الكنيسة الأرثوذكسية: هجوم مضاد بائس واستثمار في الاستيطان

بوابة الهدف/ تقرير: أحمد.م.جابر
26-10-2017
في ما يبدو أنه أول رد مباشر من الكنيسة الأرثوذكسية ومن البطريرك اليوناني ثيوفيلوس الثالث، وهو أشبه بهجوم مضاد، في مواجهة المعارضة الواسعة والتنديد المتواصل بالتسريب غير القانوني وغير الشرعي لأملاك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية إلى يد العدو، وأدواته، والتفريط بحق ليس فقط أبناء الطائفة، بل بحق الشعب الفلسطيني كله، يشن ثيوفيلوس الثالث حملة دبلوماسية متعددة الجبهات لتوضيح موقفه بشأن إدارة أراضي الكنيسة وأملاكها، مدعيا أنه يتعرض لهجوم من ثلاث جبهات في هذا الشأن.
ولعل أغرب مافي الحملة الدبلوماسية التي يحاول ثيوفيلوس شنها تصريحه في الفاتيكان يوم الإثنين بأن الحقوق التاريخية للمجتمع المسيحي يتم تقويضها " متجاهلا أنه هو شخصيا وإدارته من يقوض هذه الحقوق ويفرطون بها، ليس فقط حقوق المجتمع المسيحي بل حقوق الشعب الفلسطيني، وحقوق ملكيته التاريخية والمستقبلية لأرضه ومكانه. ومرة أخرى نذكر بما قاله الناشط الفلسطيني بيتر حبش : "هذه ليست مبيعات، هذه سرقة. من خصائص الوقف أنه لايباع ويجب أن يبقى في يد الكنيسة لصالح المجتمع"
حملة دبلوماسية..
في خضم حملته الدبلوماسية الدولية اجتمع ثيوفيلوس مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، والتقى أخيرا ببابا الفاتيكان فرانسيس، وثمة اجتماعين مهمين مقررين الأسبوع المقبل مع رئيس الوزراء اليوناني وبعد ذلك رئيس الكنيسة الأنجيليكانية.
وحسب تقرير نشرته صحيفة هآرتس فإن ثيوفيلوس يخوض في جولته الدبلوماسية هذه حربا ضد ثلاث جهات، ضد السياسيين الصهاينة الذين يستغلون صفقات التسريب للتهديد بمصادرة الأراضي الكنسية بزعم منع المطورين من القطاع الخاص من السيطرة عليها، ويحمل هؤلاء السياسيون في هذا الزعم راية حقوق المستأجرين وأصحاب المنازل، ومن المعروف أن هذه العقود الإيجارية ستنتهي خلال عقدين أوثلاثة. وأيضا يشن هجوما ضد جمعية عطيرت كهونيم الاستيطانية اليمينية التي كانت المستفيد الأول من التسريبات المبكرة التي نفذها البطريرك السابق، وهي تسعى للحفاظ على ملكياتها من جهة وتشعر بالصدمة من التسريبات الجديدة كونها تريد الاستيلاء على الأصول في البلدة القديمة التي سبق واشترتها.
كما يشن البطريرك حربا ضد الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين المحتلة التي تراقب فساده وتسريب أملاكها بلا قدرة على التصدي لهذا، فيما لايريد البطريرك سماع حتى مجرد صوت الانتقادات والمعارضة لعمليات البيع والتسريب.
أرخص من التراب
قبل حوالي أسبوعين، نشرنا في (الهدف) تفاصيل كانت متاحة للصفقة المشينة التي عقدها ثيوفيلوس، وقد تم الكشف عن المزيد من التفاصيل التي تعزز القناعة أن وراء الأكمة ما وراءها، وإن ما يريد البطريرك إخفاؤه أكبر بكثير مما ظهر ومن التبريرات غير المقبولة التي يسوقها مسؤولو الكنيسة.
فقد تم –نذكر من جديد- بيع 430 دونم (ما يعادل 108 فدان) في قيسارية بمبلغ مليون واحد من الدولارات، من ضمنها كما سبق وذكرنا أجزاء من الحديقة الوطنية والمدرج التاريخي، وإننا نسأل البطريرك: هل بني هذا المدرج قبل يومين للتغاضي عن قيمته التاريخية، أم أنه بني من الكرتون وليس من الالحجارة التاريخية ليباع بهذا المبلغ التافه؟ ناهيك عن عقارات ساحة برج الساعة في يافا القديمة، وغيرها مما كشفنا عنه سابقا. والتي بيعت لشركة غامضة تدعى كورونيتي مسجلة في الجزر العذراء – وهي ملاذ ضريبي معروف- ولاأحد يعرف من يملك هذه الشركة فعليا.
