أمي "فضّة" وأنا.. بعض حوارات/ نصار إبراهيم

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
07-09-2020
الوالدة- رحمها الله- كانت امرأة مميزة، بل يمكنني القول إنها عبقرية، مثلها مثل معظم الأمهات، مميزات وعبقريات، كل بطريقتها الخاصة ووفقا للظروف التي تتعامل معها. صحيح أنّ الوالدة لم تكن تعرف القراءة والكتابة، لكنها تملك إحساسا مذهلا في الإدارة والاقتصاد، وهي فوق ذلك استراتيجية من الطراز الأول، سواء في التقدم أو التراجع، في الهجوم أو الدفاع، كما أنها تكتيكية بارعة في التعامل مع حركة الأحداث والطوارئ ومتطلبات الحياة الصعبة.
وبالمناسبة اسمها "فضّة"، وتحبّبا كنت أناديها "سيلفيا". هي مزيج مدهش من التقاليد والثقافة البدوية والفلاحيّة، متوسطة القامة، نحيفة القوام، حنطيّة اللّون، تلبس ثوبا بدويا تقليديا مطرزا بنقوش كنعانية، هادئة الطبع، في عينيها براءة ودهاء، مرنة في تعاملها دون أن تتخلى عن عناد الصّحراء الرابض في أعماقها... كانت تضع كل واحد عند حدّه بجملة هادئة لكنها غريبة في قدرتها على فرض الالتزام والتقيّد بالحدود.. تقول: كونوا أحرارا، ولكن إيّاكم والنّذالة أو المال الحرام أو التهاون في المدرسة،عندها سأسخطكم كما سخط الله قوم لوط! أمام هذا من سيتجرأ ويغامر أو يخاطر، فنهمهم ونصمت.
• أمي تدافع عني!
يوما قلت لأمي "فضّة" (يعني عند الإنجليز "سيلفيا"): في ناس بيحكولي باستغراب إنو شكلي أصغر من عمري.!كانت تبتسم وتعلق بلا مبالاة: عادي يمّا الناس بتحسد لكلاب ع فيّ (ظل) الشجر! لم أكن أفهم قصدها بالضبط! مع ذلك كنت أكيِّف لمّا تحكيلي هيك، لأني كنت مقتنعا أنها تدافع عني!.
• وقالت لي يوما: راسك بدّو نفض!
من زمان... من زماااان كثير، كان في عندنا بابور كاز، أحيانا كان يتوقف ويتعطل، فكانت أمي فضة يعني "سيلفيا" تطلب مني أن آخذه للتصليح في بيت لحم، ودائما كانت توصيني بإصرار: قللو للمصلِّح ينفض راس البابور منيح، إنتبه ليقع منك وإنت بتتلعبن بين الشجر، راسك بنفضو! وهكذا أحمل البابور وأمضي منحدرا بين التلال وأشجار الزيتون مسافة 6 كيلو مترات، وفي الدروب التي أعرفها جيدا أحاذر أن لا يقع البابور مني. ولكن ذلك لم يكن يمنعني من المشاغبة، فكنت أحيانا أجلس تحت زيتونة أو أزور شجرة لوز أو تين.
المهم أنني تعلمت درسا هائلا في الفلسفة من فضةوهو أن الحل الوحيد حين يتوقف رأس البابور عن العمل هو: النّفض!
بعدها بسنوات وسنوات صرت كلما شعرت أن الأفكار في رأسي غير واضحة أو ملتبسة، كنت أتذكر كلمات أمي وهي تحذرني مهددة: راسك بدو نفض.!
فعلا معها حق فضة، فحين يتعطل العقل فإنه بالضرورة يحتاج لنفض، وكذلك التنظيمات والأحزاب وخاصة "أحزاب اليسار"، التي حين يتعطل عقلها، وتفقد المبادرة والحيوية، ولا "تشتعل" رؤوسها كما يجب. فيجب حينها نفضها، تماما مثل نفض راس بابور الكاز!.
• نبوءة فضة!
كان ذلك في نهاية عقد الخمسينات من القرن الماضي، حين كانت أمي تتهيأ للخبيز، كنت أقترب وأقرفص أمامها،كان ذلك يزعجها فتحتج:
- بسم الله الرحمن الرحيم، ليش قاعد هيك زي القرد،أقعد زي الناس!
