عبد العال: رواية "الزعتر الأخير" تبحث عن الأسئلة العميقة!

وكالة القدس للأنباء
09-11-2017
عمارته الروائية تكبر تجربةً فوق أخرى، وجديدها حجارة "الزعتر الأخير" التي حاول من خلالها أن يمزج بين الواقع والخيال.
أسَس رواياته على ظروف المنفى، المخيم، معاناة الشتات وعذابات اللجوء، والحنين إلى الوطن.
اختار الروائي الفلسطيني مروان عبد العال بطله من البيئة التي يغرف منها أسئلته العميقة والتي لا حدود لها، تحدث لـ"وكالة القدس للأنباء" عن روايته الجديدة، والرسالة التي تضمنتها، والذاكرة المشدودة إلى الأرض التي لا بديل عنها.
يقول عبد العال: إن "أي عمل روائي له هو جزء من عمارته الروائية، الذي يحاول أن يضيف عليه جديداً، فهناك أسلوب يكون فيه عدة ألسن، وعدة أصوات ومن مواقع مختلفة، وهذا يؤكد على فكرة التمازج الدائم بين مستويين : المستوى الواقعي والمستوى المتخيل".
وأوضح أن "المستوى المتخيل يحاول أن يعطي صورة أخرى للواقع، ولا ينفصل عنه كما هو الواقع، وليس توثيقاً ولا تأريخاً، إنما الواقع هو كما أراه بعين الروائي".
ويضيف عبد العال: "أنا جزء من الذي كونني وشكل هويتي وهو المنفى، هو المخيم، هو هذه القضية الفلسطينية التي نعيشها، ومن الطبيعي أن تعطيني خيالاً خصباً، والشتات منحني مهمة الحفاظ على الذاكرة، ومن هذه البيئة تخرج الرواية ويخرج أبطالها".
ويشير إلى أن العنوان "الزعتر الأخير" هو مفتاح الرواية "ويعكس مضمونها، وأتمنى أن أكون قد وفقت في اختياري لهذا العنوان، لأن الرواية عبارة عن حياة. هذه الحياة تتكرر، ولديها أسئلة عميقة، بين إنسان اقتلع ليس فقط من أرضه، بل اقتلع من الحلم، وهذا الحلم ظلَ يتواصل معه، وترك آثاراً كبيرة في حياته، إلى المخيم الذي يمثل جرحاً كبيراً، وعندما نقول "الجرح الأخير".. فنحن نتمنى على مآسينا أن لا تتكرر".
ويعتبر عبد العال أن "الزعتر موطن لا يتكرر"، فيمثل الذاكرة، فهو زعتر ينبت في الأرض في وادي الحنداج، المكان الذي عاش فيه بطل الرواية، و وفي الوقت نفسه كان عنده ماعز. الصديق الذي كان يرافقه في ذاك الوادي، في تلك الأرض في الوطن، فالوطن هو تلك الأشياء الصغيرة البسيطة في الطفولة، التي تشعرك بالأمان وتشدك إليها، فالصخب الذي عاشه في المنافي، القسوة التي عاشها في الشتات، دائماً تلك الأشياء الصغيرة وطفولته التي عاشت معه".
ويقول: "تستطيع اقتلاع الإنسان من حلمه، ولكنك لا تستطيع اقتلاعه من ذاكرته، فهو هذه الذاكرة التي عاشت فيه، وبالمناسبة هو كان يطلق على الماعز اسم "زعتر"، لأنه كان يحب نبتة الزعتر الموجودة في ذلك الوادي، ولكنه عندما عاش حياته كان دائماً يتخيل شبح هذا الماعز، فهذه الذاكرة الطفولية كانت دائماً تواكبه في حياته".
