حوارعبد العال "للهدف": المطلوب أدب مقاوم حقيقي.. معجونٌ بتجربة البشر

بوابة الهدف
31-07-2020
قد يكون من الصعب تحديد بدء الحديث عن مروان عبد العال، هل هو الروائي، والتشكيلي، أو القائد السياسي؟ وبأيهما نبدأ؟ ولكن لعله هو يجيب عن هذا السؤال، وعن من الذي أوجد الآخر مروان عبد العال السياسي خلق صنوه الثقافي والفني، أم أن الأديب هو الذي أوجد السياسي فيه، وهذا الأمر لا علاقة له بكيف بدأ حياته كما يظن قارئ متسرع، بل له علاقة بالمسارات التي تتخذها الحياة.
هذه المقابلة ليست عن تجربة مروان عبد العال عمومًا، ولكن نحاول عبرها فهم الأفكار التي تقف وراء المآل الأدبي والسياسي.. مروان عبد العال النموذج الناصع للمثقف الذي يخوض نضالًا سياسيًا بدون وجل ولا تردد؛ متموضعًا في متراس المخيم لا يفارقه. في تعريف تقني هو روائي فلسطيني وقائد سياسي مناضل، له روايات عديدة وشهيرة، وعشرات المقالات، إضافة إلى كونه فنانًا تشكيليًا.
ثمانية وأربعون عامًا مرّّت على اغتيال المفكر الأديب غسان كنفاني ، كيف تقرأه اليوم؟
ما زال غسان يفعل في ذاكرتنا ووجداننا، ويتفاعل في كيميائنا الروحية، يعيد إنتاج ذواتنا في أدبه، وينمو حسنا بإبداعاته. في كل ذكرى لغيابه نبحث عنه وفيه، بأبعاده وخلفياته، في فكره وحلمه، ولنكتشف كل مرة أن خسارتنا فيه تكبر وحزننا يتسع، وأن ثمة قصة لم تكتمل، وحكاية تضاف، وسؤال يشتعل. الجدير بنا اليوم أن نُكرّم السؤال من مدخل السائل: السؤال الذي ميزانه عقل ومبتغاه الحقيقة وأسهم في اكتشاف كنزنا الثمين الكامن في ذواتنا، والذي بات خطراً على العدو، يستحق الإسقاط، فكان السائل "غسان" شهيداً كي يلحق السؤال به وتتبعثر الأجوبة في غياب؛ السؤال الذي دق به غسان كنفاني جدران رؤوسنا: ما الذي حصل لنا يا ترى؟ ولماذا حصل ما حصل؟ وهل ثمة خطأ في المعادلة؟ ولأن دائرة الفكر السياسي الُمُحكم عند غسان ترفض تلقي الحقيقة بصورة عابرة ولا تشبع ذاته نصفها، تجده يغوص في المعرفة؛ يبحث بأسئلته في أصل الأشياء، يعيدها إلى منطقها فتتحول إلى أجوبة متعددة كي تستعاد لتتحول مرة أخرى إلى أسئلة جديدة، واحتمالات وأبحاث جديدة. في مقالاته السياسية وعالمه الأدبي المحكوم بهذه المنهجية، يطرح غسان القضايا بعقلانية شديدة ليتابعها ويعالجها بالسؤال، كما في روايته "رجال في الشمس" يحكي لنا عن أبي الخيزران، مجاهد قديم، تحول إلى مهرب، بعد أن فقد ذكورته في إحدى المعارك، فنكتشف رمزية السلطة وعلاقتها بنا في لحظة ألم وموت للقدرة والرغبة معاً، ضياع رجولته فضياع الوطن. ثم يأتي إلينا السؤال مفتاح الحل: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟". لا يريد غسان كنفاني لنا أن نقبل الهزيمة صامتين وأن نقابل الموت مكتوفي الأيدي! هو السؤال القائم والمقيم خلف كل هزيمة، المرتد كالصدى يلامس وحده الزمان والمكان تراكماً وتكاملاً على طول المساحات والمستويات. في كل مرة يتحول البعض إلى مواد مهربة، لا فرق على أي حدود يهربون صحراء لاهبة أم داخل مدن الضباب الباردة، منها أم إليها، ودائماً يقود الصهريج "أبو خيزران" يحترف التهريب. وفي كل انحراف عن الطريق وإن وجدنا أنفسنا محشورين في خزان لقيادة ضالة، مكبلة وسلطة فاسدة، عاقرة، تستكين مع عدو يستبيح حريتنا وكرامتنا وقيمنا وأرضنا، نستحضر سؤال غسان كنفاني "لماذا لا ندق جدران الخزان؟".
