عزّ الدين المناصرة.. جرح شخصي مفتوح على التاريخ/ محمود منير

بوابة الهدف الإخبارية
06-04-2021
نظر الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة (1946 – 2021) ــ الذي رحل عن عالمنا أوّل من أمس الأحد في عمّان، متأثراً بإصابته بفيروس كورونا ــ إلى القصيدة بوصفها مَجازاً يكثّف تلك المفارقة بين تراكمٍ حضاري ومعرفي بناه أجداده العرب والكنعانيون، وبين أزمة الفرد الفلسطيني والعربي اليوم في لحظتنا المعاصرة، والذي دخل مرحلةً من التيه ولم يزل عالقاً في مآزقها.
كَتب المناصرة قصائده الأولى مجترحاً رؤية وأسلوباً يخصّانه حيث الحفر في جذور التراث ورموزه، ومحاولة إسقاطها على حالة التراجع والتردّي الراهنة، من أجل صوغ هوية ثقافية وانتماء للحضارات المتعاقبة على أرض فلسطين. في الفترة نفسها، التحق بالعمل السياسي كأحد أوائل المنتسبين إلى حركة القوميين العرب، ثم منظّمة التحرير الفلسطينية، كرّد فعل على هزيمة حزيران/ يونيو 1967.
صوَر شعرية تتداعى لتوصيف ذلك الخراب العميم الذي يصف قلقاً ويأساً يحاصران الحالة العربية. صورٌ تسستدعي الذاكرة الشعبية من أغانٍ ومأثورات، والعديد من الرموز الدينية وقصص الأنبياء، وكذلك شخصيات من التاريخ العربي الإسلامي، مثل أبو محجن الثقفي، وطارق بن زياد، والحلاج. وقد ينتقل الشاعر أبعد، نحو الميثولوجيا القديمة، كما في قصيدته "مذكّرات البحر الميت"، التي يقول فيها:
"جدّي كنعان لا يقرأ، إلا الشعر الرصينْ
يلعبُ الشطرنجَ، أحياناً،
يلاعبُ أحفاده، يتشعلقونَ بفرسهِ البيضاءْ
أضِفْ، ﺇﻟﻰ ذلك... جدّتي
وهي من أصل هكسوسي
لكنها، تزعم ﺃﻧﻬﺎ نبطيّة
ترعى بقر الوحش ﻓﻲ بادية الشام
تكتبُ على القرميد الأحمر، أشعاراً حزينة
تحصد شقائق النعمان، ﻓﻲ أول كل ربيع".
غادر المناصرة مسقط رأسه في قرية بني نعيم بالقرب من مدينة الخليل الفلسطينية إلى القاهرة، ليتخرّج في قسم اللغة العربية والعلوم الإسلامية في جامعتها، وينال دبلوم الدراسات العليا من الجامعة نفسها سنة 1969. سيكمل تحصيله العلمي مع نيله درجة دكتوراه في النقد الحديث والأدب المقارن من "جامعة صوفيا" في بلغاريا عام 1981، ليواصل، في ما بعد، كتابته في النقد والثقافة والفكر، والتي شكّلت مساراً ثانياً في تجربته.
تطوّع المناصرة في صفوف المقاومة العسكرية بالتوازي مع عمله في المجال الثقافي الفلسطيني كمحرّر ثقافي لمجلة "فلسطين الثورة"، وسكرتير تحرير "مجلة شؤون فلسطينية" التابعة لمركز الأبحاث الفلسطيني. كما عايش فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث كان يعمل مديرَ تحريرٍ لـ"جريدة المعركة"، إلى أن غادرها مع إنهاء دور المقاومة الفلسطينية بعد احتلال بيروت.
عكست كتابات المناصرة الشعرية النقدية تشبّعاً بالروح العربية التي توضّحها تشابكاته المتعّددة واطلاعه المعمّق على إرث يمتدّ لآلاف السنين، شعراً وسرداً ومدوّنة شعبية، يقرأ منها ويعيد إنتاجها ضمن وعيه بالحداثة التي تبدأ بالثقافة وتنتهي بتحضّر المجتمعات وبُنى السلطة. وهو يصف ذلك بقوله: "لا يوجد رمزٌ موروث واحد دون أن يكون لي علاقة به، علاقة شخصية، صلة دم ونسب... إن توظيف الموروث تعبيرٌ عن أزمة عامّة وشخصية وليس انقلاباً من الأزمة المتعاقبة والحاضرة والمستقبلية".
