كل غريب سيعود- مروان عبد العال

بوابة الهدف
26-06-2020
أنا وأنت الغريب، الذي لا يشبه غريب ألبير كامو، غريب يعيش "غربة مزمنة" ووجع مزمن ومقاومة مزمنة. نتذكر انفسنا في صورة توحدنا داخل التغريبة الفلسطينية، وفي حكاية شتات يجمعنا و يجعلنا ننظر في ذاتنا اكثر .
كنّا شبيبة منذ عرفنا غريب ، نفسر سر الملامح وخطوطها التى تعتلي وجهه والنظرات الحادّة والثاقبة والحزينة في آن . اسمه كلّ يعتلي متاريس الرمل، كان يبعث الشجاعة في القلوب اليافعة ما يعني من شدّة وحزم وحيرة. فهو استعار الاسم لضرورة أمنية بقصد التّخفّي، و كمحارب لا يريد لرصاصة ان تتبّع آثاره، والبحث عنه لقتله أو القبض عليه.
انت الفلسطيني الغريب الذي طرد من وطنه، يشقى في الحصول على اوراقه الثبوتية، يشقى في السفر في الحصول على فيزا و لعمل مشروع او اجازة او حق لكسب لقمة عيشه وحقه وسكنه ومخيمه ، وممنوع من دخول وطنه برا وبحرا وجواً، حياة ممنوعة ، حياة قليلة ، في بقايا مخيمات وبقايا وطن ، هو بقايا لاجئ ، مطارد فيه لجوءه حتى لو كان في تابوت .
ماذا يعني ان تكون غريباً ؟ ان تفتش في المعاجم عن معاتي الغربة ، وتقرأ عن الاغتراب في عالمٍ تسوده عبثيّة مطلقة، وان الشكل الاجتماعي للحياة العارية حيث لا يشعر من خلالها الفرد بانتمائه لمجتمعه ، وتسقط القيم العزيزة عليك والمبادئ التي تربيت عليها و مازلت تؤمن بها ، فتصاب بخيبة أمل وتفضّل الانكفاء والانعزال كالغريب، لكنه الغريب كان عكس ذلك تماماً
انت غريب آخر ، في قلبه المحروم من وطن ومن بلادك وبلاد العرب ايضاً ، حرام عليك وحلال على غيرك، من الشعب المُخترع و العنصري بإمتياز والدّخيل والثقيل معاً.
كم انت غريب في كل مرّة تتذكر أن بلاد العرب اوطاني، وتسأل لماذا تغلق حدودها عليك وتفتحها على كل شعوب المعمورة المزعومة منها والمعلومة ؟ يتوقف عندك وليس غيرك كرم الضيافة العربية الاصيلة! و بلغة عبرية مدبلجة تنعت الفلسطيني "بناكر الجميل " ويفتي شيخ القبيلة ان يلقى الغريب في البحر وخلف البحار ، صرت انت وحدك الغريب ! وهم شعب الله المختار !
يا غريب، تقاتل عمراً كي تنتهي غربتك، ترفض اغراء ان تستبدل غربتك القاسية بروايتهم الكاذبة، و ان تنسى ذكرى نكبتك ! وحلم العودة إليها! لأنك مقتنع للعظم انها ليست غربة فردية، بل غربتنا جميعاً، في مخيم اقام ل فلسطين بيتا في قلبه وحياته ،ظل فيك مثل نافذة مفتوحه نحو الأبد.
تأبى غربة فلسطين ، حتى لو قتلتك مرارة غربتك ، وحتى غربة شعبها عنها. تظل اينما حللت غريباً في غربة لا تنتهي ، غربة لم تعترف بها الأوراق الثبوتية ، طالما أنك تحمل في صدرك ورقة الانتماء الحقيقية ، هوية في الوجدان والضمير والروح.
ليس غريباً من يؤمن ان الشعب الفلسطيني لن يختفي من الوجود ، لقد حسبوا له الف حساب كي يختفي.. يسافر، يرحل، يذوب ، يتلاشى، ان يصبح غريباً للأبد ، كسنوات التّيه في صحراء خالية، ولكنه حقيقة لا تزول و لم تختف.
جربوا فينا كل شيء، القنابل الذكية والغبية والعنقودية والفسفورية والانشطارية والفراغية، الطائرات والمسيرات والدبابات والعملاء وكواتم الصوت، التجّويع والتّخويف والتّهجير ، ماذا لم يجرب بعد؟
لكنك لم تتعب! من لا يهزمه التّعب لن يبقى غريباً، لأنه ابن شعب راسخ في الوطن ، يكبر فيه وينمو في ذاكرة المخيم حتى لو كان جهنم. لا غربة في من يعتبر وجوده مقاومة ، وطالنا ردد على مسامعنا : طالما انا موجود فعدونا لن يبقى!
غريب ، يا فدائي البدايات، المنحاز الى زمن البداية، ومن جيل البدايات ، تحمله الى جيل الشباب لتزرع بذور البداية ، التي كانت وظلت مبدأه وعقيدته النضالية: ان ارضاً تم احتلالها يجب ان تسترد! وان شعباً طرد من وطنه يجب ان يعود!
كتب بعد ان عجز عن النطق : سنعود للبداية!
اجبت و كل غريب سيعود!


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1