قرابة نصف قرن على رحيله وما استقال السؤال.. يقرع غسان جدران الخزان، ويتواصل صدى دعوته لنا بأن نطرح السؤال، لذلك نحن جيل السؤال، ولدنا فيه ونقيم فيه، منذ السؤال المستحق على مدى غيابه والمؤجل منذ هزيمة 1967، والمستتبع في سلسلة الهزائم المتوالية والفشل المستمر، هل سنصل نبوءته بأن نكون جيل المستقبل وجيل الانقلاب والمعادلات الصحيح؟ هل سندرك مسؤوليتنا التاريخية لما مضى ومسؤوليتنا لما يلي، فقط لكي نمنع عدونا بأن يغتال إرادتنا بإقناعنا بـ "حتمية الهزيمة"، وبدل من أن تتنطح "لا"، آتنا لـ "نعم" آتنا، وهي تدفن الرأس بالرمال لكي تحجب الرؤية ومعها التحولات والهزيمة بأسبابها ونتائجها، أو أن تستقوي "نعم" آتنا على "لا" آتنا بالهزيمة؟ هل سيغيب العقل والسؤال والحل، ولنغتال وبوعي هذه المرة إرادتنا وبأيدينا في احترابات نفتت بها ذواتنا وثنائياتنا الفردية والجماعية؟ ما زال غسان يحثنا أن نتحمل مسؤوليتنا بأن نستقوي على الهزيمة، بأن نعيها أسباباً ونتائج ومقدمات وخلفيات، تفاصيل واستشرافاً، ونلامس شروط الاستمرار والنجاح والمستقبل. ما زال غسان يعهد بنا أن ننتج إرادة أساسية للمعرفة، موحدة وصحيحة، تولد كنتاج لقراءة تجربتنا مراجعة تاريخنا بشمولية وإتقان منهجي، لننتج معرفتنا، لتزداد تراصاً على تراص نحو مزيد من النضوج والتطور والنمو، بل الامتزاج والتداخل وبلغة تزداد وضوحاً ودقة واعية للمفاهيم والنزاهة الفكرية والأخلاقية، ضمن رؤية فكرية متماسكة، هي انبعاث جديد للمنهج الصحيح، يعيد للعقل مكانته، وللروح ألوانها وللعيون بريقها، وبذلك نوفي غسان، الدرس والدم، بل كأنه اليوم يهمس معنا بإصرار: "آن الأوان أن يعلمنا الجرح كيف نرتكب الصح !".
كيف أثرت كتابات غسان ومجايليه المتنوعة بين الأدب والسياسة، في التأسيس للمشروع الوطني السياسي الفلسطيني؟ وأين الأدباء والكتاب اليوم من هذا المشروع؟ وهل يصح التقسيم الذي يتناول الأدب الفلسطيني ما بين مرحلتين: قبل وبعد أوسلو؟
رسالة غسان كنفاني في توظيف الخيال السياسي بأعمال أدبية، والخيال السياسي ليس عقيدة سياسية، مبنية على الوعظ والبيان والخطاب السياسي، لذلك ظل النص الأدبي عنده محتفظ بعفويته وإبداعيته وقيمته الجمالية وعمقه الوجداني، بل تمكن من خلال رسالته أن يجسّر الهوة بين الأدب والسياسة، وكشف دور الأدب في تحفيز وشحذ الخيال السياسي. غسان كنفاني بهذا المعنى منح السياسة بعداً جديداً ومغايراً، في القدرة على صياغة المفهوم الأعمق والأدق للعمل السياسي، حين كان مشاركاً في المراحل الأولى لبلورة استراتيجية الصراع، وبناء الحركة الوطنية الفلسطينية كحامل وطني للمشروع التحرري. ماذا يعني أن نقرأ حواراته الفكرية القديمة ونشعر اكأنها بنت الساعة؟ ونعصر جملة المفاهيم الثورية التي صاغها حول الوحدة الأفقية بين الفصائل والتنظيمات، والوحدة العمودية، أي بين التنظيم السياسي والجماهير. وأن الوحدة لا تعني التماثل، إنما صلابة وطنيتها ووحدتها تكون في التنوع والاختلاف وتعدد الآراء. صاحب الخيال السياسي الذي لامس خطاب الدولة «المسخ» التي لا يمكن أن تقوم على فلسطين ناقصة، يعلمنا أن الحس السياسي هو الفطرة التي تؤسس للوعي المنضبط لقاعدة التناقض الرئيسي مع العدو، وما تفعله الحساسية السياسية التي تحول السياسة إلى حنكة وفهلوة وشعاراتية وكلمات عرجاء تنهك القيم واللغة، الذي يدرك أن لا حياة بدون ماء ولا سياسة من دون ثقافة، وغسان كنفاني المناضل الذي صاغ مشروع الاشتباك التاريخي المجتمعي، وانخرط فيه بكل تفاصيل حياته، فلم يكن مكانه بين المثاليين الذين يكتفون بالثرثرة، المقيمين في صالونات وقاعات المؤتمرات المدفوعة الكلفة والأبحاث، وزمن الثقافة المدفوعة الأجر من صناديق الدول المانحة وبنوك التمويل الدولية وشيكات التسول لصناعة مفردات الترويض والتطبيع والتمييع.
