حين كان الوباء يتجوّل في بيتي- وداد نبي

ضفة ثالثة
29-01-2021
عظام عصافير صغيرة محفوظة في علبة خل التفاح بخزانة المطبخ، فطور ملونة بأشكال مختلفة تنمو على حواف البراد والمجلى كتلك التي رأيتها طوال شهر تشرين الأول/ أكتوبر في غابات وطرقات مدينة راينسبيرج، صوت أنين وسعال محشوران في قوارير زجاجية صغيرة محكمة الإغلاق موضوعة في صحن الفخار المغربي الملون، وكل محاولات تلك الأصوات بالصراخ وطلب النجدة تذهب هباءً، فقط أفواه تتحرك دون صوت، كل تلك الأشياء كانت تتناوب على زيارتي في كل ليلة على شكل كوابيس في أيام الوباء، الأيام التي أصبت بها مع زوجي بفيروس كوفيد 19.
ازدادت شدة هذه الكوابيس بعد أن دخل زوجي غرفة العناية المركزة في المشفى، وعبثًا كنت أحاول تذكر أسابيعنا السعيدة الأخيرة في مدينة راينسبيرج )ألمانيا)، حيث كنا نقيم في قصر المدينة بموجب منحة للكتابة، كنت أحاول تذكر كل تلك الطرقات التي اكتشفناها مشيًا استغرق أحيانًا ست ساعات متواصلة. البحيرة والقصب المتمايل الذي كان يسورها، الفطور الملونة، السناجب والأعشاب البرية التي كانت تنحني مع خطواتنا، لكن عقلي كان يرفض استرجاع زمن سعيد محكوم بخوف شديد من الفقدان في زمن الحاضر.
كان مؤلمًا التعامل اليومي مع احتمالية فقدان شريكي، لأن الفقد كان يأتي مرتبطًا بجملة عوامل متشابكة، ماضي الهروب من مسقط رأسي، الهزيمة وخسارة الحياة القديمة، والهروب من كل البلاد والذكريات. لذا كان مجرد التفكير بخسارة كل شيء من جديد يفتح بوابات الجحيم عليّ في كل لحظة.
في زمن الوباء أصبحت لاعقلانية، أكثر هشاشة، وقابلة للتحطم تحت تأثير الأفكار والكوابيس، كنت أصارع الأشباح والأسئلة بجزع، ماذا لو كان هذا يحدث مع جميع سكان الأرض، أقصد الخوف والهذيان من الفيروس، أي تغييرات كبيرة تطرأ على حياتنا دون أن ننتبه، نحن المشغولون بمحاربة الوباء فيما هو يؤسس نظام تفكيرنا الجمعي من جديد. يجعلنا جميعا أسرى مخاوفنا من أنفسنا ومن الآخر حامل الوباء.
كانت إصابتنا بالفيروس مثل تركيب مرايا متعددة في كل زاوية من زوايا البيت، مرايا تعكس مخاوفي، أوهامي وهشاشتي، كنت أشاهد وهم اعتقادي النجاة، لم أكن ناجية لا من الحرب ولا من الخوف. (بالنسبة إليّ الخائف كل شيء يصدر حفيفًا) كما قال الأديب اليوناني سوفوكليس.
في طرف الكومودينو كتاب "عزاءات الفلسفة" للمفكر ألان دي بوتون، ترى كيف كان الفلاسفة الإغريق يتعاملون مع فكرة الموت. ألم يتقبل سقراط موته بالسم دفاعًا عن أفكاره؟ لكن أي معنى للموت وأنت تحارب فيروسًا لا تراه؟ كائن لا تستطيع أن تنظر في عينه حين يأتي ليصرعك؟!
مع كل يوم كانت تمد تلك الأسئلة الوجودية برأسها لبيتنا، فتتجول معنا داخل المطبخ وغرفة النوم، داخل بانيو الحمام، وحتى حين أفتح النافذة المطلة على الحديقة الخلفية لأراقب شجرة الحور، فأجدها تسبقني على شكل عصفور يقف مقابلًا لي على غصن من تلك الأغصان. كنت أتذكر تلك الأسطورة اليونانية، حين حاول أورفيوس الوقوف بوجه الموت، باستعادة حبيبته من العالم السفلي، وكيف في النهاية خسر الرهان أمام شرط اللوعة والاشتياق.
كيف يمكن لهذا العالم غير المرئي، عالم الفيروس، أن ينتصر على عالمنا المرئي والصلب؟ على بيتنا والمكتبة التي فيها، النباتات المنزلية التي أعتني بها منذ سنوات؟ كيف يمكن أن ينتصر على مشاويرنا اليومية في كل أيام أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر في الطبيعة رفقة البحيرة؟ على ماضينا وذكرياتنا ومعاركنا مع الديكتاتورية والحرب والنجاة؟ كيف أمكن لهذا الكائن غير المرئي أن يكون قادرًا على القضاء على كل تلك المحسوسات؟ أتراها حقًا الحياة مجرد صورة متخيلة أو حلمًا. ما الذي يفصل بيننا وبين الوهم إذًا؟


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1