رسائل إلى أبي (الرسالة الثانية)

ضفة ثالثة-وفـاء علّوش
18-02-2021
لا أحتفظ بصورة لك ولا أعتقد أنني سأفعل، الأمر مؤلمٌ بالنسبة إلي، ربما تعلم ذلك، فلقد تحاشيتُ طويلًا النظر إلى صورك التي علقها إخوتي في منازلهم، ما زلتُ حتى اللحظة أستصعب التحديق في عينيك الغائبتين لذلك لم تلتقِ نظراتنا منذ إغماضتك الأخيرة.
منذ ذهابك ولفترة طويلة تملكني شعور بالذنب، كنت أشعر وكأنني كنت سببًا في موتك فاخترت الهرب منك، لم أُشفَ بشكل كامل حتى الآن من هذا الرعب كي أكون صادقة معك، لكنني تعلمتُ في رحلات العلاج النفسي أنني أؤذي نفسي من دون أن أنفعك بعقدة الذنب التي تتملكني، وأنني مثل غيري ربما سجينة أمور نفسية في لا وعيي، لن تشفى في حال استمررتُ بجلد ذاتي.
ربما ستقول لي مداعبًا الآن أنك لا تصدق أنني خضعتُ لجلسات علاج نفسي، فقد اعتدتَ على رؤيتي عابثة ومرحة ومليئة بالحياة وغير جدية في أغلب الأوقات.
نعم يا أبي كنتُ أظن ذلك أنا أيضًا إلى أن قسمتَ ظهري برحيلك، وغيرت لي الزاوية التي أرى من خلالها العالم.
في البداية تعاملتُ مع رحيلك على أنه أمرٌ طبيعي، وأن ما حدث معك كان قدرًا مؤلمًا لكنه لن يكون سببًا في انكساري مثلما حدث في انكساراتي القديمة الكثيرة.
حملتُ قلوب كثيرين ممن وقعتْ قلوبهم أرضًا إثر سماع خبر رحيلك، واسيت من طعنه غيابك وهو في منفى لا يستطيع العودة منه، ضمّدتُ جراح صغارنا الذين لم يستوعبوا فكرة الموت ولم تروِ إجاباتنا أسئلتهم المتكررة وهم يرون جسدك ملفوفًا بالبياض قبل أن تخرج من المنزل من غير عودة، ابتسمت للمعزين وهم يخبرونني أن الموت حق وأن الألم لا يلبث أن يضمحلّ حتى يختفي مع مرور الوقت.
شربت معهم القهوة المرة التي لم تعد تعجبك، منذ أصبحتْ سلعة تجارية تباع في الأفراح والأتراح مقابل شراء الوقت والجهد.
"القهوة حدثٌ عاطفي يا ابنتي، لا يمكن أن نشربها كمن يتناول كبسولة علاج، لا قيمة لثمنها أو اسمها التجاري إذا لم يتعلم صانعها كيف يمكن أن يصل إلى القوام المناسب من بن وماء في وقت معين، ولم يتفنن بتعشيقهما معًا على الموقد كي تصبح مناسبة للتقديم، لقد أحببت قهوتك منذ كنت في التاسعة من عمرك، تتذكرين ذلك.
نصيحتي لك ألا تقدمي قهوتك لمن لا تحبين، أو لا تودين أن يطيل مكوثه في بيتك أو في قلبك، قدمي له الشاي مثلًا، أو أي نوع من المشروبات الجاهزة ولا تمنحيه وقتا ثمينًا في صناعة قهوتك".
كنتَ تقول لي ذلك فأضحك، وأخبرك أنها أسرع الأشياء التي من الممكن أن نحضرها في الزيارات، وأنني لن أُفلت من لسان أمي إذا لم أفعل.
لكنني عملتُ بنصيحتك هذه المرة، وقدمت للمعزين قهوة مرة معلبة، علهم يذهبون ويتركون لي وحدتي أنقاسم معها ذاكرتي في الأيام الأخيرة معك، غير أنهم كانوا لحوحين أكثر من اللازم، وكان في عدم رغبتي في وجودهم جحود كبير، لأنهم قدموا ليزيحوا عنا عبء الاحتراق وحيدين بعد الفقد.
وحدي ربما لم أكن أريد أن أتقاسم حزني عليك مع أحد، كان ذلك الأثر الوحيد لي المتبقي منك، خبأته في صدري شهورًا طويلة، حتى استطاع المفجوعون برحيلك التعافي أو النهوض، حينها فقط استطعت أن أتنفس إلى عمق الرئتين الموجودتين في تجويف صدري، لكن الشهيق كان يتوقف في منتصف الحنجرة وأنا أشعر أنني أستمتع بأوكسجين صافٍ بينما حُرمتَ منه في أيامك الأخيرة.