كان لغسان القدرة أن يضع الخيال السياسي في قلب علم الاجتماع الملموس، وليس في الدراسات الأدبية والنصوص المجردة، لذلك تمكن في نقد العوالم الاجتماعية السائدة وطرح عالمه الحقيقي كما يراه وكما يفهم حياة الشعب الذي ينطق باسمه، وعلى سبر أغوار الروح الفلسطينية العميقة والبعيدة، وطرق تفكيرها وأساليبها وأنماطها التعبيرية. صارت الرواية في يده منشوراً سرياً تتداوله الجماهير يصل بها حد امتلاك الوعي الكامل، والأمل والثقة الراسخة بانتصار الحق والخير والعدالة.. صارت فسحة نتأمل فيها تجربتنا، ندون عليها مآسينا.. صار لها بعداً جمالياً لهويتنا ولنشيدنا الملحمي.. الأدب كقضية الإنسان. هذا الأدب لا ينتجه إلا أديب ذو أصالة ذاتية وموضوعية، وذو عبقرية ثورية في اصطياد العلاقة بين الخاص والعام، الواقع مع الماضي واستقراء التجربة والتاريخ لتبيان عمق الصراع، مفهومه ومستقبله في بنيان معرفي للتاريخ، للذات وللآخر، كأن غسان يريد القول أن التناقض الرئيسي بوجهيه لا بد من حضورهما في بنيتنا الذهنية. هذا الأدب لا ينتجه إلا أديب واعي ثوري متشابك نفذ إلى النهايات البعيدة التي يتقهقر دونه الطارئ الدخيل اللا إنساني، أمام أصالة الجذور التي ما زالت حية وضاربة في عمق الأرض والتاريخ.
لا يموت غسان.. لا قبل ولا بعد أوسلو.. "الكنفانية" ماذا تعني؟ المناضل الشامل، وهي قيمة نادرة في زمن بعد أوسلو، الكنفانية تعني القائد الشاب والمثقف السياسي، الذي يفهم السياسة ببعدها الثقافي ومداها الفكري وبالتربية السياسية وليس بالمرتبة والرتبة، يضع أهمية الرؤية فوق الرأي، والتجديد فوق التقليد، والنقد بدل النقل، إذا أسقطنا نموذج «الكنفانية» في حياتنا السياسية، تتجوف السياسة وتتحول أدواتها إلى مجموعة موظفين وعدة شغل في خدمة رب العمل. نموذج غسان يصرخ في رؤوسنا: ما قيمة الشعوب بلا رموز؟ والأوطان بلا مقدس؟ وما معنى كرامة الإنسان من دون الغاية النبيلة؟ يعني الثقة بالمستقبل وتحقيق النصر. نموذج البطولة المستمرة في "الرجال والبنادق"، وليس مطاردة الشهداء والأسرى وكل الذين كتبوا بأحلامهم اسم فلسطين، ورسموا بدمائهم خارطة الروح والحلم، والتي هي كل فلسطين. فكر التحرر في رواية فلسطينية أسطورية ستنتصر على الخرافة، لأن نسجها من خيوط الحق والحقيقة وهي فينا باقية، شيء لا يرى ولا يمس ولا يذهب. الكلمة الرصاصة في معادلة القوة الناعمة والممتنعة والمتجددة. تؤمن «الكنفانية» أن في هزيمة الكيان الصهيوني هزيمة لكل ما هو متخلّف في الحياة العربية، لأنها كانت في الإضافة الحسية للقضية الفلسطينية، أعطتها ولم تأخذ، حملتها إلى الإنسانية ولم تحولها إلى منفعة آنية، تلك «الكنفانية» التي توجس خطرها العدو في جيل انقلاب جديد يحمل قنديل الحرية إلى قصور العتمة والظلام والظلم والظلامية، جيل كان قد بشّر بغسان وهو من عبّر عنها بقوله: «لقد دهشت حين سمعت مجدداً حوار أبطالي حول مشاكلهم، واستطعت أن أقارن حوارهم بالمقالات السياسية التي كنت قد كتبتها في الفترة الزمنية ذاتها، فرأيت أن أبطال القصة كانوا يحللون الأمور بطريقة أعمق وأقرب إلى الصواب من مقالاتي السياسية».