وحول سؤالنا عن علاقة بطل الرواية بمخيم تل الزعتر، يقول: "لا أستطيع الخروج من هذه البيئة التي صنعتني، ولكن من حقي أن أطرح أسئلة مهمة وكبيرة، كيف لي أن أحمي هذه الذاكرة، ذاكرة فلسطين، هل حماية هذه الذاكرة الآن مازال ممكناً، لأن هناك أجيالاً تتناسل، لذا القتال على جبهة الذاكرة يعتبر مقاومة، وخاصة نحن أمام ذاكرة ليست فقط تتناسل وتتوارث، ويوجد ذاكرة تتكسر، وذاكرة تغتصب، وذاكرة تستلب، وذاكرة تهاجر، وذاكرة تطلب حق اللجوء، فهل هذه الذاكرة ستبقى بخير، أم أننا مازلنا في هذه المعركة المستمرة".
ويرى أنه "هنا تكمن معركة حماية وصون البقاء، سواء كان بالمعنى المادي للكلمة، أوبالمعنى المعنوي للكلمة، بالمعنى الجسدي أو بالمعنى الروحي، بمعنى الذاكرة أو بمعنى الحلم، هذه من الأسئلة التي تطرحها حول فلسطين، فهي ليست عبارة عن شعارات سياسية، ولكن هي تحول فلسطين إلى تفاصيل صغيرة، في حياة إنسان عايشته، كانت كئيبة منذ بدايتها، فبطل الرواية الرئيس يبدأ من الموت، ويذهب إلى انفجار في الذاكرة. الموت نهاية الإنسان، وإذا كانت كذلك هل هو نهاية ذاكرته؟ هل نهاية أحلامه؟ يسير وهو يتلقى ضربات قوية في القلب نتيجة إصابات ونتيجة ظروف عاشها، كان يعتقد أنه من الممكن أن يكتب ذاكرته، لكنه أصيب بمرض نادر جداً، هو مرض الإفراط في الذاكرة، وهي متلازمة الذاكرة، وهذه تعطيه تفاصيل مؤلمة جداً، يتمنى أن ينساها، ولكن سيقولها في هذه الرواية، فهناك تفاصيل خاصة وعامة متعلقة بها. ولكنها حياة شعب عاشها، فلذلك صار ضائعاً بين أمرين : بين أن يحافظ على الذاكرة، وبين أن يتخلص من جزء ومن عبء وثقل، ومن حمولة هذه الذاكرة، إلى درجة أنه كان يتوقع أن يتوقف قلبه بعد جلطتين في القلب، إلا أن الطبيب أخبر أن الوفاة لم تكن نتيجة توقف القلب، بل نتيجة الانفجار في الذاكرة".
وحول ما إذا كان يشعر بأن بطل الرواية استطاع أن يتجاوز المؤلف، يجيب: " كل شيء كتب فيها وقالها، شعرت بأنه سيطر على النص، وبالتالي هو سيطر عليَ ككاتب، وسيطر ربما وأريده أن يسيطر على القارئ، لذلك يوجد جزء كبير من شخصية واقعية كتبت، ولكن لم تكن تتوقع بأن هذا الشيء يصير بهذا الحجم من هذه الكلمات، والذاكرة تصير بهذه الشحنات العالية والكبيرة، وفي كل هذه التناقضات التي كانت قائمة وموجودة، وهذا الراعي الذي صار مربياً".
ويختم: "هذا زمن الشتات، حيث يوجد إحساس عال بالفقدان، وستترك بصمات هائلة على الشخصية، ولكن استطاع بما روى وقال في النص، سواء كان في السيرة، حيث كان عبارة عن سمفونية متواصلة لا تستطيع أن تقطعها بسهولة، يوجد التباس بهذا التناقض بين زعتر عاشه في قلب الوادي، رافقه بماعز لم تتكرر في حياته، ولا تتكرر إلا إذا كان في قلب الوطن، لا يمكن أن تتكرر خارج الوطن، وبالمناسبة لو شاهد كل المدن والبلاد، لكنه لا يمكن أن يشاهد بديلاً لتلك البساطة والبداوة، الحياة البرية التي عاشها بكل تفاصيلها، زعتر فلسطين، ذاك الوطن لا يمكن أن يتكرر، لذلك هو زعتره الأول والأخير وفي الوقت نفسه هي أمنية أن ما حدث في تل الزعتر يتمناه أن يكون الأخير".


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1