سأخبرك بسرّ، لو كنتَ على قيد الحياة لربما منعتني من البوح لك به، لا أؤمن بالعدالة في هذا العالم وأكره الموت يا أبي وأرفض أنه سلبنا وجودك، أكره فكرة انعدام الحياة في جسد كان يتحرك حولي منذ قليل، أو ربما لم أستطع استيعابها بعد، ما زال ملمس جسدك ساخنًا تحت يدي حين كلمني الأطباء من المستشفى ليبلغوني خبر وفاتك، ما زال دافئًا رغم أنك كنت قد عزمتَ قرارك وخرجت في طريقك بغير عودة تاركًا لي صقيع جدران المستشفى في يوم كئيب من أيام حزيران ، بقيتُ بعدها كثيرًا وأنا في حالة ذهول غير مصدقة أنك تركتني وحيدة وذهبت.
ستخبرني الآن أنني لستُ وحدي، بلى.. وحدي هنا من أمثل القوة وأنا أضرب مشاعري بعصًا من حديد كي أهشمها قبل أن تفعل هي ذلك، وحدي سأكون في إنكار مستمر لموتك وسأهرب من الحديث عنه وأنا ألعن فكرة العائلة في سرّي بينما أشتهي عودتك وأحسد الفتيات اللاتي ما زلن يتمتعن بنعمة تأبط يد والدهن في الطريق.
سوف تغضب الآن إذا ما أخبرتك أنني لم أكن أود القيام بتلك المراسم في وداعك، لكنك ستترك لي حرية الخيار مثل عادتك محملًا إياي مسؤولية خروجي على القواعد والأعراف الاجتماعية، لا تغضب مني يا أبي، لأنك إذا نظرت إلى عميق فؤادي ستعرف أنني كنت أضيق على نفسي حدّ الاختناق وأنني كنت أريد أن أدفن نفسي في زاوية مغلقة أستطيع فيها الصراخ بعيدًا عن أعين الفضوليين وتعليقاتهم.
كل قصصهم عن الموت وحكاياتهم الذين تعودوا سردها في المآتم، لم تستطع أن ترمم ذلك الثقب الذي أحدثه غيابك في الروح.
سوف تسألني لماذا انتظرت كل هذه السنوات قبل أن تبدئي بمراسلتي؟، سأجيبك بأنني فكرت بذلك طويلًا منذ اتخذت قرارًا بعدم زيارة مرقدك، ما زال يصعب علي تخيّل أنك ترقد تحت هذا الثقل من الأحجار، أنت الذي كنت ترزح تحت وطأة كثير من الأثقال مذ كنتَ طفلًا، كان يقتلني شعوري بالعجز عن التواصل معك، وكنتُ أحاول اكتشاف طريقة أخرى تذهب بي إليك لنتحدث ولو لوقت قصير.
نعم أنت على حق. ما زلت لا أستطيع تصديق أن الأدعية الدينية والنصوص المقدسة قادرة على خلق جسر تواصل خارج على الطبيعة بين الأموات ومن ظنوا أنهم ما زالوا على قيد الحياة، ثمة شيء ناقص على الدوام في ذلك التواصل الوهمي.
أين تذهب الذكريات يا أبي.. لم أسل نفسي يومًا سؤالًا مثل هذا، أو ربما لستُ أجرؤ على الاعتراف أني لم أشفَ من عقدي في الذاكرة بعد، كان عليّ إذن أن أُنظّر كثيرًا عن الشفاء وعن الذاكرة التي تعيد تهيئة نفسها فترمي ما لم يعد يعنيها في سلة المهملات وتحتفظ بذكريات جديدة.
أين تذهب الذكريات حقًا؟ سؤال بدأت أفكر به منذ بدأت بمكاشفة نفسي ومصارحتها بكثير مما يدور في لا وعيي، فالذاكرة التي أوهمتْني أنها رمت الألم الذي عانيته في سلة مهملات عتيقة، كذبت علي وعجنته في خلاياي حتى أصبحنا واحدًا.
بعد عشر سنوات ربما سأعترف أن ذاكرتي لطالما دست السم في عسل أيامي، ربما سيكون عمري في ذلك الوقت أقصر من أعيد اللحظات التي فرت من بين أصابعي، سأكتفي في الوقت الحالي بأن أعقد هدنة مع خبايا لا وعيي، وأعتني بزراعة الأحلام لتلوّن أيامي المتعبة مثل أي امرأة تتعايش مع الفقد، سأبتلع ألمي كلما كدتُ أفقد صبري وأنفجر فأقول:
"تلك الذاكرة الملعونة، كانت كافية لتقتلني".


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1