النقد كان أساسيًا في كتابات غسان الأدبية والسياسية، خاصة أنه تزامن مع ما يسمى مرحلة صعود الثورة الفلسطينية وفصائلها.. ورغم أن النقد في هذه المرحلة مطلوبًا أكثر، إلا إننا نشهده شذرات متفرقة أو خجولًا في مواجهته لأخطائنا، هل انتفى الكاتب الناقد لحساب كاتب السلطة؟
لا تتضح بعد الرؤية حول نقد عربي أو فلسطيني معاصر يحمل ملامح ومبادئ متميزة، ناهيك عن دور فعَّال في دفع الأعمال المميزة نحو الأمام، أو في تصويب ونقد الأعمال التي تتكاثر يوماً بعد يوم. الاجتهادات النقدية ما تزال فردية، ولا نرى تفكير في لم الشمل وتوحيد الجهود في تكتل رسمي. اليوم يتفشى ورم الجوائز ويتسرب الإبداع إلى الإفاضة والرداءة، بات هاجس الفوز هو المحرك الأساسي؛ الجميع يكتبون، وعالم الجوائز محاصر بموجبات الفوز وتشريعاتها المسيسة، هكذا تم تسليع الإبداع، ولم يعد للقارئ وظيفة إلا استهلاك المستهلك، إذ تقوم الجائزة بعمليه الفرز والانتقاء وكأنها بوصلة في إدارة الذوق الأدبي، وبهذا باتت تقوم مقام النقد الأدبي الذي يمر بمأزق كبير، خصوصاً بعد انحسار موجة النقل عن النقد الغربي التي أضفت هالة من النخبوية على بعض النقاد.
نريد من النقد ما نريده من الأدب والسياسة معاً: أن نفصل العمل الغث من العمل الثمين، والأدب الرديء عن الأدب الجميل، كما لا تنفصل البنية عن الوظيفة وأن لا يخرج الواقع عن الحلم؛ كما لا نريد ان ينتهك التكتيك الاستراتيجية، وان لا تنتهك السياسة الأخلاق، وأن لا تنتهك الأيديولوجيا الهوية الوطنية، وأن لا تنتهك الوطنية البعد القومي والإنساني.
إذا أردت أن تتحدث عن تجربتك الشخصية كسياسي وروائي وفنان.. ففي أي موقع يمكن أن تضعها؟ وأين موقع غسان منها؟
دائماً يطرح مثل هذا السؤال، والاجابة المباشرة تكون بما قاله غسان نفسه " ليس بوسع أحد أن يملأ مكان أحد"، لذلك و بقرار طوعي، اعتبر نفسي أنتسب إلى الرفيق غسان كنفاني، مدرسته الإبداعية، وثقافته العضوية، وأنا أتمنى أن ألتقي بجيل الانقلاب الثوري الذي بشر به غسان. وعندما انتمى لهذا الكنفانية بمداياتها الفكرية ومساحاتها الفنية والجمالية، فذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال أنه تقليداً بل تجديداً، ولا توريثاً بل إكمالاً. الوفاء الحقيقي بإكمال درب غسان وليس بتحويله إلى كليشهات ونسخ مصورة عنه وإقامة طقوس سنوية وتكرار نصوص ومقولات وعبارات وكفى! لأن غسان نموذج "لم يكتمل"؛ كان يكتب ويناضل ويرسم ويحرر مجلة وهو في حالة جريان، فلسطيني مطارد بالأمكنة والأزمنة، حتى أن هناك روايات كتبها غسان ولم تكتمل! وأفكار لم تكتمل كأنها في حالة جدل، وجمل صاغها كأنها تنتهي بفاصلة وليس بنقطة كي تنهي الجملة! وأكثر من ذلك عمر غسان لم يكتمل! لم يرد الأعداء أن يكتمل فقتلوه في عمر ال 36 سنة، مع ذلك أسس ولم يكمل ومنذ المراحل الأولى لبلورة استراتيجية الصراع، مع بدايات الحركة الوطنية الفلسطينية التي اعتبرها الحاضن الجمعي والوطني للمشروع التحرري.
