القضية الفلسطينية في واقع عربي متغير

د. وسام الفقعاوي
11-01-2021
الانتفاضات الشعبية العربية التي بدأت شرارتها في تونس، أواسط شهر كانون أول/ديسمبر 2010م، وسرعان ما تفجرَّت في كل من مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وكذلك تلك الانتفاضات في "موجتها" الثانية التي أنتجتها؛ السودان والجزائر والعراق ولبنان منذ كانون أول/ ديسمبر 2018، لم تكن برأيي؛ مؤامرة أو خديعة أو خارج الظرفين الذاتي والموضوعي الّذين أنتجاها، وإلا علينا أن نصدق القول البيولوجي: أن جينات العربي لا تعرف الثورة على حكامها، أو أن الاستبداد ظِلُّ العربي، وصولًا إلى أن العربي لا يعرف الخروج في النهار.. وكل هذه المقولات وغيرها، إما أتت في سياق تأكيد الفكرة الاستعمارية الاستشراقية التي تحاول أن تضع الإنسان العربي في صورة: الخانع – التابع – القطيع - المُنقاد من الخارج – المُهان بإرادته... وبالتالي تشريع فكرة استعماره واستتباعه المُستمر؛ لكن السؤال المشروع: لماذا تحولت الانتفاضات أو "الربيع" كما يطلق عليه البعض إلى عكس أهدافه/شعاراته الكبيرة التي أُعلنت (عيش – حرية – عدالة اجتماعية)، وتجسدت في هدف/شعار: الشعب يريد إسقاط النظام، أي "التغيير" الذي يؤدي إلى تحقيق تلك الأهداف/الشعارات؟.
في الوقت الذي أدت فيه هذه الانتفاضات إلى تغيّرات سياسية واجتماعية واقتصادية نوعية، من حيث سقوط رؤوس بعض نظم الحكم، تحت ضغط المطلب الشعبي أو التدخل الدولي؛ مثال مصر وليبيا، وتحولت في بعضها إلى حروب أهلية ومواجهة مفتوحة، في ظل دعم دولي وإقليمي لأطراف تلك المواجهة مثال سوريا واليمن وليبيا، ولا تزال فصولها مستمرة؛ فإن مأزق الانتفاضات الحقيقي، غير تربص العامل الخارجي بها؛ الإسرائيلي والأمريكي على وجه الخصوص، هو المأزق الداخلي؛ بكونها انطلقت عفوية ودون برنامج سياسي ثوري واضح؛ بسبب غياب أحزاب سياسية متبلورة جيدًا، وبالتالي قيادة ناجزة؛ تقود وتوجه أهدافها المعلنة في شعاراتها ووضعها موضع التنفيذ، لهذا كنا أمام إعادة إنتاج تلك الأنظمة لأنفسها بأشكال متعددة، وكان بوابة ذلك "المؤسسة العسكرية من جهة، وحركة الإخوان المسلمين من جهة أخرى" في تبعيتهما للنظم الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والملاحظ هنا، دون لبس دور العرّاب الخليجي الذي لم يتأخر في لعب دورٍ محوري في اجهاض هذه الانتفاضات، من بوابة الطرفين الأقوى داخليًا؛ "العسكر والإخوان"، فكنا أمام المساومات من جانب، كما شهدناها في: مصر وتونس والسودان، وكذلك استمرار الانفجارات والإرهاب، كما شهدناها في: اليمن وسوريا وليبيا ومصر.
القضية الفلسطينية في عمق الانتفاضات الشعبية
القضية الفلسطينية لم تكن خارج هذه الانتفاضات بقدر ما كان واردًا نجاحها في تحقيق أهدافها/شعاراتها المُعلنة، فلا يمكن أن تتحقق تلك الأهداف وتستعيد هذه الدول استقرارها وعافيتها من بوابة شعوبها؛ إلا وستكون القضية الفلسطينية على رأس جدول أعمالها، والمسألة هنا، ليست رغائبية أو محكومة بمشاهد فلسطينية ثانوية وسط مشهد الاحتجاجات الشعبية، بل بحقيقة، كثيرًا ما يرددها البعض بعفوية: طالما مصر أو تونس أو العراق أو لبنان أو سوريا... بخير؛ ففلسطين بخير، بما يعني حقيقة قدرة بلورة اتجاه شعبي عارم، بأن المسألة الوطنية (ال قطر ية) الداخلية، لا يمكن أن نراها خارج سياق بعدها القومي، والمسألة الاستعمارية والدور الإمبريالي للمشروع الصهيوني في المنطقة، ولأهدافه المعلنة في السيطرة والتوسع والهيمنة، والذي لا يمكن أن يتحقق دون عوامل داخلية، كان قد تأسس لها فعليًا مع بدء قطار التسوية باتفاقية كامب ديفيد عام 1979 وما تلاه، والذي لا يزال مستمرًا على سكتين وضعت قاعدتهما؛ أنظمة الرجعية العربية، عندما لم تجد نفسها إلا في سايكس بيكو؛ الحِصن الذي يجب أن تبقى تحرسه وتدافع عنه، فهو من وضع أسس هذه الأنظمة ودولها؛ شريطة أن تكون فلسطين خارجها؛ وهنا بالضبط موقع تصريح بلفور.