وكما برع في مزج العام والشخصي في معظم قصائده، استطاع أن يبثّ سخريته ومفارقاته بقصديّة تجاه العديد من المحطّات والمآسي التراجيدية التي حلّت بفلسطين والعرب، حيث العبث، هنا، موقفٌ، والانزياح نحو الهزل حكمةٌ وفضيلة. هكذا، نراه يدّون في قصيدة "حصار قرطاج":
"يا امرأ القيْسِ،
ما لي أراك حزيناً صموتْ؟
البلاغةُ ذمَّتُها واسعةْ
يا امرأ القيسِ
إنْ شئتَ قرطاج، لا بُدَّ من شوكها
ولا بُدَّ أن تتعفَّر قبلَ الوصولْ
يشدُّ ذراعكَ رملٌ،
يناديكَ نيلْ
يا امرأ القيسِ إنَّ السَمَوْألَ تاجرُ أسلحةٍ،
واسمه صِمُوئيلْ
والبلاغةُ سيفٌ عتيقٌ كسولْ
دمها خَدَرٌ من كحولْ
ودمي من جراحِ الخليل.
البلاغة ذمّتها واسعة
حبرها طافحٌ في الجرائدِ مثلَ القُروحْ".
حافظ المناصرة على مناقبيّته الأخلاقية وعصاميّته، نائياً بنفسه عن السلطة التي عارضها ورفص الاستستلام لمغرياتها، سواء في رفضه لاتفاقية أوسلو عام 1993، أو في حياته الأكاديمية، وهو الذي سافر إلى الجزائر بعد خروجه من بيروت عام 1982، وأسّس قسم الأدب المقارن في "جامعة قسنطينة" التي عمل أستاذاً فيها بين عامَيْ 1983 و1987. كما ساهم في تأسيس "معهد الثقافات الشعبية" لطلبة الدراسات العليا في "جامعة تلمسان"، وعمل أستاذاً فيها حتى عام 1991. عاد بعد ذلك إلى الأردن وهناك أسّس قسم اللغة العربية في "جامعة القدس المفتوحة"، ودرَّس فيها بضع سنوات. وكان له دورٌ، أيضاً، في تأسيس كلية الآداب والفنون بـ"جامعة فيلادلفيا"، التي عمل فيها أستاذاً حتّى تقاعده عام 2017.
خلال تنقّلاته المتعدّدة وعمله الأكاديمي، أصدر المناصرة العديد من الكتب المتخصّصة في النقد والثقافة والفكر، منها "الفن التشكيلي الفلسطيني" (1965)، و"السينما الإسرائيلية في القرن العشرين" (1975)، و"المثاقفة والنقد المقارن" (1988)، و"نظرية الأدب: قراءة مونتاجية في علم الشعريات" (1992)، و"حارس النصّ الشعري" (1993)، و"إشكاليات قصيدة النثر" (1998)، و"لغات الفنون التشكيلية" (2003)، و"الهويات والتعددية اللغوية: قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن" (2004)، و"علم التناصّ والتلاصّ" (2006)، و"الأجناس الأدبية: في ضوء الشعريات المقارنة" (2011)، و"أكبر من دولة فلسطينية، أقل من دولة كنعانية" (2012).
كما أصدر الراحل حوالي عشرين عملاً شعرياً، مثل "قمرُ جَرَشْ كان حزيناً" (1974)، و"بالأخضر كفّنّاه" (1976)، و"جفرا" (1981)، و"كنعانياذا" (1981)، و"حيزيّة: عاشقة من رذاذ الواحات" (1990)، و"مطرٌ حامض" (1992). وقد غنّى مطربون عرب عدداً من قصائده الفصيحة والعامية، ومنها "يا عنب الخليل"، و"جفرا"، و"بالأخضر كفّنّاه"، و"عتم الليل"، و"يا نايمين تحت الشجر"، و"الباب"، و"المسافرين"، و"مواصلات إلى جسد الأرض"، و"الميعاد"، و"طواويس"، و"كان الصيف موعدنا".


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1