الذئب الذي يلاحقنا

العربي الجديد/ حسن أكرم
09-11-2020
بقامةٍ طويلة ولطخة الصَلَع التي تتوسّط رأسه وبشوارب المسلّحين دخل عليّ لأول مرة، العميد المتقاعد سلطان، الذي لم يترك لي فرصة تخمين مهنته، فقد عرّف عن نفسه في لقائه الأول بي، كأنه يذكّر نفسه بمهنته. في الأيام الأولى، كنتُ أقضي معه وقتاً طويلاً لأقدّم له الكثير من الاقتراحات، فقد فكرت أنه بالنسبة إلى عمله السابق ربما يكون مهتماً بالسياسة وكُتب المذكرات الشخصية، أو لعله يحب قصص التجسّس العالمية وحروب المعلومات. ومن معرفتي الأولى به خمّنتُ أنه قد خرج إلى التقاعد منذُ وقت بعيد، وأنه مثل غيره يواجه فراغاً كبيراً يكاد يبتلعه. وعلى الرغم من أني طوال حياتي أُخطط أن أتقاعد مبكراً، إلا أنني بعد أن تعرّفت على سلطان أزحتُ هذه الفكرة من رأسي. يُخيّل لي أن الإنسان يفقد هويته عندما يخسر أمرين: مكانه في العمل وسريره الذي ينام فيه.
استغرقتُ وقتاً طويلاً حتى فهمت أن سلطان ليست له خيارات ضابط متقاعد عادي، بل إنه كان يبحث عن شيء غريب جداً، فقد قال لي وكأنه يخبرني سرّاً: "إنني وبصراحة أريد منك أن تجمع لي أيّ كتاب يذكر فيه اسم الذئب، بغض النظر عن نوع الفئة التي ينتمي إليها".
وعلى الرغم من أنه كان يستمتع بإهدار الوقت عندي في المكتبة، فإنه تخلّى عن أداء دور الباحث الذي يرمق الرفوف ببطء كأنه يبحث عن شيء هو وحده الذي يعرفه (مثلما يفعل مجايلوه من المتقاعدين). فبعد أن تعرّفت على نواياه لم يعد لذلك معنى. صرنا نُهدر الوقت في شرب الشاي والحديث عن المستجدات اليومية، ثم ننتهي بعرض الكتب التي جمعتها له على مدار الأسبوع الفائت، يدفع ثمنها ويوصي مرافقه بحملها ويودّعني بابتسامة عريضة.
كنت أُحاول أن أختار قصة سهلة لتفسير تلك الرغبة، رغبته بجمع هذا النوع من الكتب، إلا أنني لم أصل إلى تفسير مُرضٍ. فبعد أن عرفت لمحة عن تاريخ العميد، وهو الذي أُوكلت إليه قيادة "لواء الذئب" ويُشاع أنه هو من أطلق هذا الاسم على اللواء، صرتُ أواجه حرباً فضولية مع نفسي، تدفعني للبحث عن إجابات شافية حول رغباته تلك، خصوصاً بعد إصراره على أن يشتري كتباً ذات قيمة متدنية وأقرب إلى السخيفة، فقط لأنها تحمل في عناوينها الرئيسية أو الفرعية اسم الذئب. هذا ما جعلني أدخل في حيرة كبيرة، صرت أتحدّث مع نفسي: "ما لهذا الزبون يشتري كل شيء دون أن يتصفّحه حتى"؟
أيّ كتاب فيه ذئب، حتى أنه أشترى مني قصة "ليلى والذئب" نفسها، دون أن يترك لأحد تفسير لماذا يحتاج ضابط متقاعد في الجيش قصّة "ليلى والذئب"؟
سلّمته آخر دفعة من كتب الذئاب، والتي كانت على هذا النحو "ذئب البراري"، "طعم الذئب"، "رمز الذئب"، "الذئب في الأدب القديم"، وحتى "دمعة الذئب"، والتي يبدو أنها رواية سخيفة على الأغلب. وللحظة خشيت أن تنتهي قصتي مع سلطان، الرجل الذي شارف على الموت فعلاً، دون أن أعرف لغز الذئب هذا.