أنتمي لغسان الذي وضع فلسطين في أعمدة الجرائد المحلية العربية والدولية والذي قاد مجلة «الهدف» أن تكون صوت "الحقيقة كل الحقيقة للجماهير"، وجملة المفاهيم الثورية التي صاغها حول الوحدة الوطنية "الأفقية" كما وصفها، أي بين الفصائل والتنظيمات، ومكونات الشعب الفلسطيني داخل وداخل الداخل والشتات بكل أبعاده، والوحدة "العمودية"، أي بين التنظيم السياسي والجماهير؛ وأن الوحدة لا تعني التماثل، إنما صلابة وطنيتها ووحدتها تكون في التنوع وتعدد الآراء وتنظيم الاختلاف. أنتمي لغسان الذي اعتبر الوطن ليس مجرد ذكرى وماضي إنما مستقبل، وأن معنى فلسطين وحقيقة فلسطين تنتصر على فلسطين ناقصة. تعلمت منه أن الحس السياسي هو الفطرة التي تؤسس للوعي المنضبط لقاعدة التناقض الرئيسي مع العدو.
نعم، بقرار طوعي، أعتبر نفسي أنتمي إلى مدرسة أم سعد، تلك الإنسانة التي تعيش في مخيم البؤس وتدلي بفكرته التغييرية؛ إن الثورة لا يصنعها البؤس، بل وعي البؤس، وترفض تخليد اللجوء، وكل من يسعى لتحويله من حالة سياسية إلى حالة إنسانية، وتصوغ منظومة خيمة المقاتل بدل خيمة اللاجئ التي تنتشر وتتوسع وتعبر الحدود والقارات وتتجلى في خلق فزاعة المخيم، لتدمير القلاع من داخلها، ليصير كل مخيم يبحث عن مكان وأمان وعن لقمة عيش، بدل أن يبحث ويناضل ويسير على طريق العودة إلى الوطن، وليس طريق قسري نحو منفى جديد.
بقرار طوعي، أنتمي لغسان الذي انتهي جسداً، ولكن فكرته تبقى عندما تتجدد وتكتمل باستمرار، اكتمال التمرد الإنساني والتحرري بعبارة «لا»، الكلمة التي يكمن فيها جذور الثورة، فالمقاومة للمستعمر تبدأ من قول «لا» لتصبح إثباتاً لحرية الإرادة في الإنسان، وبخاصة حينما يقول الجميع «نعم» وهذا الأمر يتعلق بالغالبية. وكما استنتج المفكر تودوروف أنها تصبح أكثر خطورة لأننا امتثاليون نوعاً ما، ومستسلمون في غالب الأحيان، لذلك كلمة «لا» تعني رفض منطق المستعمر، أما كلمة «نعم» فهي إشارة بقبول حتمية الاستعمار. في الوقت الذي يؤدي فيه "أمراء الغزو" رقصة الاستلاب والتطبيع والترويج لرواية العدو؛ رواية الموت التي تبدأ فلسطين وتمتد بأدوات عديدة من ضفاف الفرات إلى قلعة الشهباء التي أحرقت بالأمس مسرح الخراب. اختلال بالعقل، الهزيمة الأكبر تلك التي تسقط العقل من المعادلة، وإزاحته ليتم ارتكاب المشهد الأسوأ في بشاعة النص وفظاعة الدور، ولأن الفكر يضبط ويوجه السياسة، تعهرت السياسة عندما يغيب العقل، وصرنا أمام سؤال من أين أتى هؤلاء بكل هذه الوضاعة؟ حتماً، الأصل في التخريب المنهجي الظلامي والتكفيري بكل مستوياته الأحادي والإقصائي والمتخلف، أو حتى العنصري الذي أصبح في هذا الزمن كما قال ماركس" أفيون الشعوب"! يكتمل غسان بتحقيق حلمه وغايته وأدبه وفكره ومقاومته التي لم تنقطع حتى آخر نفس من أجل مشروع ثقافي نهضوي وطني وقومي متكامل.
