على الفلسطينيين الآن إيجاد الطريق لاستئناف حرب 1948

بوابة الهدف الإخبارية
11-08-2022
بينما كانت حرب 1967 تضع أوزارها، والمعركة الدبلوماسية محتدمة في الأمم المتحدة، حول صدور قرار لاجبار الكيان على الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلها، وبينما انتهت المعركة حرفيا لتتحول إلى حرب (ال التعريف) التي وجدت مكانا لها في النسخ الصينية والاسبانية والروسية والفرنسية وسقطت عمدا من النسخة الإنكليزية، وبينما كانت الوفود العربية تحني رؤوسها معلنة ثقتها "بنوايا بريطانية" متمثلة بـ "اللورد كارادون" كان الكيان يمد أذرعه الاستيطانية في اتجاه معاكس تماما لمسار نيويورك مثبتا الاحتلال العسكري وواضعا البنية التحتية للسيطرة التي افترض إنها ستستمر إلى الأبد.. وفي الحقيقة كان العرب يصارعون للعودة إلى الخط الأخضر ممثلا بحدود الرابع من حزيران، وكانت الحكومة الصهيونية تجهز لمراسم دفنه.
اليوم وبعد أكثر من 55 عاما على تلك الأحداث، وبعد مرور أكثر من عام على الهبة الشعبية في أيار/ مايو 2021، بالتوازي مع عدوان (حارس الجدران) على غزة وبالتوازي أيضا مع معركة "سيف القدس " والتي اعتبرت الهبة نوعا ما جزء منها، فإن ما حدث في أيار / مايو تحول إلى نقطة مرجعية سواء في أذهان الفلسطينيين الذين لا يريدون العودة إلى الوراء، ويتمسكون بالاندماج والانصهار الذي حدث، تعبيرا عن توحد نضالهم ومصيرهم، وكذلك الصهاينة الذين لا يريدون تكرار تجربة أيار/ مايو ويواصلون البحث عن السبل لتحطيم أهم انجاز فلسطيني، وهو وحدة المعركة، محاولين إيجاد حلول للسيطرة والضبط الذين تلاشيا في المدن المختلطة وغيرها، وعبر (الخط الأخضر) وكيف أن الخط الأخضر الذي أريد له أن يكون فاصلا ماديا ومعنويا، ليس فقط بين فلسطينيي الضفة والكيان بل أيضا بين الفلسطينيين أنفسهم في الداخل والضفة، قد تلاشى تماما كحفنة من غبار، بحيث أصبح تداركه وإعادة تكريسه الشغل الشاغل للمستوى السياسي والأمني الصهيوني.
وعلى ما يبدو في ظل التناقض الكلي حول جميع القضايا بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني، فإن نقطة الاتفاق الوحيدة وإن جاءت من وجهات نظر متناقضة أيضا هي نهاية الخط الأخضر الذي لم يعد ذي صلة على ما يبدو.
في الجانب الفلسطيني، أثبت هذا أن أي حاجز لا يمكن أن يفرقهم، وإن حالة الضبط والسيطرة والقمع التي يعيشها الفلسطينيون على جانبي الخط إنما هي عابرة وجزء من حرب شاملة، فلا شيء يمكن أن يقف حائلا أمام وحدة " فلسطين التاريخية" على الأقل من حيث صلة السكان ووحدة القضايا، وإن الحواجز المادية الأمنية في النهاية هي جزء من هذا الصراع يمكن دائما التغلب عليه.
في الجانب الآخر الصهيوني، أصابت أحداث أيار الصهاينة وخاصة اليمين بالرعب من جهة، وزودتهم بجرعة تطرف إضافية أيدلوجية من جهة أخرى، فبينما أعادهم المشهد إلى معركة لم تنته عام 1948 وهم يظنون أنهم أودعوا نهائيا في كهوف الأرشيف، أعيد التأكيد لهم من جديد أن القصة التي تروى عن الاحتلال في الضفة الغربية و القدس وغزة تبقى ناقصة، لأن إنكار الصراع ما زال يحوي الكثير مما اختاروا تجاهله، وبالتالي فإن الرفض الفلسطيني للاحتلال كلي ومطلق، يتعلق بوجود "إسرائيل" نفسها وهيمنتها على أي جزء من فلسطين، وهذا الاستنتاج الذي توصل إليه اليمين الصهيوني أضفى تطرفا صهيونيا إضافيا فإذا كان الفلسطينيون يتحدثون عن (فلسطين الكبرى) فهؤلاء أيضا يريدون الحديث عن "إسرائيل الكبرى" وبالتالي القول إن الأرض بين البحر والنهر لاتتسع إلا لدولة واحدة يهودية.