فأقعد زي الناس.
- بتعرفي يمّا أنا بتوقع إنو راح أصير شي مهم في هالحياة!
تواصل عملها بلا اكتراث ثم تقول بثقة:
- طيب يمّا، "بسّ يِطْلَع لِحمار عَ الميْذَنَة!".
أنظر إليها بزعل واقول:
- لهالدرجة قاطعة الأمل مني!؟
تبتسم:
- لا يمّا! وحياة عينيك اللي زي عينين الجِّدي اللِّي زالِط بلّوطَة مش قاطعة الأمل منك!.
- طيب ليش بتحكي بسّ يطلع الحمار ع الميذنة! إنت بتعرفي إنو الحمار مستحيل يطلع ع الميذنة، ليش بتحكي هيك!؟.
تلوِّح برغيف العجين وترمي به على الصّاج ثم تقول وهي تنظر بحنان خاطف:
- إذا خلّتك الأيام وعِشْت يمّا راح تشوف إنو الحمار بيطلع ولاّ ما بيطلع ع الميذنة!
قسما بالله إنك يا فضّة روعة، لأنو مش بس حمار واحد طلع ع الميذنة، في هالأيام حمير كثييييييير طلعت،وكلها بتفتي في الإيمان والكفر والجنة والنار والجهاد، والسياسة والاقتصاد، والمصالحة والطلاق والسلام والتطبيع والسفاح والسفر والموت ورضاعة الصغير والكبير، وسباحة المرأة في البحر المذكر وقيادة السيارة واستخدام الفيس بوك وتويتي وتويتر والجلوس والوقوف، والسير مع الريح وعكس الريح وهيكا.
على أية حال ليس هذا الأمر هو الذي يشغل بالي. ما يشغل بالي هو الشق الثاني من نبوءة العرافة أمي يعني"سيلفيا" أقصد "فضة"، أقصد تحقق شرط تحقيق الإمكانية التاريخية بأن أكون مهما. فما دامت الحمير قد صعدت إلى المآذن، إذن يمكن جدا أن أصبح مهما، يعني في زمن الحمير كل شي ممكن!.
• موقف فضة من المفاوضات!
- يمّا... يمّأ...!!
- شو في على هالصبح!؟
- في موضوع كبير بدي آخذ رايك فيه!
- خير شو في؟ صار لنعجتنا الصبحة شي!؟
- شو نعجة وما نعجة.. بقلك موضوع كبير وانت بتقوليلي نعجتنا الصبحة.
- طيب شو في؟
- كوشنير جاي عندنا
- مين؟
- كوشنير جوز إيفانكا بنت أبو كُشَّة، بتعرفيها ها!؟
- ممممم! خير شو بدو. مش قحوشوا مصريات الملك سلمان وخلصوا!؟
- الزّلمة يمّا جاي من آخر الدنيا قال في عندو موضوع بدو يناقشو.
- طيب لويه بتحكيلي، إنت شو علاقتك!؟
- كيف شو علاقتي! ما هو طلب يلتقي معي!
- معك إنت!! يا غراب البين،وشو بدو منك!؟
- قال عشان نتفاوض
- تتفاوضوا!؟ تتفاوضوا ع شو!؟
- مش عارف بس هو مهتم نتقابل ونتناقش
- والله جاي ع بالي أنقش راسك اللي زي راس الجحش
- ولّ ليش يمّا!؟
- لأنو حكيك فاضي وبغم البال.
- الفكرة يمّا إنو بدو – زي ما فهمت- نخلص موضوع القدس وعودة اللاجيين، والمستوطنات، والدولة وقصص هيكا!.
- مش عمى ويما يمّا، وبتقول قصص ها! مش يما لسانك اللي بدو قصّ!
- مالك علي اليوم! الناس جايين وبحطوني في صدر المجلس وانتِ بترمي فيّ عند عتبة الباب، بعدين معك!؟.
- إنت شو اللي بدك إياه..ها؟
- حاب أقعد مع كوشنير! زي كل هالعربان شو هو أنا من عيلة صغيرة.