من بلفور إلى ترامب.. اختلاق التاريخ
إنَّ الصراع على جبهة التاريخ في الحالة الفلسطينية، ليست سهلة أو عابرة، كعبور (هجرة) "إبراهيم" الذي لا يوجد أي أثر أركيولوجي، كما يذهب جميع المتخصصين والباحثين في التاريخ القديم، سواء في فلسطين أو في محيطها المصري والعراقي والشامي القديم، يؤكد حصول هذه الهجرة البتّة، لكن المؤكد أن الحركة الصهيونية؛ حركة أيديولوجية، عملت على الربط التاريخي والمضموني بين الرؤية الصهيونية الاستراتيجية، والروايةِ الدينية التوراتية، والمشروع السياسي المباشر لـ"إسرائيل" العنصرية، وهذا ما جاء عليه كثير من الكُتّاب الذين أدركوا ودققوا في ذلك، كما يذكر الباحث العراقي علاء اللامي؛ لعلّ من بينهم - إن لم يكن من أهمّهم - الباحث والأستاذ الجامعيّ المتخصّص في دراسات الكتاب المقدّس، كيث وايتلام في كتابه الحاسم: اختلاق إسرائيل القديمة، حيث يؤكّد وايتلام هذا الربط بأدلة واضحة، لا يمكن دحضُها أو التقليلُ من أهميّتها؛ من ذلك قولُه إنّ إشارة وعد بلفور إلى الرابط التاريخي بين اليهود المشتتين في العالم بـ"أرض آبائهم" كان أكبرَ نصرٍ في مطلع القرن العشرين للصهيونية، ولزعيمها حاييم وايزمن، الذي أصر على أن يتضمن وعد بلفور مثل هذه الإشارة، إيمانًا منه بأن التركيز على الجانب التاريخي "شرط أساس لنجاح المشروع الصهيوني" ولضمان "عودة" اليهود إلى "أرض أجدادهم": فكثيرًا ما كان وايزمن يردّد: "نحن لسنا قادمين، بل عائدون".
لقد جاء وعد (صفقة) ترامب، بعد مئة عام على تصريح بلفور، ليؤكد أن اختلاق التاريخ، كان على الدوام يسير على قدم وساق تارة بالتهجير والتطهير والتهويد العملي والقانوني، وتارة أخرى باسم السلام الذي يجب أن يُعطي لعملية الاختلاق "أسسًا" تاريخية، تبدأ من اعتراف ضحية هذا الاختلاق بحق الجاني في الوجود على أرضها، بما يضفي عليه، ليس بعدًا سياسيًا وقانونيًا فحسب، بل "يغرسه" في التاريخ الذي يجب أن ترتوي تربته القاحلة باستمرار التهويد العملي والقانوني "قانون قومية الدولة" مؤخرًا، إلى جانب مُطهر السلام التاريخي، باسم "إبراهيم/أبراهام" هذه المرة، حيث يستوي التاريخ المُختلق على قاطرة أصحاب التاريخ الأصلانيين.
بين بلفور وترامب ودولة سايكس بيكو "العربية"، يتكثف اختلاق التاريخ اليهودي، إذ دلت التجربة الحسية المُعاشة على أن دولة سايكس بيكو، مُلزمة بأن تَدفع ضريبة مزدوجة على مستويين؛ المستوى الأول: مادي هو حصيلة علاقة التبعية والإخضاع والنهب الإمبريالي المستمر، إذ تَدفع الدولة القطرية هذه الضريبة من ثروة ومقدرات شعوبها؛ كما هو حاصل بضخ مئات مليارات الدولارات في مركز النهب الإمبريالي الأمريكي الصهيوني، وكذلك بدفعها في الحروب البينية والعدوان ضد دول المنطقة، كما حصل مع مصر عبد الناصر والعراق، ويحصل مع سوريا واليمن وليبيا ولبنان والفلسطينيين في الحالتين، وصولًا إلى إيران. أما المستوى الثاني: سياسي -تاريخي، وهذا متعدد الأوجه والأبعاد، ولكن أحد أبعاده الثابتة؛ الموقف من الصراع العربي – الصهيوني الذي ستُدفع ضريبته السياسية من وعلى حساب قضية فلسطين وشعبها من جانب، ومن جانب آخر تكريس (تطبيع) إسرائيل ليس كوجود فقط، بل كتاريخ أيضًا، وليس على حساب الرواية العربية التاريخية في فلسطين فحسب، بل والعربية ككل، وإلا لم تكن هذه الاتفاقات "إبراهيمية".
من الانتفاضة إلى الثورة: الخروج الكبير
لم تكن المشكلة يومًا في وضوح التاريخ العربي ومنه الفلسطيني، وصدق روايته، وتعريفه لذاته، وإسناده أركيولوجيًا، كما لم تكن في وضوح طبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه المعلنة والخفيّة، كما لم تكن في الشعوب العربية التي دفعت الثمن مرتين؛ مرة جراء تكالب قوى الاستعمار والعدوان ضدها، ومرة أخرى؛ جراء خيانة أنظمتها لها، لكن المشكلة تكمن فيما يُوجب الخروج الكبير، على إجهاض الفعل الانتفاضي العفوي، إلى الفعل الثوري المُخطط والمُنظم، وهذا الفعل بوابته؛ قوى وأحزاب، تمتلك رؤيتها واستراتيجيتها وأدواتها المغايرة والمفارقة للواقع القائم الذي بقدر ما يدعو إلى الإحباط والتشاؤم واليأس؛ يؤسس لذاك الخروج الكبير المُنتظر.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1