاضة الأولى سوى مثلاً على ذلك.
جابر سليمان، 10/11/2017


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1