محجورٌ في بيتي! بقلم خليل ابراهيم المتبولي

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
01-02-2021
محجورٌ في بيتي، أتنقل بين غرفتي والمطبخ والحمام، أتحدث مع نفسي في جو ميلودرامي ، في مكان أصوغ حدوده وأشياءه، أروّضه كما يروضني، أستغل سكونه وأظهره واضحًا وضوح الشمس. أُظهر تكاوينه الداخلية، زواياه ، تفاصيله التي أصبحت من تفاصيلي، أُحصي رائحته الغامضة التي تنبعث سرابات قاتمة، الملتحفة رغبات الحياة، المتمازجة كالغيوم في السماء.
أسترسل في الانخراط في عزلة مصدّعة، خارجة على الزمن والوقت، متنكرًا للرفوف الفارغة رغم الكتب المكدّسة فوقها، وللخزائن المبعثر داخلها الثياب المهلهلة، وللمنافض المستلقية فيها السجائر كجنود قتلى في معركة الوجود، ولكل ما هو جامد، متحرك في مخيلتي. ألملم أفكاري المنتشرة في كل مكان في البيت، أتناول حرفًا حرفًا أناجيه وألاغيه، ألتقط كلمة كلمة وأبحث عن جذرها ومعناها، أبث فيها حواسي وهواجسي، أحسمها ، وأقطع الجذور كلها بإحساس التذكّر والحنين بعاطفة حارة، كأنها شموع أشعلت ليلة الزفاف. الجذر ، قلب ، شعلة ، حرارة ، انبعاث ضوء ، يُفرغ قسماته في صمت الألوان .
محجورٌ في بيتي ، فاقدٌ للحرية في منفاي ، بلا ذاكرة ، الذاكرة رهان المستقبل ،وارتماء في تاريخ بلا موعد ، كيف لهذا الحَجْرُ أن يتزحزح ؟ اسمه من صلب ، والصلب انكشاف لسر الجمود عبر بوابات السجون ، معجون بسحر الهموم ، معصوب الأفق بعلامات وإشارات وأيقونات قرمزية ،وبمجد مدجج بحقائق صادمة ، يصنع أسوارًا بلا مواقيت ، وبلا فواصل . يتقدم الحَجْرُ حاذفًا امتلاء الأيام ، يشرئب على النور ، ويختلط في تواريخ لا تحصي غياباتها سوى سراب مصقول بأرقام فوضوية ، تنتشر على الأرائك والأسرّة ، لتعلن غيابات على شاشات الروح ، تفوح منها رائحة صدأ الزمان والمكان .
محجورٌ في بيتي ، أعدّ خطواتي المتهالكة ، أنظر إلى السقف واللمبة والجدران ودهاناتها ، وإلى البلاط ، محاولًا ضرب طولها بعرضها ، أحسب الضوء الآتي من النافذة ، المرتعش ، المحمّل بغبار السنين . أدخل غرفتي ، أتناول كتابًا ، أقرأ فهرسه ، أنظر إلى عدد صفحاته التي تروي كسر المعادلات ، أعبر أحداثه المكتظة بالشخصيات الرئيسية والثانوية ، أرجع بصداه ، أبصره إشارات سابقة ، أطبقه وأعيده إلى الرف الذي يبكي على أحداث وشخصيات الكتب الحاضنة له .
محجورٌ في بيتي ، سئمتُ ، فما عدتُ أرغبُ في شيء سوى فتح باب البيت ، وتجاوز عتبته ، والخروج إلى الشارع ، لألتقط المد والجزر ، الفرح واللّذة ، الركض والقفز ، واللعب مع العمل ، التعب والعرق ، وتجفيف الريح للرغبة عن جسدي ، أشتهي في العلن وحل المطر ، والشمس الحارقة ، ودمع النساء ، وغضب الرجال ...


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1