وَجَع

العربي الجديد: انتصار الدّنّان
31-07-2021
كان يومًا شديد الحرارة، لكني كنت مضطرة للخروج من المنزل؛ لقضاء حاجتي. سرت بالسيارة غير مسرعة؛ بسبب زحمة السير التي كانت تحكم الناس، في انتظار دورهم لتعبئة سياراتهم بالوقود، وقد كنت قد منعت نفسي من تشغيل مكيف السيارة، أيضًا بسبب الوقود.
وصلت إلى المكان الذي قصدته بعد عناء مع الزحمة والحر، لكني رحت أبحث عن مكان قريب حتى أركن فيه سيارتي، وكي لا أتكلف عناء السير لوقت طويل تحت أشعة الشمس اللاهبة. وجدت موقفًا قريبًا، فتنهدت، وتنفست الصعداء. إنّها بيروت.
وبينما كنت أعبر ذلك الشارع المؤدي إلى مكتب السفارة التركية في منطقة فردان، يوم الخميس الماضي، من أمام حاويات النفايات، التي تفرغ سمومها في رئتيْ كل مار من ذاك المكان، وتتبعثر محتوياتها على الأرض، في حالة هيجان مستمر كهيجان الحر في تموز. نظرت إليها بازدراء، وقلت في نفسي: "أي مشهد هذا!؟". وفي أثناء مروري من هناك، متوجهة إلى مكتب السفارة، شاهدت بعض الصبية الذين يعبثون بالنفايات المتراصة فوق بعضها البعض، في حالة استعداد لانفجار كبير يصيب كل من يمر من أمامها. كانوا يافعين، تعلو جباههم علامات الذل والمهانة، بملابس رثة، لا تستطيع الوقوف أمام أحدهم لتكلمه؛ لأن رائحته أقوى فعلًا على المرء من رائحة الحاويات ذاتها. كانوا يبحثون عن عبوات فارغة من البلاستيك، وقناني المياه الفارغة، وغيرها من الأمور التي يُستفاد منها؛ ليبيعوها ويحصلوا على مصروفهم منها، أو حتى ليعيلوا أُسرهم التي باتت بلا عمل، أو بات دخلهم المادي اليومي لا يكاد يكفي لوجبة طعام واحدة في اليوم.
تركتهم في عملهم منشغلين، وتابعت طريقي حتى أصل إلى المكتب في الموعد الذي حددته لي الموظفة، خوفًا من أن يتأجل موعدي إلى وقت آخر.
أنهيت عملي، وعدت مسرعة؛ لارتباطي بموعد سابق، عند الساعة الرابعة مساء، لكن في أثناء مروري للمرة الثانية من أمام المكان صعقت من هول ما رأيت، رأيت أكوامًا من الخبز الناشف ملقى على الرصيف، فوقفت أمام هذا المشهد مندهشة، وتساءلت حول هذه الأكوام التي يُحرم منها العديد من الأشخاص، إذ إننا نعيش في بلد كل يوم يرتفع فيه سعر ربطة الخبز، والعديد من العوائل لا تستطيع شراءه، حتى إنها في بعض الأوقات تبل الخبز الناشف اليابس بالماء حتى تطعم أطفالها، لكن دهشتي ازدادت وشعرت بأن أنفاسي تتقطع، عندما شاهدت رجلًا في العقد الثامن من العمر، يعتمر قبعة عتيقة؛ لترد عنه حرارة أشعة الشمس، كان حانيًا ظهره، نظراته دافئة، وعيناه تغرورق بالدموع، كان ممسكًا بين يديه اللتين ترتجفان أسى كيسًا بلاستيكيًا يُظهر ما فيه، والعرق يتصبب من رأسه حتى أسفل ذقنه، قطعةً من الخبز، ربما هي" سندويش" رماه أحد الموظفين على قارعة الطريق بينما كان عائدًا من عمله، قد يكون نسيه في حقيبته لانشغاله بالعمل، أو قد تكون إحدى زميلاته قد "ضيفته" منقوشة، أو غيرها من الأصناف المغرية من الأطعمة التي بات العديد من الناس لا يستطيعون شراءها، بدلًا من الرغيف الفارغ.
التقط الرجل الهرم الكيس ملهوفًا على ما فيه، ليسد وجع معدته التي ما برحت تؤلمه من شدة الجوع، وفتحه بسرعة، وانتشل ما فيه، كمن ينتشل غريقًا من البحر، وبسرعة البرق راح ينفضه من الغبار العالق عليه، أو ربما ليدفع عنه بعض النملات التي استوطنته لمجرد أنها شمت رائحته، لتخزنه مؤونة للشتاء، ولربما كان على الدوام حظ تلك النملات أفضل بكثير من حظوظ أناس فقدوا أهلية العيش.
نظرت نحوه بطرف عيني، وحاولت أن أتلصص عليه. شعرت بأن الدنيا تلف بي دورات عديدة. غضضت الطرف عنه بسرعة، وهو لم يعر نظراتي تلك اهتمامًا. لقد شعرت بأن وجع الدنيا انحصر في عينيه، وقلت في نفسي: "أي عالم سيتسع لحزنه هذا، وهو في هذه السّنّ؟".
كان نحيلًا، نعم نحيلًا، وأسمر البشرة، وخطوط القهر مرسومة على جبهته التي تلتمع قهرًا تحت أشعة الشمس، لكني في ذلك الوقت صرت أتساءل عن السبب الذي حدا به إلى الوصول إلى هذه المرحلة من البؤس، أليس له أولاد؟ قد يكون له أولاد، لكنهم نسوا والدهم في زحمة الحياة المنهكة، أو تعويض نهاية الخدمة؟ ولربما لم تكن له وظيفة في الأصل، أو راتب تقاعدي؟
ظل حانيًا ظهره إلى أن ابتعدت عنه، ربما شعر بالخجل عندما رآني أمرُّ من أمامه. فكّرت مرارًا في العودة إليه؛ لأعطيه عشرة آلاف ليرة؛ ليشتري بها ما يسد جوعه، لكنني تراجعت، فهي لا تشتري له شيئًا، قلت زجاجة عصير، أو قنينة مياه، لكني تراجعت أيضًا خوفًا من أن يرفض طلبي ويخذلني، فأنا أعرف هذه النوعية من الشخصيات، فهي على الرغم من حاجتها لرغيف الخبز، غير أن لديها عزة نفس عالية، مع ذلك فكرت بأن آخذه إلى أحد المحلات ليشتري ما يريده، كذلك راودتني ريبة من رفضه لطلبي، ومن ردة فعله التي قد تكون عنيفة، كما أنني خفت أن أشعر بالعجز أمامه وأنا أنظر إلى عينيه اللتين تمنعانه من الوقوف على قارعة الطريق؛ ليشحد الكلام من ألسنة المارة.
ركبت سيارتي، أدرت المحرك، وعدت من طريق آخر؛ حتى لا أرى وجعه، حتى لا أرى جريمة العصر المتقدم، التي تتكرر كل يوم، في بلد كباره كما صغاره يهينهم رغيف الخبز، وعلبة الدواء، وكيس الحليب.
أي عالم سيتسع لحزنه؟ أي عالم سيمسح عن جبينه صباحات يومه المعتمة؟ وأي يوم؟ وأي يوم؟....


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1