يكتسب (محو الخط الأخضر) معان عديدة، فهو يعكس من جهة خطر "أوسلو" كإتفاقية تجاهلت الحدث الأصلي في 1948، ويجدد صلة اللاجئين بقراهم ومدنهم، ولكنها صلة من نوع جديد، فما يفتح اليوم ليس بوابات مندلبوم، ومن يقطعون الخط الأخضر ليس (سعيد. س) و(صفية) [أبطال قصة غسان كنفاني عائد إلى حيفا] بل هو نجلهما خالد، الذي انضم إلى الفدائيين، بهذا المعنى تتجسد سخرية غسان كنفاني في روايته (عائد إلى حيفا) على لسان الشخصية الرئيسية بأن هذه الأبواب يجب أن تفتح من "جانبنا" وليس من "جانبهم"، بمقدار حرص الصهيوني على التحكم بالأبواب ودوام إحكام إغلاقها، يبدو الدور النقيض للفلسطيني في إزالة هذه السيطرة وتحطيم هذه الأبواب.
إن محو الخط الأخضر بهذا المعنى هو استئناف للحرب، وإعلان بأنها لم تضع أوزارها بعد، وأن ما حدث عام 1967 هو حلقة من مسلسل يجب معالجة العقدة في بدايته تماما للتمكن من حله. وفي الحقيقة يعيد هذا للخط الأخضر مكانته، باعتباره مجرد خط للهدنة ووقف إطلاق النار، (أثناء مفاوضات الهدنة تم رسم الخط على الخرائط بلون أخضر ومن هنا جاءت التسمية)، وبالتالي لم يكن الكيان يريد أن يعترف أن هذا الخط هو حدوده الدولية، النهائية، وهذا هو جوهر الصراع الصهيوني الذي احتدم حول قرار 242، فالحدود ما زالت مرشحة للتوسع، بالنسبة لهم. بغض النظر عن الموقف الدولي والعربي الذي كان يريد من الكيان العودة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران وهو ما لم ينص عليه اتفاق 242 ولو كان نص عليه ونفذ لما قل حجم الكارثة، لأن المسألة الأساسية كانت ستطوى وكانت حرب 1948 ستذهب فعلا إلى الأرشيف.
لكن عاملين اثنين ساهما في تقويض هذا: الأول صعود المقاومة الفلسطينية وترسيخها بعد 1967، والتي لم يكن لها علاقة بالقرار 242 والثاني استمرار الكيان في احتلال الأرض بعد 1967، ولم ينسحب حتى من "أراض" كما قال القرار الدولي، ومسارعة جميع الأطراف لرفع يدها عن (242) الذي أصبح يتيما نوعا ما، لأنه لم يأت على هوى أي طرف، والفلسطينيين لم يكونوا لا مفاوضين ولا موقعين عليه، وللأسف فيما بعد أقروا به غيابيا وبأثر رجعي في سابقة سياسية غريبة وعجيبة.
في 15 حزيران /يونيو، 1967، كانت "إسرائيل" قد شرعت فعليا بتدمير الخط الأخضر، وربما كان تدمير حي المغاربة في ليلة 7-8 حزيران/يونيو هو الخطوة الأولى في هذا، ولكن رسميا بعد خمسة أيام من انتهاء القتال ، قدم إيغال ألون قائد البالماح السابق والوزير في الحكومة أيضا، خطة للتعامل مع (اللقمة الكبيرة) التي ابتلعها الكيان في الضفة الغربية وسيناء والجولان وقطاع غزة وركزت خطته على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، مقترحا ضما فوريا لغور الأردن بعمق 15 كم، والقدس وأريحا، وترك ما تبقى لحكم فلسطيني ذاتي محدود ومنضبط للسيادة الصهيونية، ومن جانبه أيد وزير الحرب موشيه دايان الاقتراح بتحويل نهر الأردن إلى الحدود الشرقية "لإسرائيل" ولكن مع إبداء تحفظاته على فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين، مفضلا إخضاعهم للحكم العسكري المباشر، مشيرًا إلى أنه لا يريد "اتخاذ أي خطوة من شأنها أن تجرنا إلى وضع يمكن فيه انتخاب [الفلسطينيين] للكنيست"، طبعا حصل دايان على ما يريد، وكل هذا والوفود العربية لم تبدأ قتالها بعد في الأمم المتحدة فيما يمكن تسميته معركة (ال التعريف) في القرار الذي سيصدر لاحقا، وبينما كانت المناقشات في نيويورك تجري على الورق وفي غرف الفنادق المكيفة وحتى في المصاعد، كان الاستيطان يضع لبناته الأولى والشكل الذي ستخضع له الضفة والقطاع والقدس على مدى الخمسين سنة اللاحقة قد تم بالفعل وضع نموذجه المعماري في مقر الحكومة الصهيونية وانطلقت صافرة التنفيذ.