ولأنني لم أجرؤ على طرح هذا السؤال، سعيت لأن أتودّد لمرافقه الشخصي، والذي لم يتفاجأ في البدء من ملاطفتي الواضحة، إذ يبدو أنّ احتياجي له ظهر على ملامحي، فرمقني بنظرة تفيد بأنه فهمني من الوهلة الأولى، لذا ولأنني لا أريد أن أُخيّب ظنه أبداً، طلبتُ منه أن نلتقي على انفراد، فوافق على الفور.
ولسوء حظي، كان الرجلُ ذكياً ولماحاً، فما إن جلست بقربه وشرعت أحدّثه، حتى فاجأني بقوله" "ستعطيني مئة دولار على أيّ سؤال يخص حياة العميد سلطان". ولأني شعرت أن ثقته هذه تخفي سرّاً مريباً، وافقت على الفور.
ثم أردف قائلاً: ستسألني عن الذئب... أليس كذلك؟
أجبت بنعم، بعد أن شعرت بحماقتي. كيف لي أن أكون مكشوفاً إلى هذا الحد؟ احمرّ وجهي وبرد دمي ثم رحتُ أسأل نفسي: هل أنا في ورطة الآن؟ لم يتركني كثيراً مع ذلك الخوف الذي تملّكني فجأةً، شرع يحكي القصَة حيث قال: سلطان هذا كان ملازماً أوّل في نقطة تفتيش حدودية قريبة من آبار النفط في البصرة. للجنود هناك وضع خاص جداً، كأنهم رحالة وليسوا جنوداً، فانتظار العدو الذي لن يظهر أبداً، إضافة إلى الملل الذي يصيبهم في حماية الصحراء الشاسعة تلك، حوّلهم إلى مدمني كحول، وليست أيّة كحول بل "عرق عراقي فل"، والذي يكون تركيز الكحول فيه أكثر من ثلاثة أضعاف أي مشروب كحولي آخر، ولا يمكننا أن نتخيّل أيّ معدة أُخرى قادرة على احتمال ذلك غير المعدة العراقية.
كان سلطان نفسه يختزن عشر صناديق من هذا العرق لكل شهر من الحراسة، ويُحكى أنه في يوم ما استقبل ضيوفاً جدداً في سهرته المعتادة، كانوا مهندسَين قادمَين للتو من فرنسا للعمل في الحقل القريب من الثكنة، حيث لم يتجاوز عمر الواحد منهم خمسة وعشرين ربيعاً، ولنفترض - أنا وأنت - أنّ الملل نفسه الذي حوّل الجنود إلى مدمنين قاد الشابَّين إلى ثكنة سلطان، الذي رغب بأن يعرّف الفرنسيين على ثقافة البلد وكرم أصحابه، حيث استبدل لهما زجاجتي النبيذ اللتين كانتا بين أيديهما بصندوق من العرق.
فرح الفرنسيان بالصفقة، وحملا الصندوق وتركا الثكنة بعد أن ودّعا سلطان بابتسامة وانحناءة صغيرة. وفي اليوم التالي وصلت إلى الثكنة برقية تفيد بأن هناك مهندسين فرنسيين اختفيا، فذهب سلطان ليبحث عنهما في الصحراء حتى عثر على كومة من العظام مع بقايا من اللحم. عاد ومعه عظام الشابين اللذين أكلهما الذئب، وقد يكون الذئب بريئاً من موتهما؛ إذ يُحتَمل أن معدتيهما انفجرتا بسبب العرق وماتا قبل أن يُجهز عليهما الذئب بعد ذلك.
أعتقد أنّ ذنب قتل شابين بحركة كرم غير محسوبة لم يغادره، وقد لاحقه هذا الذنب منذ الحادثة، وكل ما يتصرف به الآن يفسّر أنه يريد أن يقترب من الذئب ليبتعد عن ذنبه وصوت ضميره الذي يطارده، أو ربما يفكر في أن يواجه هذا الكابوس بدل أن يهرب منه مثلما فعل طوال حياته.
نهض من الكرسيّ بعد أن وضع الورقة النقدية في جيبه، ثم سحب قميصه للأسفل وأظهر طرفي ياقته إلى الأمام كأنه يعيدها لانتصابها الأول. وقبل أن يهم بالمغادرة، نظر إليّ بطرف عينه ثم قال: "لم أجد أكثر سذاجة من بائعي الكتب... فضوليون وبلهاء، تصوّر أنك الزبون الخامس الذي يشتري مني هذه القصة. ما أسهل أن تقص قصة واحدة كل يوم وتحصل على هذا المبلغ المحترم". ثم غادرني وهو يضحك.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1