العلاقة الجدلية في الأدب والسياسة.. تجعلنا نطرح سؤال: من الذي يسبق الآخر السياسة أم الأدب؟ بمعنى هل المشروع السياسي هو الذي يشكل حامل للمشروع الأدبي أم العكس؟ وما المطلوب كي نكون أمام مشروع متكامل؟
تظل العلاقة بين الأدب والسياسية، في كل اللحظات، عصية وملتبسة، لكن أعظم الأدب ما جاء انتصاراً على الألم والاغتراب والظلم والاحتلال والاستعمار، وأوفره دلالة وأبعده أثراً وتأثيراً، ما خالطت في كلماته فلسفة المقاومة. في دراسته الثانية للأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، يكتشف غسان "أن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليس أبداً أقل قيمة من المقاومة المسلحة بذاتها.."، ثم يعود فيؤكد أهمية الثقافة، بأنها "الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة وتحتضنها وتضمن استمرارها وتحيطها بالضمانات". الأدب المقاوم كما عرفه غسان هو محاولة لإيجاد المعادلة الصحيحة المنافية حتماً للذهنية التخريبية بأن "السياسة تنبع من فوهة البندقية"، وبأن مجتمع المقاومة بثقافته، بحفاظه على ذاته وتعبيراته ولغته وأدبه، هو وعاء العمل المسلح، وأن الأخير هو نتاج للأول، وليس العكس. غسان يضيء لنا نواحي مغيبة في رؤية معرفة ذاتنا وقدراتنا ومواردنا كي نستثمرها في الصراع وعلى ذات القيمة للأشكال والتعبيرات الأخرى، وهو الذي ردد في أكثر من مناسبة "الكلمة بندقية"؛ بفعلها وقوتها ومسؤوليتها.
نريد للأدب كما فهمه وأنتجه غسان أن يحدث انقلاباً في الدلالة، فتغدو الرواية مساحة حرية وانطلاق في عبثيتها وعشوائيتها، كما في اتزانها وارتباطها بالواقع وفي ربطها بين الشخصي والعام والإنساني والوجودي.. نريد للأدب أن يكون له شكلاً رافضاً مقاتلاً لشرط الوطن المصادر من احتلال نيو استعماري، مشيراً إلى استحالة الحوار والتعايش بين ابن الأرض الشرعي ومغتصبها.. نريد للأدب أن يكون درعاً حامياً من وطأة التجربة المعاصرة التي حاقت بشعبنا، ليقاوم به آلامه وفواجعه.. نريد للأدب أن يطلق آهة الحناجر المذبوحة، وصرخة الأعماق الغاضبة المكبوتة، وضحكة الأطفال البريئة.. نريد للأدب أن يطرح أسئلة كبيرة وعميقة، وأن يعرض مفهوم الزمن، حرباً أم اشتباكاً.. أي الصراع المستمر بأشكال لا ضرورة أن تكون عنيفة إن لم تسمح قدرتنا بها، لذلك فلحظة السلام! ولا لحظات التقهقر أو الهدنة أو الراحة تعني أن الصراع قد توقف.. نريد للأدب أن يعالج سؤال الوجود، ليس كمأساة تستحق الشفقة، بل عمق الإنسان وجوداً ووجداناً، واقعاً وحلماً. حفظ الوجود.. أن تحتفظ بنفسك، وما عدا ثانياً.. أي ما تستطيعه قدرتك وليس رغبتك، لماذا؟ لأن الصراع مستمر، هو التحام متواصل، هكذا يعرفه غسان، أي أن هذا الالتحام وهو الصراع ما زال يمتلك أسباب استمراره موضوعياً، وإلا لماذا الفضيلة بحفظ البقاء وما عدا يأتي، هو مؤجل ولكن ليس ملغياً إن لم يكن هدفاً آنياً ومعلناً؟
أمام مشروع متكامل، مطلوب أدب مقاوم مكتوب من لحم ودم، قادم من الحياة، معجون بتجربة البشر، ليس ابن لحظته، بل يتذكر سابقه ويحلم بالقادم.. أن يكون برزخاً بين عالمين، حيث القطائع غير نهائية ولا انعطافية، بل تكميلية باتجاه الارتقاء، دون قطع الأدب والسياسة عن واقعهم، أو عن التاريخ، ودون جعلهم أسرى الطارئ الدخيل حتى لا نموت معه وفيه.
أمام مشروع متكامل، مطلوب رؤية بديلة وحديثة تجدد وتؤصل الصراع وأدوات فعل جديدة قادرة على الابتكار، هذا هو إرث غسان كنفاني وهذه قضيته، وهذا ما عهد به إلينا.



التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1