وكما ذكر تقرير جريدة هآرتس الصهيونية، فقد اشترت هذه الشركة من الكنيسة مبنى المكاتب المكون من ثلاثة طوابق في شارع الملك داود في القدس المحتلة، وهو من أفضل الأماكن العقارية في المدينة بمبلغ لايتجاوز 850 ألف دولار، كما اشترت الشركة الغامضة مبنى آخر في شارع هيس، مؤلف من ست طوابق ويحتوي على مخازن ومجمع سكني فاخر في مجمع الملك داود بمبلغ لم يزد عن مليونين ونصف المليون دولار، أما قطعة الأرض في حي البقعة والتي تبلغ مساحتها 2.3 دونم فبيعت بمبلغ 350 ألف دولار. وهي أسعار توصف بأنها زهيدة للغاية مقابل القيمة الحقيقية في السوق لهذه الممتلكات. لدرجة أن المحامي يتزاك هينغ الذي يقع مكتبه في ذلك المبنى في شارع الملك داود قال إن من اشترى هذه الأملاك "فاز باليانصيب". حيث تزيد القيمة الفعلية للمتر الواحد عن 17000 دولار.
المسؤول الكنسي الذي تحدث مع هآرتس وهو شخص مقرب جدا من البطريرك، زعم أنه "لا توجد معاملات سرية"، ويدعي أنه "لا توجد صفقات مشبوهة. لا أحد يخفي أي شيء. جميع المشترين رجال أعمال معروفين يريدون لأسباب خاصة بهم عدم الكشف عن أسمائهم".
ويزعم المصدر أن الكنيسة أجرت تقييما للممتلكات، قبل بيعها، وأنها حصلت على سعر عادل، زاعما أن عقود التأجير طويلة الأمد من جهة، وأن الأملاك عرضة للمصادرة من جهة أخرى هما عاملان يؤثران على أسعار العقارات.
من يصدق روايته؟
بعد سنوات طويلة من التزام الصمت، يخرج مسؤول كنسي رفيع بهذا المستوى ليفسر ويشرح موقف الكنيسة، حيث قال هذا المسؤول لهآرتس أن بيع الممتلكات وبأسعار تبدو رمزية في الغالب كان ضروريا وممكنا من الناحية المالية، كما يزعم، ولكن لاأحد يفهم الحكمة العظيمة من التخلي عن ممتلكات بالغة القيمة ليس فقط المادية بل التاريخية أيضا بهذه الأسعار الزهيدة، فمن سيصدق الكنيسة التي تبيع أحياء كاملة، بثمن بناية سكنية، ومن يصدق أن مطعما سياحيا على سبيل المثال تبلغ قيمته أكثر من ثمن مدرج روماني في قيسارية؟
ويزعم المصدر الكنسي أن مشروع قانون قدمته عضو الكنيست راشيل أزاريا (حزب كولانو) بمصادرة أملاك الكنائسي يعزز من مزاعمه (وقع مشروع القانون 40 نائب من مختلف الفصائل الصهيونية)، ولكنه يتجاهل أن مثل هذه القوانين وانفتاح سعار الكلام عن المصادرة لم يظهر إلى العلن بهذا الصخب إلا بعد التسريب والبيع فعلا، وأطلق المصدر الكنسي نيران نقده في كل الاتجاهات زاعما أن كنيسته تتعرض للابتزاز، سواء من "إسرائيل" أو السلطة الفلسطينية أو الأردن. متجاهلا أن السلطة والأردن التزما الصمت فعليا تجاه الصفقات الفاسدة، ويزعم أنه تم تحويل البطريرك إلى شخص غير مرغوب فيه، متجاهلا أن وجود البطريرك هو الآن مصلحة صهيونية خالصة سواء لجهة توجه السلطات الصهيونية لمصادرة أراضي الأوقاف بشكل عام، وليس فقط الأرثوذكسية، أو لجهة أن الأراضي يتم تسريبها أصلا لرجال أعمال صهاينة، وليس ببعيد أن يكون هذا مرتبطا بجهات صهيونية نافذة كالوكالة اليهودية أو ما يسمى "صندوق أرض إسرائيل" تعمل حاليا في الخفاء، بأغراض تهويدية معروفة. بينما يزعم المصدر أن عقود الإيجار الطويلة أصبحت تثقل كاهل الكنيسة!
كاذبون ويستثمرون في المستوطنات..
ولكن المشترين يكذبون مزاعم المصدر وبطريركه، حيث قال محامي الشركة المشترية أبراهام أبرمان " الذي يمثل المجموعة "عقدنا صفقة رائعة ولا أحرج أن أقول هذا". ويكشف المحامي المزيد من الأسرار حيث بيعت أيضا قطعة أرض مساحتها 24 دونما في منطقة الرملة الصناعية مقابل 30 مليون شيكل [8.6 مليون دولار].
الخطير أكثر ما كشف عنه المصدر الكنسي أن الأموال العائدة من البيع يتم استثمارها في أماكن أخرى في بيت حنينا وهو حي فلسطيني لايوجد فيه تطوير عقاري أصلا، وجفعات هماتوس المنطقة الاستيطانية الجديدة، أي أن أموال الطائفة الأرثوذكسية تذهب لدعم الاستيطان والاسثمار فيه.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1