كان هذا نوعا ما تخليا صهيونيا عن الخط الأخضر، وترسخ هذا أيضا بعد وصول الليكود إلى السلطة، لأول مرة عام 1977 وإخراجه إلى العلن ما كانت تخفيه حكومة العمل، فتقدم مناحيم بيغن للانتخابات على أساس برنامج "إسرائيل الكبرى" ومع ذلك امتنع عن ضم الضفة الغربية وغزة رسميًا، مفضلاً الالتزام بخطة دايان بإخضاع الفلسطينيين هناك للحكم العسكري. واستمر هذا الاعتقاد بدوام وأبدية هذه السيطرة حتى انتفاضة 1987، ورغم أن الانتفاضة دحضت فكرة قدرة "إسرائيل" على قمع وضبط الفلسطينيين، إلا أن اتفاقيات أوسلو 1993 جاءت لتعطي مخرجا للكيان، باتجاه توفير أداة (محلية) للقيام بالمهمة، وهكذا بالاستناد إلى الخط الأخضر وبدون الاعتراف به كحدود نهائية للكيان، بدأ تنفيذ الاتفاق الهزيل والذي كان عليه حسب نصوصه أن يقوم جزئيا بالمهمة التي عجز عنها القرار 242، أي انسحاب من (أراض) مرة اخرى، ولكن هذه المرة عبر تلوينات عسكرية مدنية، كالمناطق أ، ب، ج, فاتحة الباب أمام سلسلة من المهاترات حول إمكانية إقامة دولتين على جانبي خط لم يعترف به أحد. وحتى عندما صدرت نسخة يسارية إسرائيلية مثل (نحن هنا وهم هناك) والتي استندت إلى ترسيم عنصري فاضح، لم يكن الإسرائيليون أنفسهم قادرين على إنكار الوجود الفلسطيني العابر للخط الأخضر، وهو عبور مختلف كليا عن الوجود اليهودي العابر استيطانيا واحتلاليًا إلى الضفة الغربية والقدس.
ومع بناء الجدار الخرساني، الذي لم يلتزم أصلا بالخط الأخضر، واصل الكيان رفض الاعتراف به كحدود، بل صار نوعا من حائط داخلي، متصل بأعمال المعمار الداخلي للفصل والعزل والإبعاد وليس للانفصال والابتعاد، ولكن بوابة "مندلبوم" واصلت الانفتاح عبر الجدار ولكن من الجانبين هذه المرة.
نتنياهو كان من أبرز من سعوا إلى محو الخط الأخضر التزاما لعقيدة بيغن وبرنامجه الانتخابي الأول، وخصوصا في ولايته الثانية التي امتدت من 2009- إلى 2021 ، لكن مسعاه كان خدمة لليهود فقط الذين توسعوا استيطانيا وبنى لهم الطرق الملتفة وربطها بمراكز المدن في الداخل وقد قام بسياسته تجاه الخط الأخضر سياستين رئيسيتين: توسيع المستوطنات في الضفة الغربية وإضفاء الشرعية عليها داخليًا بين اليهود الإسرائيليين وكذلك على الساحة الدولية. وبسبب معارضته الشديدة لقيام دولة فلسطينية، استبدل عملية أوسلو للسلام بما أسماه "السلام الاقتصادي" مع الفلسطينيين.
