من يوميّات الوباء في موجته الثانية: آلات من وداعٍ هادر

العربي الجديد/ مصطفى قصقصي
02-11-2020
نباتات: من حديقةٍ مفاجِئِةٍ في قلبي المشدود كحبل غسيل على شرفة وقتٍ زجاجيّ أراقب الحياة السريّة للنباتات: صمتُها الأخضر، قلقُها الأوركيديّ، خساراتُها القانية، ولهُها النرجسيّ، وساوسُها الزنبقيّة، ذكاؤها العاطفيّ الخارق، لوعاتُها المنحلّة إلى خريف، ولعُها العابر بالظّلال، حديثُها الفلسفيّ المشمِس مع الحشرات، ذواتُها المبذورة بحنانٍ صبور في حقول الهواء. كم أغبُطُها: كائنات اختارت اللّونَ جسداً، والرقص طريقة حياة.
الحياة خارج الرحم: تضلّ الحياة أحياناً طريقَها إلى الحياة. يتلعثم قلبُها. يُعتِم إيقاعُها. يتبخّر صوتها. يُطِلُّ مهندُس الصوتِ من السيناريو الوجوديّ الصامت معتذراً: لم يَعْثرْ في خيالِها على صرخةٍ بديسبلات كافيةٍ لتمزيق غِشاء الغِياب. سنسمعُه جيّداً وهو ينادي عليها بأسمائها الموسيقيّة البديعة لكي تستيقظ من نومها وتمشي على غير هدىً في الغابات. كم سننسى ونتذكّر من جديد أننّا مخلوقات من مسافات وانتظارات وفراقات وأوانات فائتة. نحن فوات أوان. آلات من وداع هادر.
موجَة ثانية: فيروس عنيدٌ كحبّ لا يَكتفي بحياةٍ واحدة. ولا بموتٍ واحد. عنيف كحياةٍ مُبْتَسَرة لا تريد أن تضيّع فرصتها في أن يكتشف العالم موهبتها في احتمال الأمل. خائف كبحرٍ هجرتْهُ العواصف. هل نحن موج هذا البحر، مياهه المتقاذفة المتشبّثة بغرقِها؟ أعماقُه المنكسِرة غير القابلة للترميم؟ تماثيل ملحه الناظرة إلى وراء؟ جداريّة أرقِهِ المتأرجحة في العراء؟
طفولة: تتساءل طفلةٌ بعتاب رؤوف: لماذا لا يستسلم الفيروس؟ أي انتصار يريد؟ من جَرَحَه؟ من سَرَق ألعابَه وكُتبَه؟ لماذا يتدخّل في صداقتها مع الشمس والهواء والقطط؟ لماذا يتلكّأ في الرحيل؟ هل تورّط في غمّيضة لا نهائية؟ لماذا لا يستلقي في سريره ويستمع إلى قصّة للأطفال عن شجرة التفاح الأنانيّة التي تمادت في تجريح مشاعر شجرة الزيتون؟ لماذا لا ينام؟ لماذا لا يحلم بحياة أخرى؟
عبد الحليم: على يوتيوب أحدّق في صوت عبد الحليم حافظ المسرِف في الحُزن. صوت يحمل جسماً لا يتماسك إلاّ ليحملَ حُزنه. عيناه نفقان من حبّ لا ضوء في آخرهما، يداه تبتهلان لخالق الفقدانات والعزاءات كلّها. "شوف بقينا فين": رجلٌ يخاطب قلبَه كما خاطب امرؤ القيس صاحبَه الذي بكى لما رأى أن الدرب دونَه، وأيقن أنهما لاحقان بقيصرا، أي بما يملك النفس من عشقٍ مستبدّ يمجّد الحياة على حافّة موت ما: "نحاول مُلْكاً أو نموت فنُعذرا". لا صحراء سوى القلب. لا سراب سوى الفرد. لا دليل سوى الحب. جاء في مصارع العشّاق عام 2050: "في سنة الوباء كان العشّاق المنهكون ينهالون على أشواقهم بفؤوس وحدتهم الحادّة كحطّابين يعدّون العدة لشتاء طويل، بينما كان إخوةٌ لهم ينهبون النار من شهواتِهم العابِرة كقطّاع طرق ملثّمين بالخوف ويدخّرونها لحبٍّ أو لموتٍ أخير".
طيور: تفرد الطيور أجنحةَ عزلتِها الشّفيفة على الإنسان القديم الرابض في كهوفِه الحديثة المرفّهة التي يسمّيها بيوتاً، "الحيوان المريض" كما وصفه هيغل راثياً لحاله ولارتحاله عن الطبيعة، الكائن الهاملتيّ المطعون في ظهره بالحيرة المسجون في السؤال، الجنرال المأساويّ الطريد في متاهة الأرض، المتنحّي دائماً عن عرش "الهُنا"، الجالس أبداً على عرش "الهُناك"، المغلوب في كلّ الحروب.
مدرسة: الأحرُف المحجورة في الصفوف المغلقة تتنفّس بصعوبة، تسعل دون توقّف، يُغمى عليها بين السطور دون أولاد يلمسونها ويحرسونها بأصابعهم. في ملامحِها شحوب حياة داخليّةٍ تمكّنَ منها الصقيع الإلكترونيّ وأحالها إلى بيكسلات متناثرة، ومتنافِرة. لا رائحة لها ولا رنين، تجرجر كلماتها المبتورة على الشاشات المرصّعة بمربّعات خلاّبة ومرعِبة كفلول جيشٍ أبجديٍّ مهزوم على تخوم التكنولوجيا: الألف الآيلة للسقوط في الأسر، الياء اليائسة في التنائي، الباء البائسة في نهاية الحب. على جدران المدرسة الأخيرة يدٌ مقاوِمةٌ كتبت: عن بعد أو عن قرب، التعليم الوحيد الممكن هو التعليم عن حبّ!


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1