نظرت أمي أليّ، ثم أرسلت عينيها نحو السفوح البعيدةوقالت: يا ولد إنت ما بتتعلم، إنت هلا من كل عقلك بدك تقعد مع هاد الكوشنير منشان تخلصوا موضوع القدس والعودة والمستوطنات اللي نهبت كل شقا عمري!؟ يا خسارة حليبي! قوم انصرف من قدامي!
- طيب على مهلك، يعني إنتِ رايك إنو ما في فايدة!؟
- بتعرف يمّا إنك "أبرد من طين كانون"، يلّا قوم بلا كثرة برم وخذ النعجات واسرح معهن بالكن صرت تفهم. أحسن والله بقلّ هيبتك ع هالصبح.
في النهاية قمت أحسن ما تنقلّ هيبتي، لأنو فضة بتعملها ما في عندها لحية ممشطة، ورايها إنو ما في إشي نتفاوض عليه مع هاد الكوشنير. النعجات أهم مِنّو ومن إيفانكا كمان. أصلا أنا بستاهل اللي رحت افاوض فضة ع القدس والعودة والدولة والمستوطنات. نهضت فيما انهمكت أمي بمداعبة حبوب القمح في حجرها الشاسع والممتد كحقل لا نهاية له.
• "فضَّة" وواقع حالنا!
فكرت وتأملت واقع الحال الفلسطيني، تابعت الأخبار: المصالحة وإنهاء الأنقسام والتقسيم والقسمة بدون باقٍ، وإعادة بناء م.ت.ف على أسس ديمقراطية جدا، وخطط التنمية المستدامة جدا جدا جدا، ومع ذلك يزداد الفقراء فقرا، ويطول صف العاطلين، وفوق كل هذا حصار وجدار، ثم قرنُ ثورً صار"صفقة قرن"، يحدث كل هذا فيما الفلسطيني صابر يجلس على لوح شجرة صَبّار وينتظر.
قلت لأسأل فضة، فقد تفيدني، ف "فضة" يعني "سيلفيا" عندها الخبر اليقين.
قرفصت أمامها فيما هي "تعِسُّ" دجاجة بلدية لترى هل ستبيض غدا أم لا.
رفَعَتْ رأسها، نظرَتْ إلي وقالت خير شو في؟
قلت خير، كلّو خير يمَّا. شو رايك في وضعنا!؟
تأملتني طويلا. صمتت، ثم نظرت في عينيَّ مباشرةً وقالت: والله يمّا "خير ما فيكو خير دخّانكو بعمي العينين".
قلت: شو يعني!؟
قالت: يعني إنتو "زي حمير عارة وعرعرة 100 حا ما بتمشي، وبس تقولّها هيش بتوقِّف"، يعني بتجحّشوا. شو بدي أحكيلك يمّا "هالطينة من العجينة"، وزي ما قال صاحبك ماركس "جاجة حفْرَتْ عَ راسها عَفْرَتْ!"
- شو بتحكي! هو ماركس حكى هيك "جاجة حفرت عَ راسها عفْرت!!؟".
تابعت عملها مع "الجاجة" وقالت: آه هيك حكى،اقرا منيح.
- ممممممممممممم طيب، والله لأرجع لكتاب راس المال وأشوف.
- إرجع، إرجع يمّا ع راحتك.
نهضت ومضيت، وأنا أتخيل دجاجة فلسطينية تعفر التراب على رأسها. الغريب أن المشهد لم يبدُ لي غريبا، وبأن ماركس قد قال ذلك فعلا، وبالتالي لا حاجة لمراجعة كتاب "رأس المال".
• وفي النهاية علمتني أمي قالت!
علّمتني فضة أمي يوما قالت: يا ولد قلبك ليس مشاعا، ذلك لإنه لك ولمن تحبهم ويحبونك بحرية، سواء كانوا ناسا،وطنا، شجرة، زهرة، سنبلة، ضوء، حجرا، أو حتى مجرد فكرة. أما عقلك فاتركه مشرعا للناس على مداه، من يتفق معك ومن يختلف، فالفكرة تبحر في الوعي حين تراقص فكرة تتناغم معها، وأيضا حين تواجه نقيضها باحترام.
الله يسعدِك يَمّا. حيثما تكونين.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1