قد يفاجأ البعض أن إطلاق الحكومة الصهيونية الرصاص على الخط الأخضر لم يتوقف أبدا، إذ هناك على الأقل قائمة من 60 مشروع قانون تتعلق بأشكال مختلفة لضم الضفة الغربية تم اقتراحها من 2015 إلى 2019، فقط. ثمانية تم التوقيع عليها لتصبح قانونًا، كان أبرزها قانون نزع الملكية، الذي صدر عام 2017 ، والذي سمح بأثر رجعي ببقاء البؤر الاستيطانية على أراض فلسطينية مملوكة ملكية خاصة في الضفة الغربية. صحيح إنه قد تم إسقاطه من المحكمة العليا في حينه لكن قرارا صدر مؤخرا من ذات المحكمة بخصوص بؤرة "متسبيه كرميم" التي ينطبق عليها القرار السابق يجعله هباء منثورا.
الحركة الاستيطانية العابة للخط الأخضر والتي يقودها المجتمع الصهيوني المتدين، الذي يمثل 5% من سكان الكيان اليهود، ممثلة بشكل كبير في مختلف فروع قوات الأمن الصهيونية والقضاء وكذلك في المجال العام. و وفقًا لإحدى الدراسات، ارتفعت النسبة المئوية لخريجي دورة تدريب الضباط الميدانيين في جيش الدفاع الإسرائيلي الذين أتوا من نظام التعليم الديني الصهيوني من 2.5٪ إلى 34.8٪ بين عامي 1990 و 2018. ثلاثة من القضاة الخمسة عشر في المحكمة العليا الإسرائيلية يأتون من هذا المجتمع، واثنان منهم يعيشون بالفعل في مستوطنات الضفة الغربية.
القوة اليهودية الصهيونية هذه قادها نتنياهو شخصيا، وأثمرت الجهود التي يقودها المستوطنون بشكل أساسي ، لدعم ضم أجزاء من الضفة الغربية خلال حكومة نتنياهو الرابعة، من 2015 إلى 2019 ، حيث في عام 2017، أقرت اللجنة المركزية لليكود اقتراحا بضم الضفة الغربية. كان ذلك قبل أسبوع من انتخابات نيسان/ ابريل 2019 ، وعد نتنياهو بضم غور الأردن، وهو أول رئيس وزراء يفعل ذلك منذ خطة يادين عام 1967. ثم جاءت خطة ترامب و "صفقة القرن" وهو اسم بالغ السخافة ليطلق على عملية سياسية كبرى، ويدل أيضا على انحطاط هذه العملية وعقل السمسار الذي يقف وراءها، على كل حال أيد المجتمع الصهيوني برمته تقريبا المنافع التي طلبتها الخطة على الكيان الصهيوني خصوصا ضم جميع المستوطنات في الضفة والاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان، وبشبه الإجماع هذا كان المجتمع الصهيوني برمته تقريبا قد قرر السير في جنازة الخط الأخضر. وهي جنازة متأخرة على كل حال لأن الخط بقلم رصاص الذي تحول إلى جدار خرساني كان مليئا بالثقوب في الاتجاهين، بعضها ثقوب رسمية صهيونية تسمح بتمدد الجدار وخروجه عن مساره لاحتواء الاستيطان سواء عبر جدران أخرى أو رمزية على شكل طرق التفافية وحواجز صممت بعقل معماري عرقي لمنع مرور الفلسطينيين والتحكم بحركتهم أو شبه رسمي أيضا بغض النظر عن الثقوب التي يحدثها العمال الفلسطينيون أنفسهم في تدفقهم اليومي للعمل في السوق الصهيوني شديد التعطش لهم.
من جانب آخر يعبر مئات الآلاف من المستوطنين بشكل منتظم الجدار الفاصل، ما يثبت بغض النظر عن التحليل الاستعماري والعرقي لهذه الحركة أن من المستحيل وجود حاجز حقيقي، وقد فقد الجدار الفاصل معظم معناه الرمزي لليهود، حى أهميته الأمنية تلاشت بغض النظر عن المجادلات المغرورة للجيش ووزيره. لقد فقد حتى دوره بتعيين وعي الحدود في العقل الصهيوني، أو كونه حاجزا في وجه الفلسطينيين للعبور إلى (الأرض الأم). لعل هذا الاستنتاج أخذ شكلا فضائيا أكثر إن صح التعبير مع أزمة قانون الطوارئ في نهاية حكومة بينيت.
وهكذا في ظل تنامي الوعي العام بأن الفصل لم يعد ممكنا حقا ومع دفن حل الدولتين، يبدو أنه لا مناص من العودة إلى صيف 1948، وعلينا كفلسطينيين إيجاد الطريق واستئناف الحرب من حيث توقفت بالضبط.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1